الدرونز الزراعي لاڤندر

تشجير من السماء!

21.6 مليار دولار حجم سوق الدرونات الزراعية في العالم بحلول 2033م بمعدل نمو سنوي %26.5.

أكثر من %30 من الأراضي في الصين واليابان وكوريا الجنوبية تعتمد على الدرونات في الزراعة.

 

من حقول تُنهك الأبدان وتستنزف الأموال، إلى واحات مستدامة تديرها الخوارزميات؛ هكذا أعاد “الاستزراع الرقمي” صياغة مفهوم الزراعة. فاليوم، تحلق طائرات “الدرونز” كأسراب ذكية تبذر بدقة، وترش المحاصيل بذكاء اصطناعي يقرأ نقاط الضعف في كل نبتة، فلم تعد الأرض بحاجة لصوت المعاول، بل إلى أزيز خفيف يختصر الأيام والجهود في دقائق.. إنها قصة تحول كبرى؛ حيث تحولت تلك المساحات التي كانت تُنهك الأبدان وتستنزف الأموال إلى واحات مستدامة تدار بعقل الآلة ودقة الخوارزميات.

توقعات نمو هائلة

تشير تقارير عدة إلى أن حجم سوق الدرونات الزراعية من المتوقع له أن يصل إلى 21.6 مليار دولار بحلول عام 2033م، و4.2 مليار دولار نهاية عام 2026م، مقارنةً مع 3.4 مليار دولار في عام 2025م، بمعدل نمو سنوي مُركب قدره %26.5 خلال الفترة (2026م- 2033م)، ويُعزى هذا النمو إلى الطلب المتنامي على تقنيات الزراعة الذكية، خاصةً مع تزايد الضغوط على القطاع الزراعي لرفع كفاءته واستدامته.

وتتصدر الصين دول العالم في أعداد الدرونات المستخدمة في الأنشطة الزراعية، حيث تمتلك حوالي 300 ألف طائرة، فيما تمتلك اليابان وكوريا الجنوبية نسبةً إلى مساحة أراضيهما الزراعية (حوالي 20 ألف و8 آلاف على التوالي)، وفي الدول الثلاثة، تغطي هذه الطائرات حاليًا ما يعادل %30 أو أكثر من الأراضي الزراعية، وفي البرازيل 12 ألف، وتايلاند 15 ألف، وتركيا 6 آلاف، والولايات المتحدة 5.5 ألف، وفيتنام 4 آلاف (تُعد أسرع الأسواق نموًا في العالم)، كما يتزايد استخدام هذه التقنية في دول أخرى كالهند والأرجنتين وأوكرانيا.

ثورة زراعية عالمية

وأشار الخبير في المعهد الدولي لبحوث السياسات الغذائية بالولايات المتحدة الأمريكية، “بن بيلتون”، إلى التوسع السريع في استخدام الدرونات في الزراعة حول العالم، وخاصةً في بلدان الجنوب، خلال السنوات الخمس الماضية، مبينًا أن هذا الانتشار أتاح قفزات تكنولوجية هائلة، ما يُساعد على تقليص التفاوتات العالمية في الوصول إلى التكنولوجيا الزراعية، وأصبح لدى ملايين المزارعين في دول الجنوب العالمي فجأةً معدات تكنولوجية ذات قدرات متطورة للغاية، تُضاهي أحدث الآلات الزراعية الكبيرة المستخدمة في مزارع دول الشمال العالمي، مما يشير إلى أن العالم كله يعيش “ثورة زراعية حقيقية”.

وأضاف “بيلتون”، أن الدرونات تستطيع أداء نوعين رئيسين من المهام الزراعية، الأولى: المهام الميكانيكية كبذر البذور، ونشر الأسمدة والأعلاف، ورش مبيدات الأعشاب والحشرات والفطريات، أو نقل الأحمال جوًا، والثانية: المهام المعلوماتية كإحصاء الماشية، ورسم خرائط الحقول ومراقبتها، وتوليد البيانات لتقييم صحة المحاصيل وإنتاجيتها، لافتًا إلى أن معظم هذه الدرونات مصمم لأداء إما المهام الميكانيكية أو المعلوماتية، ولكن ليس كليهما معًا، فهي لا تستطيع حتى الآن تعديل كمية البذور أو الأسمدة تلقائيًا في الوقت الفعلي بناءً على حالة المحصول أو الحقل، ولكن من المتوقع أن تتوفر هذه التقنية قريبًا.

