شخصيات افتراضية كرييتڤ

البشر الرقميون!

626 مليار دولار حجم سوق البشر الرقميين بحلول2032م بمعدل نمو سنوي مركب %45.3.

الإنسان الرقمي من المتوقع أن يمثل %4 من حجم سوق التكنولوجيا الرقمية البالغ 4.8 تريليون دولار في عام 2030م.

 

في محطة قطار ليفربول، يقف “جيمي” مُرحبًا بالزوار بلغات مختلفة، يُجيب عن أسئلتهم ويرشدهم إلى وجهاتهم ويقدم لهم المعلومات السياحية على مدار الساعة، ورغم حضوره اللافت وقدرته على التفاعل الطبيعي، فإنه ليس موظفًا في هيئة السياحة، ولا متطوعًا محليًا، بل إنسان رقمي صنعه الذكاء الاصطناعي.

هذا المشهد الذي كان يبدو قبل سنوات جزءًا من فيلم خيال علمي، أصبح اليوم واقعًا يتكرر في قطاعات متزايدة حول العالم؛ فمع كل قفزة جديدة في تقنيات الذكاء الاصطناعي، تتلاشى الحدود الفاصلة بين الإنسان والآلة، لتظهر فئة جديدة من الكيانات الذكية تُعرف بـ “البشر الرقميين”، وهي شخصيات افتراضية متطورة تحاكي البشر في الشكل والصوت والتعبير والتفاعل، وتستعد للعب أدوار متنامية في الاقتصاد العالمي وسوق العمل.

سوق بمئات المليارات

وبينما تتسابق الشركات والحكومات للاستفادة من هذه التكنولوجيا الواعدة، يطرح انتشارها المتسارع تساؤلات عميقة حول مستقبل الوظائف وطبيعة التواصل الإنساني وحدود الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في الحياة اليومية.

وتشير التقديرات إلى أن سوق البشر الرقميين يقف على أعتاب طفرة استثنائية خلال السنوات المقبلة. فبحسب تحليلات شركة “داتا بريدج” المتخصصة في أبحاث الأسواق، من المتوقع أن يرتفع حجم السوق إلى 625.8 مليار دولار بحلول عام 2032م، مقارنة بنحو 45.8 مليار دولار خلال العام الماضي، و66.5 مليار دولار بنهاية عام 2026م، بمعدل نمو سنوي مركب يبلغ %45.3.

ويأتي هذا النمو مدفوعًا بالتوسع في استخدام المساعدين الافتراضيين المدعومين بالذكاء الاصطناعي، والحاجة المتزايدة إلى حلول تفاعلية متطورة لخدمة العملاء والتدريب والتواصل المؤسسي، كما يُتوقع أن تصل قيمة سوق التكنولوجيا الرقمية الأوسع إلى نحو 4.8 تريليون دولار بحلول عام 2030م، فيما سيمثل قطاع البشر الرقميين نحو %4 من هذه السوق، بينما يُنتظر أن يتجاوز حجم قطاع تكنولوجيا المعلومات العالمي 13.8 تريليون دولار خلال الفترة نفسها.

“لسنا هنا لاستبدال البشر”

ولم يعد استخدام البشر الرقميين مقتصرًا على التجارب التقنية المحدودة، بل أصبح يمتد إلى قطاعات حيوية تشمل الخدمات المصرفية والمالية والتأمين والتجزئة والترفيه والتعليم والتدريب، وتؤدي هذه الشخصيات الرقمية أدوارًا متنوعة، منها المرشد الافتراضي، ومساعد العملاء، وسفير العلامة التجارية، والمدرب الإلكتروني، مستفيدة من التطور المتسارع في تقنيات معالجة اللغة الطبيعية والتعرف على الوجوه وتحليل السلوك البشري، كما أسهمت الاستثمارات الضخمة في البنية التحتية للواقع المعزز والواقع الافتراضي في تسريع تبني هذه الحلول، ما جعلها جزءًا من الاستراتيجيات الرقمية لعديد من المؤسسات حول العالم.

