كرييتڤ وكلاء الذكاء الاصطناعي

عصر الوكيل الواحد.. يبدأ الآن!

183 مليار دولار حجم سوق وكلاء الذكاء الاصطناعي بنمو يصل إلى قرابة الـ %50 بحلول عام 2033م.

قفزة هائلة في حصة الأنظمة الذكية من مبيعات شركات الذكاء الاصطناعي بحلول عام 2035م.

 

دخلت أنظمة الذكاء الاصطناعي مرحلة جديدة، فلم تعد مجرد أداة للإجابة عن الأسئلة، بل أصبحت وكلاء تقوم بأدوار مستقلة دون الحاجة إلى تدخل بشري، وتسهم شركات التقنية في الانتشار الواسع لهذه الأنظمة للقيام بوظائف غير تقليدية مثل اتخاذ القرارات المعقدة وإدارة المشاريع والتخطيط الاستراتيجي.

وثمة توقعات بأن يصل حجم سوق وكلاء الذكاء الاصطناعي العالمي إلى حوالي 183 مليـــار دولار بحلول عام 2033م، مقارنـــةً مع 7.6 مليـــار دولار في عام 2025م، وحوالي 11 مليـــار دولار متوقعـــة بنهاية عام 2026م، بمعدل نمو سنوي مركب قدره %49.6 خلال الفترة من 2026م إلى 2033م، ويُعزى نمو السوق بشكل رئيس إلى زيادة الطلب على الأتمتة، والتطورات في معالجة اللغات الطبيعية، والطلب المتزايد على تجربة عملاء مُخصصة.

الانتشار الواسع للحوسبة السحابية

وقد ساعد الانتشار الواسع للحوسبة السحابية، في نشر أنظمة الذكاء الاصطناعي وجعلها أكثر فعالية من حيث التكلفة، حيث تقدم هذه الأنظمة حلولًا مُخصصة باستخدام البيانات ودعم العملاء، وخطط التسويق، ما يزيد من رضا العملاء وولائهم، كما أنها تُعزز تفاعل العملاء في التجارة الإلكترونية من خلال تقديم توصيات فورية للمنتجات، والمساعدة في إتمام المعاملات، وتحسين تجربة التسوق عبر الإنترنت.

ويتوقع الخبراء بأن تواصل أنظمة الوكيل الواحد الاستحواذ على الحصة الأكبر من إيرادات السوق خلال السنوات المقبلة، خاصةً مع تميزها بالسهولة والسرعة في التطبيق، مقارنةً بأنظمة الوكلاء المتعددين، وأشاروا إلى أن تكاليف التطوير والنشر المرتبطة بأنظمة الوكيل الواحد أقل بشكل ملحوظ، حيث يمكن للمؤسسات تحقيق الأتمتة دون الحاجة إلى الاستثمار الكبير المطلوب لأنظمة الوكلاء المتعددين.

وعلى الرغم من قدرة تطبيقات وكلاء الذكاء الاصطناعي على إنجاز مهام محددة بأقل قدر من الإشراف البشري، قامت %5 فقط من الشركات في مختلف دول العالم بدمج هذه الأنظمة في عملياتها عام 2025م، ويرجع ذلك إلى المخاوف المتعلقة باستبدال موظفيها بالروبوتات، لكن هناك توقعات بأن ترتفع هذه النسبة إلى %40 نهاية العام الجاري، وأن تستحوذ هذه الأنظمة على %30 من إجمالي مبيعات برامج وتطبيقات الشركات الرائدة في مجال الذكاء الاصطناعي بحلول عام 2035م، مقارنةً مع %2 فقط في عام 2025م، وفقًا لشركة “غارتنر” الأمريكية الرائدة في مجال الأبحاث.

هيمنة على سوق العملات الرقمية

وقامت عديد من الشركات العالمية بتبني أنظمة وكلاء الذكاء الاصطناعي خلال الفترة الماضية، إذ أعلنت منصة “كلاو بنك”، الرائدة في دمج الذكاء الاصطناعي في بيئة الأعمال، عن إطلاق وكيلها الذكي “مانفريد ماك إكس”، الذي يدير بشكل مستقل تداول العملات الرقمية، ولديه القدرة على إجراء معاملات بأكثر من 30 عملة رقمية، وحصوله على موافقات من الجهات الإدارية والتنظيمية في الولايات المتحدة.

وتوقع خبير الذكاء الاصطناعي، “بن غورتزل”، بأن يتفوق الذكاء الاصطناعي على البشر في تحليل سوق العملات الرقمية المتقدمة خلال عامين تقريبًا، مشيرًا إلى أنه على الرغم من قدرة أدوات الذكاء الاصطناعي المتقدمة على التنبؤ بتقلبات سعر البيتكوين على المدى القصير بدقة عالية، إلا أن البشر ما زالوا يتفوقون في التفكير الاستراتيجي طويل الأجل.

