ثمة توقعات بأن ترتفع قيمة سوق الهيليوم العالمية إلى 6.8 مليار قدم مكعب نهاية العام الجاري، مقارنةً مع 6.4 مليار قدم مكعب عام 2025م.
بينما يظنَّه الكثيرون مجرد أداة لملء بالونات الحفلات، يمثل “غاز الهيليوم” عصب الصناعات الفائقة الدقة وسرّ قوتها، بما في ذلك صناعة أشباه الموصلات (الرقائق الإلكترونية)، وهندسة الطيران، والصناعات الكيميائية والصيدلانية، والألياف البصرية؛ واليوم، مع تصاعد التوترات في مضيق هرمز، لا تواجه سفن الشحن خطر الصواريخ فقط، بل يواجه العالم اختناقًا صامتًا يهدد بتعطيل سلاسل إمداد التكنولوجيا الفائقة.
هذا الخناق الصامت تتضح أبعاده داخل غرف تصنيع الرقائق الإلكترونية؛ حيث تحتوي المنتجات اليوم على أكثر من مليار ترانزستور محفور على رقائق سيليكون لا تتعدى حجم ظفر الإصبع، ولتحقيق هذا التعقيد الهندسي الفائق، تمر الرقائق التي يصل قطرها إلى 30 سم بخطوط إنتاج معقدة تتطلب تحكمًا دقيقًا في العمليات على المستوى الذري.

خريطة النفوذ الجيوسياسي لغاز الهيليوم
وهنا تحديدًا، يتربع الهيليوم على رأس المواد الغازية والكيميائية الحرجة؛ بفضل خصائصه الاستثنائية من خمول كيميائي، وصغر حجم ذري، وقدرة فائقة على التبريد ونقل الحرارة، وهي المزايا التي تفسر التوقعات بقفزة قياسية في الطلب العالمي عليه بأكثر من خمسة أضعاف بحلول عام 2035م.
ولكن معضلة هذا الغاز الاستراتيجي تكمن في تركز إنتاجه عالميًا؛ إذ تسيطر دولتان فقط على أكثر من ثلاثة أرباع المعروض العالمي، وقد تضاعفت حدة الأزمة مؤخرًا عقب تراجع إنتاج الدوحة بشكل ملحوظ نتيجة استهداف أكبر مصفاة للغاز الطبيعي في العالم بمدينة رأس لفان الصناعية، ما أحدث هزة عنيفة في سلاسل الإمداد الآسيوية المعتمدة بالكامل على الممر المائي.
وتعتمد كوريا الجنوبية بشكل أساسي على الإمدادات القطرية، حيث تستورد سول %64.7 من احتياجاتها من الهيليوم الصناعي من قطر، كما تتأثر أيضًا دول رئيسة أخرى منتجة للرقائق الإلكترونية، مثل تايوان والصين واليابان، من تعطيل %30 من الإنتاج العالمي، مما يهدد استثمارات الشركات الكبرى التي تقدر بمليارات الدولارات. هذا وتُخصص شركات الحوسبة السحابية العملاقة، بما فيها “أمازون” و”مايكروسوفت” و”جوجل” و”ميتا”، مجتمعةً ما يقارب 650 مليار دولار للبنية التحتية للذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة هذا العام وحده، وهو استثمار يفترض استقرار سلاسل التوريد الأساسية.

المخزونات الاحتياطية توفر بعض الوقت
وذكر المحلل الاقتصادي الأمريكي، “نيك ليشتنبرغ”، أن المخزونات الاحتياطية توفر بعض الوقت، لكنها لن تعالج المشكلة بشكلٍ نهائي، ففي الواقع، وقبل اندلاع الحرب الأمريكية الإيرانية، بلغ الطلب العالمي على الهيليوم حوالي 170 مليون متر مكعب في عام 2025م، مقابل عرضٍ قدر بنحو 184 مليون متر مكعب، وقد استثمر المُنتجون بكثافة في سعة التخزين، مشيرًا إلى أن كهف تخزين الهيليوم التابع لشركة “إير ليكيد” في ألمانيا قادر على استيعاب ما يُقارب احتياجاتها لمدة عام، بينما قامت شركة “ليندي” بتشغيل كهف تخزين ضخم في بومونت بولاية تكساس، في يوليو 2025م، بسعة تتجاوز 85 مليون متر مكعب، أي ما يُقارب نصف الطلب العالمي في العام الماضي.
ودخلت شركتا “سامسونج” و”إس كيه هاينكس” الكوريتين الجنوبيتين لصناعة الرقائق الإلكترونية عام 2026م، بمخزون كافٍ من الهيليوم يكفي حتى يونيو من العام نفسه على الأقل، على الرغم من أنهما تدفعان علاوات لتأمين الإمدادات من مصادر أمريكية، ومع ذلك، لا يُمكن حفظ الهيليوم السائل في الحاويات إلا لمدة 45 يومًا تقريبًا قبل أن يبدأ بالتلف، لذا فقد ارتفعت أسعاره الفورية بالفعل بشكلٍ حاد.

