من قلب الأسواق والمؤسسات الناشئة إلى قمم ناطحات السحاب الرقمية، يتجلى مشهد تاريخي يجسد تكامل الأدوار في قيادة اللعبة الاقتصادية بكل ثقة وسرعة، وفي مركز هذا التحول الشامل، تلتقي الرؤية الحكومية الطموحة مع حيوية القطاع الخاص والجاهزية الدولية وجهًا لوجه لصناعة واقع تنموي جديد. هذا الواقع أكده التقرير السنوي لرؤية 2030 لعام 2025م؛ فالأرقام الصامتة تفجرت لتعلن أن القطاع الخاص، بفضل هذا التكامل، بات يمسك بـ %51 من الناتج المحلي الإجمالي، متجاوزًا المستهدفات الطموحة؛ فلم تعد المسألة مجرد مبادرات منفصلة، بل تحول هيكلي متناغم جعل من الشركات، والابتكار، والمشاريع الريادية القائد الفعلي الذي يوجه دفة النمو نحو آفاق غير مسبوقة.

القطاع الخاص في الناتج المحلي
وأظهر التقرير السنوي لرؤية 2030 لعام 2025م، تجاوز مساهمة القطاع الخاص في الناتج المحلي الإجمالي %51، مقارنةً مع النسبة المستهدفة %47، وارتفاع حصته من إجمالي الاستثمار إلى %76 مقارنةً بـ %60، مما يجعله المحرك المهيمن لتكوين رأس المال في المملكة، ولفت التقرير إلى تضاعف عدد المستثمرين الدوليين في المملكة عشر مرات خلال العقد الماضي.
وتُركز المرحلة الثالثة من رؤية المملكة خلال الأربع سنوات المقبلة، على “تسريع وتيرة الإنجاز وترسيخ مكتسبات التحول الوطني”، وسيقود القطاع الخاص هذا الإنجاز بشكلٍ كبير، إذ صُممت “الاستراتيجية الوطنية للتخصيص” لتسريع عمليات نقل الأصول وتوسيع نطاق الشراكات بين القطاعين العام والخاص، حيث تعمل المملكة وفق نظامٍ مدروس على تحسين البنية التحتية لمشروعات الشراكة، وتحتل حاليًا المرتبة الثانية عالميًا (والأولى إقليميًا) في مؤشر البنك الدولي للعروض التلقائية لمشاريع الشراكة بين القطاعين العام والخاص، حيث ارتفع رصيدها من 83 إلى 92 نقطة.

وبعد أكثر من عقد من الاستثمارات الضخمة في الاقتصاد غير النفطي، نجحت المملكة في تحقيق إنجاز مهم بتجاوز حجم اقتصادها النفطي، حيث تُشكل القطاعات غير النفطية حاليًا حوالي %56 من اقتصاد المملكة البالغ 4.7 تريليون ريال، وقد دعم هذا التوسع النشاط في قطاعات متنوعة كالتجزئة والسياحة والضيافة والخدمات، وفقًا لتقرير شركة الاستشارات العالمية “برايس ووتر هاوس كوبرز”.
وأوضح رئيس مجلس إدارة شركة الاستشارات “بي دبليو سي” الشرق الأوسط، “رياض النجار”، أن المملكة أحرزت تقدّمًا حاسمًا في توسيع النشاط غير النفطي، وستتحدد المرحلة التالية من التنويع بشكلٍ أقل من حيث الحجم، وبشكلٍ أكبر من حيث جودة الاستثمار، مع تركيز أكبر على القدرات الإنتاجية، ومشاركة القطاع الخاص، والأنشطة القادرة على المنافسة في الأسواق الخارجية.
وذكر نائب رئيس شركة “برايس ووترهاوس كوبرز”، “فيصل السراج”، أنه في حالة المملكة، فإن تقليل التعرض لدورات أسعار النفط يتعلق في نهاية المطاف ببناء شركات قادرة على المنافسة خارج السوق المحلية، فالاستثمار الذي يعزز سلاسل التوريد، ويرفع الإنتاجية، ويجذب رؤوس الأموال الخاصة، يخلق مرونة لا يمكن للإنفاق الحكومي وحده تحقيقها.