تكاليف أقل وأرباح أكبر

وحول مزايا استخدام الطائرات المُسيرة في الزراعة، لفت مالك شركة “إيه درون سيرفس” الأمريكية، “زاك ألجير”، النظر إلى أن أهمها سهولة الصيانة، حيث تعد أصغر حجمًا، وبدون الحاجة إلى طيار، وتستهلك وقودًا أقل، وتحمل كمية أكبر من المواد مقارنةً بحجمها ووزنها، فضلًا عن قدرتها على الوصول إلى المناطق ذات التضاريس الصعبة وبالتالي مكافحة التصحر، علاوةً على دورها في خفض تكاليف الإنتاج، مما يسهم في زيادة ربحية المزارعين.

وبحسب الخبيرة بمركز “توماس” للاستشارات في الولايات المتحدة، “أودري ألتمان”، تلعب الدرونات دورًا مهمًا في إدارة المزارع الحديثة القائمة على البيانات، فهي تدعم هذه العملية من خلال جمع بيانات على مستوى الحقل، مما يساعد في تحديد المشكلات المتكررة وتوجيه الإجراءات المناسبة، حيث تراقب هذه الطائرات صحة المحاصيل، وحالة التربة، والماشية باستخدام أجهزة استشعار متعددة الأطياف، والتصوير الحراري، والكاميرات العادية، ويمكن للمزارعين مشاهدة لقطات مباشرة أثناء الطيران أو تنزيل تحليلات مفصلة لاحقًا، وعلى عكس صور الأقمار الصناعية، التي قد تتأخر أو تُحجب بسبب الغيوم، توفر الطائرات المُسيرة معلومات عالية الدقة عند الطلب، خاصة بكل حقل على حدة.

وأضافت أن الدرونات تُستخدم على نطاق واسع لمراقبة نمو المحاصيل طوال الموسم، ويمكن للتصوير متعدد الأطياف الكشف عن الإجهاد الناتج عن الأمراض، أو نقص العناصر الغذائية، أو اختلال توازن المياه، قبل ظهور الأعراض بالعين المجردة، يُمكّن هذا الكشف المبكر المزارعين من الاستجابة السريعة، مما يحمي الإنتاج الغذائي ويقلل الخسائر، فضلًا عن مكافحة الآفات والمعالجة الموجهة، فبدلاً من رش الحقول بأكملها بشكل عشوائي، تُتيح الدرونات رش المبيدات بدقة في الأماكن المطلوبة فقط، مما يقلل استخدام المواد الكيميائية، ويحمي صحة التربة، ويُخفض التكاليف، في بعض الحالات، يُمكنها تحديد أنواع الأعشاب الضارة الغازية أو تفشي الآفات التي قد تنتشر إلى المزارع المجاورة، مما يُساعد على منع حدوث مشكلات محلية أكبر.

وأوضحت “ألتمان”، أن استخدام الدرونات لرش المحاصيل أصبح شائعًا بشكلٍ متزايد في عديد من البلدان، حيث تستطيع الطائرات المُسيرة حمل خزانات سائلة لنشر الأسمدة أو منتجات حماية المحاصيل بدقة لا تُضاهيها الرشاشات اليدوية المحمولة على الظهر، ولأنها تُحلّق فوق الحقول، فإنها تُقلل من انضغاط التربة وتُخفف من تعرض العمال للمواد الكيميائية، ففي المناطق التي تُعاني من نقص في العمالة أو اضطرابات في سلاسل التوريد، تتوسع خدمات رش المحاصيل باستخدامها، بدلاً من شراء المعدات مباشرة، يُوظف العديد من المزارعين الآن مُشغلين مُرخصين، مما يجعل هذه التقنية في متناول المزارع الصغيرة والمتوسطة الحجم.