سلسلة توريد الذكاء الاصطناعي
وأضاف ” ليشتنبرغ”، أن هذه الأزمة تكشف عن هشاشة هيكلية تجاهلها قطاع الذكاء الاصطناعي إلى حدٍ كبير، فعلى عكس غاز النيون، الذي ارتفعت فيه استثمارات إعادة التدوير بعد نفص الإمدادات جراء الحرب الأوكرانية، يُمثل الهيليوم تحديًا أكبر في التخفيف من آثاره، لأن بعض خطوات التصنيع، مثل “كشف التسرب”، لا تُتيح أي فرصة لإعادة التدوير تقريبًا، مشددًا على أن الهيليوم لا يحظى بالاهتمام الكافي في سلسلة توريد الذكاء الاصطناعي، مع أنه يستحق ذلك، فهو ليس ضروريًا لتبريد الرقائق أثناء عملية حفرها فحسب، بل لا يوجد بديل عملي له على نطاق واسع.
ورغم الأزمة الحالية التي تشير إلى كيف يتحول اختناق الممرات المائية إلى سكتة تقنية عالمية، وكيف أعاد نقص المواد الخام رسم خريطة الأمن الرقمي العالمي لعام 2026م، فثمة توقعات بأن ترتفع قيمة سوق الهيليوم العالمية إلى 6.8 مليار قدم مكعب نهاية العام الجاري، مقارنةً مع 6.4 مليار قدم مكعبة عام 2025م، وأن تسجل حوالي 9 مليارات قدم مكعبة بحلول عام 2031م، بمعدل نمو سنوي مركب قدره %5.7 خلال الفترة المتوقعة (2026م2031-م)، ويُعزى هذا النمو إلى الطلب القوي من قطاعات صناعية، مثل أشباه الموصلات، والتصوير الطبي، وإطلاق المركبات الفضائية التجارية، والحوسبة الكمومية.
ومن المتوقع أيضًا، ارتفاع حجم سوق أشباه المواصلات العالمي إلى حوالي 1.3 تريليون دولار بحلول عام 2035م، مقارنةً مع 676 مليار دولار بنهاية العام الجاري، و628 مليار دولار العام الماضي، بمعدل نمو سنوي مركب قدره %7.4 خلال الفترة (2026م2035-م).
وأشار الخبير الدولي في قطاع التعدين، “مفلح هدايت” إلى أن أزمة نقص الهيليوم جراء غلق مضيق هرمز، كشفت عن فجوة هيكلية في السياسات، كانت موجودة قبل وقتٍ طويل، حيث كانت سلاسل الإمداد التكنولوجية الأكثر تقدماً في العالم تعتمد بهدوء على غاز أحادي العنصر يتم إنتاجه في أقل من ستة مرافق عالمية رئيسة، بدون إطار احتياطي منسق، وبدون مسار بديل، وساعة تبخر مدتها 45 يومًا على أي مخزون عالق!
وتابع بقوله إن أكثر ما يُثير القلق على المدى الطويل من هذه الأزمة ليس الاضطراب بحد ذاته، بل غياب أي آلية دولية منسقة لإدارته، فعلى سبيل المثال، تتولى وكالة الطاقة الدولية تنسيق الاحتياطيات الاستراتيجية للنفط بين الدول الأعضاء، بينما لا يوجد إطار عمل مماثل للهيليوم، كما أن معظم الاحتياطيات الاستراتيجية الوطنية التي تشمل الهيليوم صُممت للاستخدامات العسكرية والحكومية، وليس لسلاسل توريد أشباه الموصلات التجارية، فلم يسبق أن خضع حجم اعتماد صناعة الرقائق الإلكترونية الحديثة على غازٍ لطالما اعتُبر منتجًا صناعيًا ثانويًا رخيصًا لاختبارات رسمية في مواجهة سيناريو اضطراب جيوسياسي بهذا الحجم. وأضاف أن الأزمة الحالية تأتي في وقت يشهد فيه الطلب على أشباه الموصلات مستويات قياسية، مدفوعًا بشكل شبه كامل بالاستثمار في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، حيث يُعد تصنيع رقائق الذكاء الاصطناعي المتقدمة بتقنيات (2، 3 نانومتر) أكثر استهلاكًا للهيليوم لكل رقاقة مقارنةً بالأجيال السابقة، نظرًا لدقة التصنيع العالية التي تتطلب إدارة حرارية أكثر دقة وبيئات كيميائية أنقى في كل مرحلة.