ويعيد وكلاء الذكاء الاصطناعي ترتيب جميع جوانب العمل داخل شركة “يو دبليو إم” الأمريكية المتخصصة في الرهون العقارية، ضمن مخططاتها لأتمتة عمليات دعم الاكتتاب وخدمة العملاء على نطاقٍ واسع، حيث أطلقت مؤخرًأ وكيليها “ليو” و”ميا”، حيث يستطيع “ليو” التعامل مع العملاء بخصوص تقديرات القروض واستخلاص بيانات السوق، وإرشادهم إلى كيفية إتمام الصفقات بنجاح في غضون ثوانٍ، فيما يستطيع “ميا” إجراء والرد على 100 ألف مكالمة في وقتٍ واحد.

وأطلقت “يو إي باث”، وهي واحدة من كبرى الشركات العالمية الرائدة في مجال الأتمتة، العام الماضي، منصة ذكاء اصطناعي مُوحدة ومتطورة يطلق عليها اسم “ماسترو” لخدمة عملائها البالغ عددهم 10 آلاف شركة في 100 دولة، إذ تجمع هذه المنصة أتمتة العمليات الروبوتية ووكلاء الذكاء الاصطناعي والمساعدين البشريين في وقتٍ واحد، ولديها القدرة على إنجاز عديد من الوظائف، ومنها المهام منخفضة المخاطر، مثل إدخال البيانات، واستقبال العملاء الجدد، ومعالجة الفواتير، وإرسال رسائل البريد الإلكتروني الجماعية.

وأوضحت الشركة أن 950 من عملائها كانوا يطورون بالفعل أنظمة وكلاء ذكاء اصطناعي لإدارة أكثر من 365 ألف عملية عبر المنصة الموحدة، فيما يتوقع محللون بأن يسهم ذلك في تحقيق الشركة معدل نموًا سنويًا في الأرباح يُقدر بنحو %22 حتى عام 2028م.

مقهى سويدي مُدار بنظام ذكي

وفي قلب العاصمة السويدية استكهولم، يُشرف نظام ذكاء اصطناعي مدعوم من “جوجل جيميني” على جميع جوانب العمل تقريبًا في مقهى “أندون” الذي تمتلكه شركة ناشئة مقرها سان فرانسيسكو تُدعى ” أندون لابس”، حيث يقوم هذا النظام بتوظيف الموظفين وصولاً إلى إدارة المخازن، رغم أن البشر مازالوا يعدون القهوة ويقدمون الطلبات.

وإن كان ليس من الواضح كم ستستمر التجربة، لكن يبدو أن نظام الذكاء الاصطناعي يُواجه صعوبة في تحقيق الربح في سوق القهوة التنافسية في ستوكهولم، حيث حقق المقهى مبيعات تجاوزت 5700 دولار خلال شهر واحد، منذ افتتاحه أبريل 2026م، لكن لم يتبقَّ منه سوى أقل من 5 آلاف دولار من ميزانيته الأصلية التي تجاوزت 21 ألف دولار.

وقد وجد عديد من رواد المقهى متعةً في زيارة مشروع يُدار بواسطة الذكاء الاصطناعي، إذ يُمكن للزبائن استخدام الهاتف داخل المقهى وطرح أسئلتهم على الموظف، وقالت إحدى الزبائن: “من الجميل أن نرى ما يحدث عند تجاوز الحدود، كان المشروب لذيذًا”.

ومع ذلك يواجه نظام الذكاء الاصطناعي الذي يُدعى “مونا” بعض الصعوبات في إدارة المقهى، وخاصةً الجانب المتعلق بإدارة المخزون والتواصل مع العاملين، حيث أحيانًا ما يرسل لهم رسائل بعد أوقات العمل الرسمية، وهو أمر غير مقبول في بيئة العمل في السويد، وأحيانًا أخرى يتأخر في طلب الخبز من الموردين، مما يجبر المقهى على حذف السندويشات من قائمة الطعام.

مشكلات تشغيلية خطيرة

ويمكن القول بأن الأنظمة الذكية مازالت تواجه مشكلات تشغيلية بعضها قد يكون خطيرًا، فعلى سبيل المثال، تعرضت منصة “بوكيت أوه إس” البريطانية، المُتخصصة في توفير برامج ذكاء اصطناعي لشركات تأجير السيارات، لانقطاعٍ تام في الخدمة خلال العام الجاري، بعد أن قام وكيلها الذكي “كوسور” بمسح قاعدة البيانات وجميع النسخ الاحتياطية بالكامل في غضون 9 ثوانٍ، متجاهلاً قواعد السلامة التي تقضي بعدم قيامه بتنفيذ أوامر (مدمرة لا رجعة فيها)، إلا إذا طلبها المستخدم صراحةً.