تجربة استثمارية مُتكاملة
وتتطور المملكة بسرعة لتصبح واحدة من أكثر الوجهات الاستثمارية جاذبية في العالم، حيث تقدم وزارة الاستثمار تجربة استثمارية شاملة ومُتكاملة تُبسط إجراءات الحصول على رخصة الاستثمار، وتقضي على التعقيدات الإدارية، مما يُسرّع من انتقال المشاريع المعتمدة من مرحلة الاقتراح إلى التنفيذ، كما دعمت إصلاحاتها بنظام استثمار مُحدّث وأطر تحفيزية واضحة ومُعلنة مُسبقًا، تدعم بشكل انتقائي المشاريع التي تتماشى مع الأولويات الوطنية، بدءًا من الطاقة النظيفة والتصنيع المتقدم وصولًا إلى الصحة والخدمات اللوجستية والخدمات الرقمية، وهذه الحوافز مُوجّهة وشفافة ومُصممة لجذب شركاء أجانب استراتيجيين، بحسب الشريك المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة “جود فايب”، “عبدالله العرفج”.
وأضاف “العرفج”، أن المملكة تقدم أيضًا برامج مُخصصة للشركات الدولية الساعية إلى التوسع الإقليمي، مثل برنامج “المقرات الإقليمية”، وحوافز أخرى للشركات التي تختار السعودية مركزًا لعملياتها في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، حيث تُقلل هذه البرامج من التعقيدات التشغيلية وتُوفر منصة تنافسية لخدمة الأسواق المجاورة، مؤكدًأ أن مشاريع المملكة الضخمة والمتناهية الصغر والمناطق الاقتصادية الخاصة التي تم إطلاقها حديثًا تفتح آفاقًا استثمارية واسعة وجاهزة، تشمل التطوير الحضري والخدمات اللوجستية والسياحة والترفيه والهيدروجين الأخضر، مما يوفر فرصًا استثمارية عملية ومربحة للمستثمرين العالميين.

وأوضح مختصون أن المملكة تواصل جهودها لتحقيق متطلبات التحول الاقتصادي، من خلال إتاحة مساحة أكبر للقطاع الخاص بشكلٍ منفرد أو لمشروعات الشراكة مع القطاع العام، إذ يُوفر النمو الحالي في الناتج المحلي الإجمالي النفطي للمملكة (بلغ %4.5 في عام 2025م) موارد مالية لدعم هذا التحول من خلال الاستثمار في البنية التحتية والإصلاحات التنظيمية التي تُشجع ريادة الأعمال، لافتين إلى رفع صندوق النقد الدولي توقعاته للنمو الاقتصادي في المملكة من %4 إلى %4.5 عام 2026م، وهو ما يعكس ثقة المؤسسات الدولية والمستثمرين حول العالم في استدامة الزخم الاقتصادي للمملكة، رغم الظروف الجيوسياسية في المنطقة.

تحول اقتصادي هائل
وذكر الخبير في مجموعة “بوسطن” الاستشارية”، “يوهانس ديستلر”، أن المملكة تقف على أعتاب تحول اقتصادي هائل، وباعتبارها أكبر اقتصاد في دول مجلس التعاون الخليجي، حيث من المتوقع أن يصل الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي إلى حوالي 1.3 تريليون دولار بحلول 2030م، تتمتع المملكة بإمكانات نمو وتطور لا مثيل لها، حيث الاستثمارات غير المسبوقة، والبيئة المواتية للاستفادة من برامج الشراكة بين القطاعين العام والخاص لتحقيق هذه الأهداف الطموحة.
وتخطط المملكة لتنفيذ عديد من المشاريع الكبرى، التي يُقدر إجمالي قيمتها بنحو 2.7 تريليون دولار بحلول عام 2030م، ولتحقيق أهداف رؤية 2030، تعمل المملكة على زيادة مشاركة القطاع الخاص، وسيسهم توسيع نطاق استخدام برامج الشراكة بين القطاعين العام والخاص في تعزيز فرص العمل في القطاع الخاص بشكلٍ ملحوظ، بما يتماشى مع هدف المملكة المتمثل في توفير 3 ملايين وظيفة في القطاع الخاص خلال العقد القادم.
وتدعم مُبادرات برامج الشراكة بين القطاعين العام والخاص، ازدهار الأنشطة الخاصة، من خلال بناء الخبرات الفنية والقدرات الإدارية، ولن تقتصر هذه الجهود على توفير فرص العمل فحسب، بل تسهم أيضًا في بناء قوة عاملة أكثر مهارة قادرة على قيادة الابتكار ودعم النمو الاقتصادي المُستدام على المدى الطويل.
وأضاف “ديستلر”، أنه قبل أربع سنوات، أصدر المركز الوطني للتخصيص لوائح تنفيذية جديدة تُبسط إجراءات برامج الشراكة بين القطاعين العام والخاص، وتتوافق هذه اللوائح مع أفضل الممارسات الدولية والخبرات المحلية، مما يضمن العدالة والشفافية والكفاءة في مشاريع الشراكة بين القطاعين العام والخاص، فضلًا عن تعزيز مكانة المملكة لجذب مزيد من المستثمرين، والحد من المخاطر، وزيادة مساهمة القطاع الخاص في الناتج المحلي الإجمالي.
وتابع أنه وبالاستناد إلى أفضل الممارسات العالمية، يتضح أن الابتكار في الشراكة بين القطاعين العام والخاص قادر على تعزيز الكفاءة، وخفض التكاليف، وتعظيم القيمة، ومن خلال ترسيخ ثقافة الابتكار، مشيرًا إلى أن المملكة تستطيع دعم قدرتها التنافسية، وترسيخ مكانتها كدولة رائدة في تطوير البنية التحتية، وسيكون التزامها بالابتكار عاملًا حاسمًا في جذب استثمارات خاصة كبيرة، وتحقيق أهداف رؤيتها الطموحة بنجاح.

