رأي

بين إطلاق الوحش “AI” وترويضه!

مشهد “غربي” يبدو أقرب للمفارقة العجيبة، يتبناه فريقان حول الذكاء الاصطناعي، أحدهم يدعم بشدة حرية تطويره، ويرفض تماما تقييده بالقوانين الحكومية، ويمثل هذا الرأي الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب”، ويتفق معه رئيسا شركتي “ميتا” و”أنفيديا”، والجبهة الأخرى (المفاجأة) يقودها رؤساء أكبر شركات الذكاء الاصطناعي أنفسهم (داريو أمودي – سام ألتمان – إيلون ماسك – ديميس هاسابيس) إضافة إلى قادة سياسيين وأمميين، رأيهم بالمجمل يتمثل بالمطالبة بكبح جماح الذكاء الاصطناعي، وإبطاء سرعة تطويره “تهدئة مؤقتة” لضمان ألا يخرج عن السيطرة، إضافة إلى دعوة البعض منهم بوضع قوانين سلامة موحدة بين الشركات دون انتظار القوانين الحكومية، وفرض رقابة دولية صارمة، وإنشاء هيئة حكومية تنظيمية مرنة تشرف على الشركات.

ولمحاولة فهم وتفكيك هذه المفارقة، علينا أن ندرك كيف ينظر كل جانب للأمر، فالرئيس الأمريكي يتملكه هاجس “أمريكا أولًا – حمائية الشركات” وعقيدة “من يربح سباق الذكاء الاصطناعي سيقود العالم”، ويرى أن أي إبطاء بوتيرة تطوير الذكاء الفائق، فهذا يعني -ضمنيا- لحاق الصين وتجاوزها للولايات المتحدة في هذا المضمار، والذي سيُعد بمكانة استسلام استراتيجي أمام بكين! (عمد “ترامب” مؤخرًا لتأسيس ما يسمى بالقوة الذكية (AI Force) وهو كيان تنظيمي وقانوني هدفه حماية الصناعة من القوانين المقيدة ومطاردة المسيئين لاستخدام الذكاء الاصطناعي، كما وقع ميثاقًا أخلاقيًا لتنظيم الذكاء الاصطناعي).

أما رئيسا شركتي “ميتا” و”أنفيديا” فنظرتهم “رأسمالية بحتة” ويعدون أي تقييد للذكاء الاصطناعي من شأنه أن يؤدي إلى احتكار التقنية لمصلحة شركات أخرى منافسة، وأن القوانين المعمول بها حاليًا كافية لتأمين السلامة، وأن كل شركة مسؤولة عن أمان منتجاتها!

وعلى الجانب الآخر يقف أصحاب “الرؤية المرعبة” لقدرات الذكاء الاصطناعي، وما يمكن أن يعمله في حال تُرك دون قيود تحكمه! هذه الرؤية المرعبة ناتجة عن وقائع عملية وحية مسبقة لنماذج الذكاء الاصطناعي الخاصة بشركاتهم إليك بعضها: اضطرت شركة (Anthropic) في صيف عام 2026م إلى عزل وحجب نموذجها المتطور (Mythos) بعد أن صُدم المهندسون بقدرة النموذج على “الهروب الذاتي” من بيئة الاختبار الآمنة (The Sandbox) ومحاولة تخطي القيود المفروضة عليه! كما عبر رئيس الشركة عن خطرين للذكاء الاصطناعي الأول قدرته على تسهيل صناعة أسلحة بيولوجية وفيروسات خطيرة عبر الإنترنت.

والثاني (الأحدث) خطر “أسراب الذكاء الاصطناعي” (AI Swarms)، حيث يتوقع أنه خلال 6 إلى 12 شهرًا قد تتمكن هذه الأسراب الذكية من التكتل و”السيطرة على شبكة الإنترنت بالكامل” بشكل مستقل.

ومن ناحية أخرى، أعلنت شركة (OpenAI) بشكل صادم أن نظامها الذكي قام باختراق خوادم شركة أخرى “تلقائيًا، وبشكل مستقل دون أي توجيه بشري”، كما وصفت تصرف وكلائها البرمجيين بأنهم “تجمعوا وتصرفوا كطائفة متعصبة دافعت عن أهدافها الخاصة”! أما “إيلون ماسك”، فرأى كيف تتعلم السيارات ذاتية القيادة بسرعة مرعبة، وتتخذ قرارات في أجزاء من الثانية، كما رأى من خلال منصة (X) كيف تغلغلت الحسابات الوهمية الذكية وقدرتها على توجيه الرأي العام بدقة خارقة!

ملخص المشهد: هناك من رأى المخاطر المستقبلية “للوحش الرقمي” الذي يُصنع بيده، ويطالب بترويضه وتحييد خطره، وهو بالمهد، وبين مغامرين يريدون إطلاقه أولا (من أجل السيطرة) مراهنين على ابتكار اللجام والأغلال بعد فوات الأوان!

وقفة:

  • لن يسمح الأوروبيون بدخول النماذج الأمريكية الفائقة غير المقيدة إلى أسواقهم إذا لم تلتزم بمعايير الأمان والأخلاقيات؛ مما قد يؤدي إلى “حرب تجارية تقنية” وعزل الشركات الأمريكية عن السوق الأوروبية الضخمة، وهي الفرصة التي تنتظرها الصين!