ويأتي ذلك في الوقت الذي حذرت فيه دراسة حديثة من أن أنظمة الذكاء الاصطناعي المصممة للعمل بشكل مستقل كالمستخدمين البشريين غالبًا ما تستمر في تنفيذ المهام حتى عندما تصبح التعليمات خطيرة أو متناقضة أو غير منطقية، مؤكدةً أن هذه الأنظمة تركز بشكلٍ كبير على إنجاز الأهداف دون إدراك عواقبها.

وقام الباحثون من جامعة كاليفورنيا في ريفرسايد، بدعم من شركة مايكروسوفت للأبحاث، وفريق مايكروسوفت للذكاء الاصطناعي، وشركة “إنفيديا”، باختبار هذه الأنظمة من خلال معيار يتضمن 90 مهمة مُصممة لكشف السلوك غير الآمن أو غير المنطقي، ووجدوا أن هؤلاء الوكلاء أظهروا سلوكًا خطيرًا أو غير مرغوب فيه في حوالي %80 من الحالات، ونفذوا أفعالًا ضارة بالكامل في حوالي %41 من الحالات، فعلى سبيل المثال، طُلب من نظام ذكاء اصطناعي إرسال ملف صورة إلى طفل، ورغم أن الطلب بدا في البداية غير ضار، إلا أن الصورة احتوت على محتوى عنيف.

فوضى انتشار الوكلاء

وينبه عديد من المختصين إلى خطوة ما يطلق عليها مشكلة فوضى انتشار وكلاء الذكاء الاصطناعي، والتي ترجع إلى سهولة إنشاء برامج ذكية مستقلة عبر العديد من المنصات المعروفة، وهو ما ساعد على الانتشار الكبير لهؤلاء الوكلاء في العمل، لكن الأمن السيبراني وارتفاع تكاليف الحوسبة، على رأس التحديات.

وذكر كبير مسؤولي المعلومات في شركة “ماغنوم للآيس كريم” الهولندية، “مايكل فريدلاندر”: “بما أن الجميع يستطيع فعل ذلك، فمن المرجح أن ينتهي بنا المطاف بوجود العديد من الشركات التي تستخدم نفس أنواع الوكلاء”، وأضاف أن شركته ستحتاج في نهاية المطاف إلى دمج جميع وكلاء الذكاء الاصطناعي داخلها وتوحيدهم، مع الحرص على عدم التأثير سلبًا على إبداع الموظفين خلال هذه العملية”.

وفي الوقت الحالي، يتم نشر معظم وكلاء الذكاء الاصطناعي من قبل الموظفين الإداريين لأداء مهام مثل كتابة البرامج، وتلخيص رسائل البريد الإلكتروني، وتقديم دعم العملاء، وتحليل البيانات، لكن يتم استخدام وكلاء أكثر تعقيدًا لإجراء “بحوث معمقة” وأتمتة سير العمل بالكامل.

ومع ذلك، قد يتم تشغيل هؤلاء الوكلاء على حاسوب الموظف المحمول، أو على خادم، أو على أنظمة أخرى تابعة للشركة، مما يصعب على أقسام تقنية المعلومات تتبعها جميعًا، بحسب رئيس شركة “سافاير فنتشرز” الأمريكية الرائدة في رأس المال الاستثماري، “جاي داس”.

من جانبه، ذكر مدير قسم تقنية المعلومات في شركة “فير آيزاك” الأمريكية المتخصصة في تحليل البيانات، “مايك تركاي”، أن الموظفين في شركته البالغ عددهم 3500 موظفًا يُنشئون عشرات من وكلاء الذكاء الاصطناعي الجدد يوميًا، ومن بين هؤلاء الوكلاء، ما تتراوح أحجامهم بين روبوتات “فردية” لمهام مثل إدارة البريد الإلكتروني أو كتابة التقارير، ووكلاء أكبر حجمًا قادرين على إدارة مجموعات البيانات لمشاريع متعددة.

وحول مستقبل أنظمة الذكاء الاصطناعي، أشار رائد الأعمال ومطور البرمجيات المستقلة، “جون راش”، إلى أن عصر الذكاء الاصطناعي المستقل قد حل، وبدأ في إعادة تشكيل ريادة الأعمال بشكل جذري، ليس فقط من خلال زيادة الإنتاجية أو أدوات الأتمتة، بل من خلال تحول هيكلي أعمق في كيفية بناء الشركات وإدارتها، وتابع: “لعقود، كان نمو الشركات الناشئة يتطلب عادةً زيادة عدد الموظفين جنبًا إلى جنب مع المنتجات، ومع توسع الشركات، كان المؤسسون يوظفون مختلف التخصصات لدعم النمو، لكن هذا النموذج أصبح قديمًا الآن، حيث يتم التركيز حاليًا وخلال المستقبل على بناء أنظمة ذكاء اصطناعي قادرة على أتمتة أجزاء من البنية التشغيلية نفسها، لم يكن هدفه الأوسع مجرد تحسين الإنتاجية، بل كان تقليل اعتماد المؤسسة على فرق العمل الكبيرة بشكلٍ كامل.