أسواق النفط

النفط.. بين الفرص والأرباح!

إذا كانت الدول المنتجة للنفط تستفيد كثيرًا من زيادة الأسعار، إلا أن المستفيد الأكبر من “فجوة العرض”، هي شركات النفط الكبرى.

الأزمات الجيوسياسية لا تزيد إنتاج النفط، لكنها تعيد تسعير المخاطر فورًا، مما يحول التوتر إلى أرباح فورية في ميزانيات الشركات الكبرى.

 

تُعد أســواق النفط الأكثر حساسية تجاه المتغيرات السياسية والأمنية؛ إذ لا ترتبط حركة الأسعار بحجم الإنتاج والإمدادات فحسب، بل بدرجة كبيرة بالتوقعات والمخاطر المحتملة؛ ففي كل مرة تشهد فيها مناطق إنتاج الطاقة الرئيسة اضطرابات أو نزاعات، تتجه الأنظار نحو أسواق النفط التي غالبًا ما تكون أول المتأثرين بتلك التطورات.

وقد مثَّلت الحرب بين الولايات المتحدة وإيران نموذجًا بارزًا لهذه العلاقة المعقدة بين الجغرافيا السياسية وأسواق الطاقة، بعدما تسببت في واحدة من أكبر اضطرابات إمدادات النفط خلال التاريخ الحديث، إثر إغلاق مضيق هرمز وتعطل ما يقارب %15 من الإمدادات العالمية. فلم تعد الأزمة مجرد تحدٍ لقطاع الطاقة، بل اختبار جديد لقدرة الاقتصاد العالمي على مواجهة صدمات جيوسياسية متلاحقة خلال فترة زمنية قصيرة.

الحرب وتأثيرها على أسواق النفط

ومع اندلاع الحرب في أواخر فبراير 2026م، بدأت أسعار النفط في الارتفاع حتى قبل حدوث أي نقص فعلي في الإمدادات، مدفوعة بمخاوف الأسواق من احتمال تراجع المعروض العالمي أو تعطل طرق الشحن الحيوية، وعلى رأسها مضيق هرمز الذي تمر عبره ما بين %15 و%20 من تجارة النفط العالمية المنقولة بحرًا.

كما عززت مكانة إيران كأحد كبار المنتجين العالميين للنفط من حالة القلق في الأسواق، في ظل احتمالات تعرض منشآتها النفطية لأضرار مباشرة أو فرض قيود على صادراتها. وفي المقابل، واجهت دول الخليج العربي تحديات إضافية تمثلت في استهداف بعض البنى التحتية المرتبطة بالطاقة وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين وصعوبات النقل البحري.

وقبيل الحرب، وتحديدًا في 27 فبراير 2026م، كانت أسعار النفط تدور حول مستوى 72 دولارًا للبرميل، إلا أنها قفزت بعد بدء العمليات العسكرية لتتراوح بين 90 و108 دولارات خلال الفترة من 28 فبراير وحتى 10 مارس.

وخلال الأيام الأولى من شهر مارس، ارتفعت الأسعار بأكثر من 8 دولارات للبرميل عقب إعلان إيران استهداف أي سفينة تحاول عبور مضيق هرمز، بينما بلغت الأسعار ذروتها في منتصف مارس مسجلة نحو 119 دولارًا للبرميل نتيجة تصاعد التهديدات بإغلاق المضيق واستمرار الهجمات على منشآت الطاقة.

ومع استمرار الحرب وتعثر جزء من الصادرات النفطية، استقرت الأسعار قرب مستوى 112 دولارًا للبرميل في أواخر مارس، قبل أن تشهد أول تراجع حاد مع ظهور مؤشرات على قرب التوصل إلى وقف لإطلاق النار، لتنخفض إلى نحو 100 دولار مطلع أبريل، كما واصلت الأسعار تراجعها تدريجيًا مع تحسن حركة الملاحة في المضيق، لتصل إلى نحو 92 دولارًا للبرميل مع انتهاء الحرب.

 

الأزمات وعلاوة المخاطر الجيوسياسية

وتكشف المقارنة بين الحرب على إيران وأزمات الطاقة السابقة أن أسعار النفط غالبًا ما ترتفع بوتيرة تفوق حجم النقص الفعلي في الإمدادات، ويرجع ذلك إلى ما يعرف بـ “علاوة المخاطر الجيوسياسية”، وهي الزيادة السعرية الناتجة عن المخاوف والتوقعات المرتبطة بالأحداث السياسية والعسكرية.