نحو زراعة مستدامة

وتقود ولايات “أيوا” و”إلينوي” و”ميسوري” و”أنديانا”، التحول نحو الزراعة المُستدامة في الولايات المتحدة، حيث يتجه مزيد من المزارعين إلى استخدام الدرونات لزراعة محاصيلهم، حيث أصبحت هذه التقنية، التي كانت تقتصر في السابق على الاستطلاع أو الرش، وسيلة دقيقة ومرنة لزراعة المحاصيل.

ووفقًا لبيانات وزارة الزراعة، فإن الولايات الخمسة الأكثر استخدامًا لتقنيات الزراعة الدقيقة، وهي داكوتا الشمالية والجنوبية، ونبراسكا، وأيوا، وإلينوي، تستحوذ على ما يقرب من نصف إجمالي إيرادات المحاصيل الحقلية في الولايات المتحدة.

ويتطلب استخدام الدرونات تدريبًا للزراعين، وهذا ما دفع الخبير الزراعي في ولاية ميسوري، “تايلور مورلاند”، لتأسيس شركة خاصة تقوم ببيعها وتدريب المزارعين على استخدامها في رش المبيدات وبذر البذور، ومُتابعة المحاصيل، كل ذلك باستخدام جهاز تحكم عن بُعد، وبذلك، فهي أقل تكلفة من استئجار طائرة هليكوبتر لرش المحاصيل، وقال: “عليك أن تتعلم مفهومًا جديدًا تمامًا، لأنها أول قطعة من المعدات الزراعية تطير، وتعمل بالبطارية، وتتمتع بالاستقلالية”، وأضاف: “تستطيع الدرونات الصغيرة المخصصة للتصوير التحليق فوق الحقول والتقاط الصور والفيديوهات، وبالتالي، إذا كان الحقل مبتلاً جدًا بحيث يتعذر استخدام الجرار، يمكن للمزارع مع ذلك معاينة محاصيله، أما الطائرات الأكبر حجمًا، فيمكنها حمل خزانات لبذر البذور ورش المبيدات وهي دقيقة للغاية، إذ ترش فقط النباتات التي تحتاجها، على عكس أسلوب رش المحاصيل الذي يعتمد على رش جميع النباتات أو عدم رش أي منها”، وبالتالي فهي تسهم في خفض التكاليف والأثر البيئي وزيادة العوائد الاقتصادية، بفضل استخدام التكنولوجيا.

تحديات عدة

ويمكن القول بأن التكلفة العالية تعد من أبرز تحديات استخدام الدرونات، وبحسب المستشار الزراعي بولاية إلينوي، “ديفيد كلاينشميدت”، تتراوح أسعار هذه الطائرات بين (70-30 ألف دولار)، وذلك حسب الطراز والمواصفات، مشيرًا إلى أن معدل التغطية اليومية أيضًا يختلف بشكلٍ كبير، فمع معدلات البذر المنخفضة، يمكن للطائرات تغطية ما يصل إلى 150 فدانًا يوميًا، أما المعدلات العالية، كتلك المطلوبة لزراعة الجاودار(الشيلم)، فتقل الكفاءة بسبب الحاجة المتكررة لإعادة التعبئة، ومع بعض الطائرات الحديثة التي تحمل ما بين 100 و200 رطل من البذور، يمكنك البدء بتغطية مساحات حقيقية، خاصةً مع الخلطات ذات المعدلات المنخفضة، كل هذا يتوقف على نوع البذور ومعدل البذر وكفاءة الإعداد.

على الرغم من هذه التحديات، تُعد الدرونات مناسبة بشكلٍ خاص للحقول التي يصعب الوصول إليها أو ذات الأشكال غير المنتظمة، والمناطق القريبة من خطوط الأشجار، أو الظروف الرطبة التي لا يمكن فيها تشغيل الآلات الأرضية، حيث توفر بعض المزايا الرئيسة مقارنة بالطائرات، مثل اختراق أفضل للغطاء النباتي ووضع البذور بدقة أكبر، وفقًا لمختصين.