ورغم المخاوف المتزايدة من تأثير الذكاء الاصطناعي على الوظائف، تؤكد الشركات المطورة للبشر الرقميين أن هدفها لا يتمثل في إلغاء دور الإنسان، وإنما في توسيع قدراته وتعزيز كفاءة المؤسسات.

وفي هذا السياق، يقول الرئيس التنفيذي لشركة “يوني كيو” الأمريكية المتخصصة في تطوير البشر الرقميين، “داني تومسيت”، إن الشركة تسعى إلى جعل الذكاء الاصطناعي أكثر إنسانية في المواقف التي لا يكون فيها العنصر البشري متاحًا أو قادرًا على تلبية الطلب المتزايد، وأوضح أن البشر الرقميين عبارة عن شخصيات نابضة بالحياة صُممت لمساعدة المؤسسات في تدريب الموظفين وخدمة العملاء وتقديم المعلومات بشكل مستمر ومتسق، مشيرًا إلى أن هذه الشخصيات يمكنها تمثيل الشركات والمؤسسات في الفعاليات المختلفة والعمل كسفراء للعلامات التجارية، مؤكدًا أن التدريب الجيد يسمح لهذه الشخصيات بتقديم مستوى موحد من الخدمة، وهو ما يمثل ميزة مهمة للمؤسسات التي تعاني ضغوطًا تشغيلية أو نقصًا في الموارد البشرية.

ومن أبرز الأمثلة على ذلك، تجربة الحكومة الأسترالية، التي واجهت تحديات كبيرة في التعامل مع أعداد المتعاملين الراغبين في الحصول على المساعدة عبر الخدمات الحكومية الإلكترونية؛ فمع وصول فترات الانتظار في بعض مراكز الاتصال إلى ساعتين، تم تطوير نظام يعتمد على بشر رقميين لمساعدة المواطنين على استخدام الخدمات الإلكترونية وتجاوز العقبات التقنية، ما أسهم في تخفيف الضغط على الموظفين وتحسين تجربة المستخدمين.

ورغم قيادة تومسيت لإحدى أكبر الشركات المتخصصة في هذا المجال، فإنه يعترف بأنه لا يزال يفضل التحدث إلى البشر الحقيقيين، ويقول إنه غالبًا ما يضغط مباشرة على زر التحويل إلى الموظف البشري عند الاتصال بخدمات الدعم أو الاستقبال، موضحًا أن جزءًا من ذلك يعود إلى اختلاف الأجيال، وجزءًا آخر إلى أن أنظمة الذكاء الاصطناعي لا تزال تواجه صعوبات في مواكبة التدفق الطبيعي للمحادثات البشرية، إضافة إلى ميل الناس الفطري للتواصل مع أشخاص حقيقيين.

وفي بريطانيا، يستعد الزوار القادمون لمتابعة بطولة بريطانيا المفتوحة للجولف للتعرف على “جيمي”، الإنسان الرقمي الذي أصبح أحد أبرز الوجوه التقنية في مدينة ليفربول، ويتحدث “جيمي” 99 لغة، ويقدم معلومات سياحية وإرشادات فورية للزوار حول المعالم السياحية ووسائل النقل والخدمات المحلية، ويؤكد الرئيس التنفيذي لشركة “سوم فيفاس” المتخصصة في تكنولوجيا خدمة العملاء، “روب سيمز”، أن “جيمي” يجسد روح المدينة ودفئها، ويسهم في تعزيز تجربة الزوار وجعلها أكثر سهولة وشمولًا، مشيرًا إلى أنه سيواصل عمله في محطة ساوثبورت حتى أغسطس 2026م.

ولا يقتصر دور البشر الرقميين على المجالات الخدمية، بل يمتد إلى القطاع الصحي أيضًا؛ ففي الولايات المتحدة، يعمل باحثون في جامعة “تكساس إيه آند إم” على تطوير إنسان رقمي يمكنه مساعدة الأطباء في الكشف المبكر عن الخرف، عبر تحليل تعابير الوجه والمؤشرات البيومترية أثناء إجراء المقابلات التشخيصية، بما يسمح برصد علامات دقيقة قد تمر دون ملاحظة في الفحوصات التقليدية.