تقويض استثمارات بمليارات الدولارات
من جانبه، أوضح الخبير في مؤسسة أوبزرفر للأبحاث الدولية، “براتيك تريباثي”، أنه على الرغم من الارتفاع الكبير في أسعار الهيليوم الفورية، إلا أن هذا لا يُشكل مصدر قلق، لأن الصناعة تعتمد في الغالب على عقود طويلة الأجل، ومع ذلك، وفي حالة نقص المعروض لفترة طويلة، فإن الموردين سيضطرون إلى إعلان حالة القوة القاهرة لعملائهم المتعاقدين، لافتًا إلى أن هذا الوضع، يُهدد بتقويض استثمارات بمليارات الدولارات في البنية التحتية الرقمية التي تعهدت بها شركات الذكاء الاصطناعي العملاقة.
فعلى سبيل المثال، يُركز برنامج الإنفاق الرأسمالي لشركة (تي إس إم سي) لعام 2026م، والذي يُتوقع أن يصل إلى 56 مليار دولار، بشكلٍ كبير على تطوير تقنيات التصنيع والتغليف المتقدمة، ويفترض كل دولار من هذا الاستثمار توفر الهيليوم بكميات لا تستطيع الظروف الحالية استيعابها، وقد توقعت الشركة نموًا في الإيرادات يزيد على %30 العام الجاري مدفوعًا بالطلب المرتبط بالذكاء الاصطناعي، إلا أن هذا النمو يحمل الآن مخاطر إمداد كامنة لم تكن موجودة في التوقعات السائدة قبل ثلاثة أشهر.
وأضاف “تريباثي”، أن النقص المُتوقع في الهيليوم خلال الأشهر القادمة قد يؤدي إلى تفاقم الوضع، ما يُفضي إلى أزمة عالمية أكبر في إمدادات رقائق الذاكرة، داعيًا إلى ضرورة إعادة النظر في بنية سلاسل توريد التكنولوجيا، مبيناً أن نقص الإمدادات الناجم عن جائحة (كوفيد19-) أدى إلى توجه شبه عالمي لتنويع سلاسل توريد أشباه الموصلات، إلا أن هذه الجهود تأتي بعد ما يقرب من أربعة عقود من الترابط الاقتصادي العميق الذي قادته العولمة، ولذلك، من المرجح أن يستغرق الأمر بعض الوقت قبل أن تُؤتي هذه المبادرات ثمارها بالكامل، وخلال هذه الفترة الانتقالية، لا يزال القطاع غير مُستعد لاستيعاب صدمات سلاسل التوريد، سواءً أكانت ناتجة عن الطلب المتزايد بسرعة بفعل الابتكار التكنولوجي، أو عن نزاعات إقليمية واسعة النطاق تُعطّل طرق التجارة الحيوية.

مسارات التعافي من الأزمة
ويطرح مختصون ثلاثة سيناريوهات للتعافي من هذه الأزمة، وهي: السيناريو الأول: اضطراب قصير (خلال 60 يومًا)، وفيه يتم إعادة فتح مضيق هرمز، واستئناف إنتاج الغاز الطبيعي المسال والهيليوم القطري في غضون أسابيع، ويتم استعادة حاويات التبريد العالقة قبل حدوث خسائر التبخر الكاملة، وبذلك، تعود أسعار السوق الفورية إلى طبيعتها على مدى عدة أشهر، وفي هذه الحالة، تواجه مصانع الرقائق ضغوطًا على التكاليف، لكنها تتجنب تقنين الإنتاج، وتبقى جداول البنية التحتية للذكاء الاصطناعي سليمة إلى حد كبير، أما السيناريو الثاني: اضطراب ممتد (من 60 إلى 180 يومًا)، وفيه يستمر إغلاق ممر الشحن العالمي، وتحتاج البنية التحتية في رأس لفان إلى عدة أشهر من الإصلاح، وبذلك تنفد مخزونات المصانع، وتطبق كبرى شركات التصنيع تقنينًا لبدء إنتاج الرقائق، وتظهر انخفاضات في الإنتاجية، وتواجه شركات مثل “آبل” و”إنفيديا” ضغوطًا على تخصيص الإمدادات.
والسيناريو الثالث: اضطراب هيكلي (أكثر من 180 يومًا)، وتتوقف فيه إمدادات الهيليوم، ولا تستطيع الطاقة الإنتاجية المحلية الأمريكية سدّ فجوة الإمداد العالمي، وتُصبح أنظمة إعادة التدوير، القادرة على استعادة ما يصل إلى %80 من الهيليوم المُستهلك في بيئات التصنيع ذات الدائرة المغلقة، ميزة تنافسية حقيقية للمصنّعين الذين استثمروا فيها قبل الأزمة، وتتسارع مشاريع استكشاف الهيليوم الجديدة في أمريكا الشمالية وروسيا ووادي روكوا في تنزانيا، إلا أن جميعها تتطلب فترات تطوير تمتد لسنوات عديدة قبل أن تُساهم في توفير إمدادات ذات قيمة.