ففي حين رفعت الحرب أسعار النفط من 72 دولارًا إلى نحو 119 دولارًا للبرميل، بزيادة تقارب %65، شهدت أزمة غزو الكويت وحرب الخليج عام 1990م ارتفاعًا أكبر، حيث قفزت الأسعار من 17 دولارًا إلى 41 دولارًا للبرميل، أي بزيادة تجاوزت %140.

وتؤكد هذه السوابق التاريخية أن الأسواق تتفاعل مع احتمالات تعطل الإمدادات قبل وقوعها فعليًا، ما يجعل العامل النفسي والتوقعات المستقبلية عنصرًا مؤثرًا في تحديد الأسعار لا يقل أهمية عن حجم الإنتاج نفسه.

حرب روسيا وأوكرانيا وأثرها على الأسواق

وقد مثّلت الحرب الروسية الأوكرانية واحدة من أبرز الصدمات الجيوسياسية التي شهدتها أسواق الطاقة خلال السنوات الأخيرة، حيث دفعت أسعار النفط إلى مستويات مرتفعة وأسهمت في زيادة معدلات التضخم عالميًا، الأمر الذي دفع عديدًا من البنوك المركزية إلى رفع أسعار الفائدة لمواجهة الضغوط التضخمية.

ففي عام 2022م، ارتفعت أسعار النفط من نحو 95 دولارًا للبرميل لتصل في ذروتها إلى قرابة 130 دولارًا نتيجة المخاوف من فرض عقوبات على الصادرات الروسية واحتمال حدوث نقص في المعروض العالمي، كما أسهمت الهجمات الأوكرانية على بعض الموانئ النفطية الروسية في تعطيل عمليات التصدير وزيادة حالة عدم اليقين في الأسواق، ورغم تلك التحديات، استفادت روسيا من ارتفاع الأسعار باعتبارها من كبار مصدري النفط عالميًا، ما يعكس الطبيعة المعقدة لتأثيرات الأزمات الجيوسياسية على أسواق الطاقة.

 

المضاربات ودورها في تحريك الأسعار

وعلى الرغم من أهمية العرض والطلب في تحديد أسعار النفط، فإن التجارب المتكررة تؤكد أن المضاربات في الأسواق المالية تمثل أحد أكثر العوامل تأثيرًا خلال المراحل الأولى من الأزمات؛ فالمستثمرون والمتداولون لا ينتظرون حدوث نقص فعلي في الإنتاج أو الإمدادات، بل يسارعون إلى شراء العقود الآجلة تحسبًا لارتفاع الأسعار مستقبلاً، الأمر الذي يؤدي إلى زيادة الطلب المالي على النفط ودفع الأسعار إلى مستويات أعلى.

وقد شهدت الأسواق عديدًا من الأمثلة على ذلك، ففي حرب الخليج عام 1990م، قفزت الأسعار بأكثر من %100 نتيجة الشراء المكثف للعقود الآجلة، كما ارتفعت الأسعار خلال حرب العراق عام 2003م، قبل أن تتراجع لاحقًا عندما اتضح أن الإمدادات لن تتأثر بصورة جوهرية.

وثمة من يرون أن جزءًا كبيرًا من ارتفاع أسعار النفط خلال الحرب الأخيرة كان نتيجة إعادة تسعير المخاطر في أسواق العقود الآجلة، وليس بسبب نقص فعلي في المعروض النفطي، كما تشير بعض التقديرات إلى أن مجرد احتمال توجيه ضربات لإيران أضاف ما بين 5 و18 دولارًا للبرميل كعلاوة مخاطر جيوسياسية.

 

من المستفيد من ارتفاع الأسعار؟

وبرغم اختلاف الآراء حول مدى استفادة النفط من الحروب، فإن التجارب التاريخية تشير إلى أن الأسواق النفطية تتفاعل سريعًا مع الأزمات قبل أن تعيد تقييم الأوضاع لاحقًا، وتحقق الدول المصدرة للنفط مكاسب اقتصادية كبيرة نتيجة ارتفاع الأسعار، إذ ترتفع الإيرادات الحكومية وتزداد قدرة الحكومات على تمويل مشاريع البنية التحتية والخدمات العامة وبرامج التنمية المختلفة، كما تسهم زيادة العائدات النفطية في تحسين الميزان التجاري وتعزيز احتياطيات النقد الأجنبي ودعم استقرار العملات المحلية. ومن جهة أخرى، يؤدي ارتفاع الأسعار إلى تحفيز الاستثمارات في قطاع الطاقة وزيادة الإنفاق على عمليات الاستكشاف والتطوير والتكرير والصناعات البتروكيماوية، فضلًا عن خلق فرص عمل جديدة وتعزيز النشاط الاقتصادي في عديد من القطاعات المرتبطة بالطاقة.