الشراكة بين القطاعين العام والخاص
وتبلغ قيمة محفظة مشروعات الشراكة بين القطاعين العام والخاص في المملكة، نحو 800 مليار ريال لعدد 200 مشروع، وذلك بنهاية عام 2025م، واعتبر مختصون، أن هذه المشروعات ليست فقط ركيزة أساسية في التحول الاقتصادي، وإنما أيضًا فرصة مناسبة للشركات السعودية للتوسع خارج حدودها الوطنية والانخراط في الأسواق العالمية.
وقال الرئيس التنفيذي لشركة “لينوس إنترناشونال” للإنشاءات، “سوميت باثاك”، إن الشراكات بين القطاعين العام والخاص تلعب دورًا محوريًا في تحويل اقتصاد المملكة، مما يُؤدي إلى زيادة الاستثمار الأجنبي المباشر وتعزيز النمو الاقتصادي المُستدام، وأضاف أنه من خلال إشراك شركات القطاع الخاص في مجالات مثل الرعاية الصحية والتعليم والبنية التحتية، لا تُحسّن الحكومة الخدمات فحسب، بل تُهيئ أيضًا بيئة أعمال مُلائمة وجذابة للمستثمرين الدوليين.
وأوضح أن الأمر الرائع هو أن الشراكات بين القطاعين العام والخاص لا تقتصر على ضخ الأموال في النظام فحسب، بل تدفع أيضًا نحو الابتكار والكفاءة، ومع نجاح هذه الشراكات، فإنها تعزز ثقة المستثمرين الآخرين، مما يساعد على تنويع الاقتصاد وتحقيق نمو مُستدام، مؤكدًا أن هذه الشراكات تفتح آفاقاً واسعة أمام الشركات المحلية للتواصل مع الشركات العالمية واستكشاف فرص أعمال جديدة في الأسواق الخارجية.
وتابع: “من خلال العمل على مشاريع مشتركة مع شركات عالمية، لا سيما في مجالات مثل المياه والنقل والطاقة المتجددة، تستطيع الشركات السعودية اكتساب أفضل الممارسات العالمية والوصول إلى شبكات دولية، فالأمر لا يقتصر على بناء مشاريع محلية فحسب، بل يتعداه إلى أن تصبح جزءًا من منظومة أوسع”، وخلص إلى أن هذه الشراكات غالبًا ما تستقطب خبرات أجنبية واستثمارات مشتركة، مما يساعد الشركات المحلية على المنافسة على نطاق أوسع، لافتًا إلى أن بعض مشاريع البنية التحتية والطاقة في المملكة تُتيح بالفعل فرصًا للشركات المحلية للتوسع إقليميًا وعالميًا، وتمنح الشراكات بين القطاعين العام والخاص الشركات السعودية فرصة التعاون دوليًا والبروز على الساحة العالمية.
وحققت المملكة نجاحًا باهرًا في زيادة نسبة المواطنين العاملين في القطاع الخاص عام 2025م، والتي بلغت %52.8، متجاوزة النسبة المستهدفة %51.4، كما أنها على بُعد 5.5 نقطة مئوية فقط من هدفها البالغ %58.3 بحلول عام 2030م.
القطاع الخاص محرك نمو رئيس
وذكر الخبير البارز في مجموعة البنك الدولي، “كريستوبال ريداو-كانو”، أن القطاع الخاص يُعدّ اليوم أحد المحركات الرئيسة لنمو فرص العمل في المملكة، بما يتماشى مع رؤيتها للتنويع الاقتصادي، وقد ارتفعت معدلات التوظيف مع انتقال الأفراد غير النشطين إلى سوق العمل، مما أدى إلى انخفاض ملحوظ في معدل البطالة في السعودية وتوسيع نطاق القوى العاملة المنتجة.
ومن المتوقع أن يُسهم التقدم المستمر في تنويع الاقتصاد والخصخصة وجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة في تعزيز مشاركة القطاع الخاص في مختلف قطاعات الاقتصاد ودفع تدفقات رأس المال الأجنبي خلال السنوات المقبلة، في حين أن رفع التصنيفات السيادية وتثبيتها في السنوات الأخيرة سيعزز الثقة الدولية في توجهات سياسة المملكة، وعلى الرغم من أن التعرض لأسواق الطاقة العالمية يُشكل درجة من المخاطر على مشاريعها واسعة النطاق، إلا أن المملكة في وضعٍ جيد بشكلٍ متزايد للحفاظ على النمو المتنوع الذي شهدته في السنوات الأخيرة ومواصلة تحقيق الفوائد الاقتصادية لرؤية 2030، بحسب أحدث تقرير لمجموعة “أكسفورد للأعمال” البريطانية.
