رأي

إنترنت الحافة.. التحدي القادم على عمالقة التقنية والاتصالات!

ضربت التقنية الحديثة جذورها في العالم بصفة أصيلة، وتمددت أفقيًا من باب الاستخدام، وعموديًا من حيث سرعة تطورها والاعتماد عليها في أداء المهام المختلفة، ولم يعد الابتكار والإبداع والتنافس والتكامل بين مكوناتها له حدود، كما أنها أصبحت المحرك الأساسي لاقتصاديات الدول.

التطور المذهل القادم في عالم التقنية، والذي بدأت تطبيقاته في الظهور والتوسع التجاري كبنية تحتية موازية ومنافسة لما هو موجود حاليًا (نموذج اقتصادي تقني جديد)، يتمثل بتحول وتغير بنية الاتصالات والشبكات الحالية (web2) والخوادم المركزية إلى ما يسمى بإنترنت الحافة الذاتي (DeWi & Edge Web) وشبكات البنية التحتية الفيزيائية اللامركزية، المعروفة عالميًا باسم (DePIN)!

لشرح الأمر: البنية التحتية لشبكات التقنية التقليدية (المركزية) في مسائل الاتصال والإنترنت تعتمد على الأبراج وكابلات الألياف الضوئية (تكلفة باهظة ولا تغطي كافة المساحات)، كما أن خوادمها المركزية تقوم بمعالجة وتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي الخاص بها عبر سحب بيانات المستخدمين (انعدام الخصوصية)!. إضافة إلى مهامها كمزود للحوسبة السحابية (احتكار مركزي للبيانات، وتكاليف هائلة تواجه مختبرات الذكاء الاصطناعي ونقصًا في الأجهزة)، بينما في البنية التحتية للشبكات الجديدة “اللاسلكية واللامركزية” يكون الاتصال والإنترنت عبر هواتف المستخدمين وأجهزة البث الخاصة بهم (الند للند دون خادم وسيط كالأبراج) وبأسعار تنافسية تفوق الشبكات التقليدية.

أما تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي والحوسبة فهي قائمة على “البلوكشين” وتتم بصورة محلية لا مركزية عبر المعالجات والمستشعرات الذكية للهواتف وأجهزة المستخدمين الإلكترونية (أفراد أو مؤسسات)، مع الحفاظ على خصوصية البيانات وعدم خروجها خارج نطاق أجهزة المستخدمين! في المقابل يتم تقديم عملات رقمية مشفرة قابلة للتداول كمكافئة للمساهمين في هذه الشبكة (مشروع هيليوم موبايل” Helium Mobile” للهواتف المحمولة النموذج الحي الأبرز).

تُدرك عمالقة شركات الاتصالات والحوسبة السحابية والخوادم المركزية مثل “Amazon AWS أو Microsoft أو Google” الخطر القادم على نفوذها، لذا؛ فهم لا يحاربون التقنية الجديدة بل يحاولون السيطرة عليها بصمت إما باحتوائها عبر شراكات هجينة، كمشروع هيليوم اللامركزي مع شركة (T-Mobile) للاتصالات التقليدية، أو بالاستثمار في البنية التحتية المضادة، وذلك بضخ مئات المليارات من الدولارات على بنيتهم التحتية، ومراكز بيانات الذكاء الاصطناعي (بناء مفاعلات نووية وخوادم خارقة) لتأمين سيطرتهم المركزية وجعل ذكائهم الاصطناعي متفوقًا بمراحل ضخمة عن أي ذكاء اصطناعي يمكن للهاتف الشخصي تشغيله.

التحدي الإضافي التي تواجهه شركات التقنية التقليدية (المركزية)، هو قيام كبرى شركات إنتاج الرقائق الإلكترونية، ومعالجات الهواتف والأجهزة أمثال (NVIDIA وQualcomm) وغيرهما بطرح منتجاتها المتطورة باتجاه شبكات التقنية اللامركزية (هواتف وحواسيب) ولم تعد منتجاتها مقصورة على عمالقة التقنية المركزية.

يمكن تلخيص ما يدور بالخفاء بين شركات شبكات التقنية المركزية واللامركزية بأنها “حرب تقنية باردة”، الغلبة في النهاية ستكون لمن يملك كفاءة التكلفة، والسرعة، وحماية الخصوصية. وكلها عوامل تصب في مصلحة شبكات الحافة اللامركزية على المدى الطويل.

 

وقفة:

  • يُتوقع لقطاع (DePIN) أن يشهد نموًا ملحوظًا في المستقبل فمؤسسة (Messari) ومجلس المنتدى الاقتصادي العالمي (WEF) يتوقعان للقطاع بلوغ قيمة سوقية إجمالية تقدر بـ (3.5) تريليون دولار بحلول عام 2028م! وهي “مبالغة”، فالقيمة السوقية الحالية للقطاع تبلغ (10 – 30) مليار دولار، وتصل أحيانًا إلى (50) مليار دولار، وصيغة المبالغة في التقدير، ربما تعكس التصور بسرعة تطور التقنية، وأن القطاع سيكون البديل القادم عن قطاع الشبكات المركزية! خاصة وأنه بدأ يقتطع حصصًا سوقية تدريجية لصالحه.