شركات النفط الكبرى: المستفيد الأكبر

إذا كانت الدول المنتجة تستفيد من ارتفاع الأسعار، فإن شركات النفط الكبرى غالبًا ما تكون المستفيد الأكبر خلال فترات الأزمات، خاصة الشركات المتكاملة التي تجمع بين الإنتاج والتكرير والتداول التجاري.

فعندما ترتفع التوقعات بحدوث نقص في الإمدادات دون أن يتراجع الإنتاج الفعلي بصورة فورية، تنشأ فجوة بين العرض المتوقع والعرض الحقيقي، وهو ما يخلق فرصًا كبيرة لتحقيق أرباح من عمليات التداول والمضاربة والتحوط المالي.

وتشير التقديرات إلى أن أرباح بعض شركات النفط الكبرى خلال الحرب الأخيرة على إيران ارتفعت بنسب تراوحت بين %30 وأكثر من %100، ولم تكن هذه المكاسب ناتجة عن الإنتاج فقط، بل عن أنشطة التداول والاستفادة من الفروقات بين الأسعار الفورية والعقود الآجلة.

ولذلك، فإن الشركات التي تجمع بين الإنتاج والتجارة وإدارة المخاطر المالية غالبًا ما تحقق أكبر المكاسب خلال فترات التوترات الجيوسياسية، حيث تتحول المخاطر إلى فرص استثمارية وأرباح مباشرة.

 

التداعيات الاقتصادية العالمية

وفي المقابل، لا تقتصر آثار ارتفاع أسعار النفط على المكاسب التي تحققها الدول المنتجة والشركات الكبرى، بل تمتد لتفرض أعباء كبيرة على الاقتصاد العالمي.

فارتفاع أسعار النفط يؤدي إلى زيادة تكاليف النقل والإنتاج، الأمر الذي ينعكس على أسعار السلع والخدمات ويرفع معدلات التضخم. كما يؤدي إلى تراجع القوة الشرائية للمستهلكين وتقليص الإنفاق على القطاعات الأخرى، وهو ما ينعكس سلبًا على معدلات النمو الاقتصادي.

وتواجه الدول المستوردة للنفط ضغوطًا مضاعفة نتيجة ارتفاع فاتورة الواردات وتزايد عجز الميزان التجاري والضغط على الموازنات العامة وبرامج التنمية. كما تتأثر سلاسل الإمداد العالمية والقطاعات الصناعية المختلفة نتيجة ارتفاع تكاليف الطاقة.

وقد أسهمت هذه المخاوف في دفع عديد من القوى الاقتصادية الكبرى إلى دعم جهود التهدئة خلال الحرب على إيران، إدراكًا منها أن استمرار الصراع كان قد يقود إلى مستويات قياسية من الأسعار ويزيد الضغوط على الاقتصاد العالمي.

 

آليات مواجهة الصدمات النفطية

وعلى الرغم من أن الاقتصاد العالمي أصبح أكثر قدرة على التكيف مع الصدمات مقارنة بالماضي، نتيجة الخبرات المتراكمة من جائحة كورونا والأزمات التجارية والحروب الأخيرة، فإن الحاجة لا تزال قائمة لتطوير آليات أكثر فاعلية للتعامل مع تداعيات الأزمات الجيوسياسية.

وتشمل هذه الآليات تعزيز مرونة أسواق الطاقة، وتطوير البنية التحتية لنقل النفط، وتوسيع شبكات خطوط الأنابيب، وتنويع مصادر الإمدادات ومسارات الشحن، إضافة إلى الاستخدام المنظم للاحتياطيات الاستراتيجية عند الضرورة.

وتؤكد التجارب التاريخية أن النفط يظل أحد أكثر القطاعات استفادة من التوترات والأزمات الجيوسياسية، حيث تدفع المخاوف وعدم اليقين الأسعار إلى الارتفاع حتى قبل حدوث نقص فعلي في الإمدادات؛ غير أن المكاسب التي تحققها الدول المنتجة والشركات النفطية الكبرى تقابلها تكاليف اقتصادية واسعة يتحملها الاقتصاد العالمي من خلال ارتفاع التضخم وتباطؤ النمو وزيادة الضغوط على الدول المستوردة للطاقة. ومن ثم، فإن مواجهة آثار الأزمات النفطية لا ينبغي أن تقتصر على زيادة الإنتاج فقط، بل تتطلب بناء منظومة أكثر قدرة على امتصاص الصدمات الجيوسياسية من خلال تنويع الإمدادات، وتعزيز أمن الطاقة، وتطوير البنية التحتية، بما يضمن استقرار الأسواق وحماية الاقتصاد العالمي من التقلبات الحادة.