موظفون رقميون في مكاتب المستقبل

ويرى عدد من قادة شركات التكنولوجيا العالمية أن المستقبل القريب سيشهد وجود قوى عاملة هجينة تضم البشر والموظفين الرقميين معًا.

وفي هذا الإطار، يقول الرئيس التنفيذي لشركة “سيلز فورس”، “مارك بينيوف”، إن الجيل الحالي من المديرين التنفيذيين قد يكون الأخير الذي يدير مؤسسات تعتمد بالكامل على الموظفين البشر، مضيفًا أن الإدارات ستتولى مستقبلًا إدارة العمالة البشرية والرقمية في الوقت نفسه، كما يتوقع الرئيس التنفيذي لشركة “أنثروبيك”، “داريو أمودي” أن تصبح أنظمة الذكاء الاصطناعي بحلول عامي 2026م أو 2027م أكثر كفاءة من معظم البشر في غالبية المجالات، وهو ما أثار نقاشات واسعة بشأن مستقبل الوظائف وفرص التوظيف، خصوصًا بالنسبة للخريجين الجدد.

ويرى الخبير المالي والتقني، هيلاري ريمي أن المرحلة المقبلة من الذكاء الاصطناعي ستكون قائمة على نماذج أكثر ذكاءً وواجهات أكثر إنسانية. ويشير إلى أن الشركات تبحث عن وسائل لتوسيع نطاق التدريب والتواصل والدعم دون زيادة موازية في أعداد الموظفين، ما يجعل البشر الرقميين خيارًا جذابًا بفضل قدرتهم على العمل المستمر والتحدث بلغات متعددة والتفاعل مع أعداد كبيرة من المستخدمين في وقت واحد.

وفي هذا السياق، كثفت شركات التكنولوجيا الكبرى استثماراتها في المجال، حيث طورت “إنفيديا” منصة “أفاتار كلود” التي تتيح إنشاء شخصيات رقمية تفاعلية، بينما واصلت “ميتا” توسيع أبحاثها في مجال الصور الرمزية الواقعية والواجهات الغامرة ضمن استراتيجيتها الأوسع للذكاء الاصطناعي.

من المحتوى المسجل إلى الحوار الحي

ويُعد الانتقال من الشخصيات الرقمية المستخدمة في إنتاج مقاطع الفيديو المسجلة مسبقًا إلى الشخصيات القادرة على إجراء محادثات مباشرة وفورية أحد أبرز التحولات في هذا القطاع؛ فالأجيال الأولى كانت تؤدي دورًا محدودًا في التدريب والتسويق، أما اليوم فأصبحت قادرة على التفاعل اللحظي مع المستخدمين وفهم احتياجاتهم والاستجابة لها بصورة أكثر طبيعية، وتجسد شركة “دي آي دي” هذا التحول من خلال إطلاق الجيل الرابع من شخصياتها الرقمية، المصمم لإجراء محادثات فورية وتجارب تفاعلية متقدمة، ويؤكد مؤسس الشركة والرئيس التنفيذي، “جيل بيري” أن التقنية تجاوزت مرحلة التجارب الأولية، وأصبحت جاهزة للتطبيق التجاري واسع النطاق، مشيرًا إلى أن المحادثات باتت واقعية بالقدر الذي يسمح باستخدامها بشكل متكرر في بيئات العمل الحقيقية.

ومع استمرار التطور المتسارع في هذا المجال، تبدو الشركات مقتنعة بأن البشر الرقميين يمثلون أحد أهم تطبيقات الذكاء الاصطناعي خلال السنوات المقبلة، ليس فقط بسبب تطور التقنية نفسها، بل لأن المؤسسات أصبحت قادرة على قياس العائد الاقتصادي المباشر منها.

لكن في المقابل، تبقى الأسئلة الكبرى مطروحة: إلى أي مدى يمكن أن تحل الشخصيات الرقمية محل البشر؟ وهل ستبقى أداة داعمة للإنسان أم تتحول تدريجيًا إلى منافس له؟ والإجابة لم تتضح بعد، إلا أن المؤكد أن العالم دخل بالفعل مرحلة جديدة من العلاقة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي، مرحلة لم تعد فيها الآلات تكتفي بفهم البشر، بل أصبحت تسعى إلى التشبه بهم أيضًا.