إذا استمرت الحماية المفرطة للصناعات المحلية دون تطوير حقيقي، قد تؤدي إلى انخفاض الكفاءة وارتفاع الأسعار وتراجع الجودة، أما التوطين الذكي، فيستهدف بناء شركات وصناعات قادرة على المنافسة وليس حمايتها بصورة دائمة من المنافسة.
تولي المملكة أهمية كبرى بزيادة نسبة المكونات المحلية في المنتجات المصنعة على أراضيها، وتطوير قطاعات استراتيجية تشمل الصناعات العسكرية والدوائية والغذائية، إلى جانب الطاقة والتعدين والصناعات التحويلية، ونقل التقنيات الحديثة، وتعزيز البحث والتطوير والابتكار، ودعم الاقتصاد الرقمي.
لم تعد فكرة الاعتماد على الأسواق العالمية وسلاسل الإمداد الممتدة عبر القارات تبدو خيارًا آمنًا بالقدر نفسه الذي كانت عليه قبل سنوات قليلة؛ فالأزمات المتلاحقة، بدءًا من جائحة كورونا إلى الحروب والاضطرابات الجيوسياسية والتوترات التجارية بين القوى الاقتصادية الكبرى، كشفت هشاشة بعض سلاسل الإمداد العالمية، وأظهرت أن الاعتماد المفرط على الخارج في توفير السلع والخدمات الأساسية قد يتحول في أوقات الأزمات من ميزة اقتصادية إلى نقطة ضعف استراتيجية.
وفي ظل هذه التحولات، بدأ مفهوم “التوطين” يكتسب أهمية متزايدة في السياسات الاقتصادية للدول، باعتباره أحد الخيارات التي يمكن أن تُسهم في بناء اقتصاد أكثر مرونة وقدرة على مواجهة الصدمات، من خلال تعزيز الإنتاج المحلي، وتنمية الكفاءات الوطنية، وتطوير سلاسل الإمداد، ونقل التكنولوجيا والمعرفة، وتقليل الاعتماد المفرط على الخارج.
ولا يعني التوطين الانعزال عن الاقتصاد العالمي أو السعــــي إلى تحقيــــق اكتفـــــاء ذاتي كامل في جميــع السلع والخدمات، وإنما يرتبـــط ببنـــاء قاعـــدة إنتاجية محلية قادرة على تأمين القطاعات الحيويــة والاستراتيجية، مع الحفـــاظ في الوقـــت نفسه على الاستفادة من التجارة والاستثمار والتقنيات والأسواق العالمية.
وتتعدد دوافع التوطين على المستوى الداخلي، وفي مقدمتها خلق فرص للعمل، وتعزيز مشاركة المواطنين في النشاط الاقتصادي، وتأمين السلع الاستراتيجية، ودعم الناتج المحلي الإجمالي، وتقليل تسرب الأموال إلى الخارج. وفي المقابل، فرضت التطورات العالمية دوافع جديدة، أبرزها اضطرابات سلاسل الإمداد، والتوترات الجيوسياسية، والمخاوف المتعلقة بالأمن الاقتصادي والتكنولوجي.
وفي هذا السياق، باتت دول عديدة تعيد النظر في سياساتها الصناعية والتجارية، وتقدم حوافز للاستثمار في التصنيع المحلي، وتشجع إعادة توطين بعض الصناعات، خاصةً في القطاعات الحساسة كالطاقة، والأدوية، وأشباه الموصلات، والصناعات الدفاعية والغذائية.

مفهوم يتجاوز الوظائف
ولفترة طويلة ارتبط مصطلح “التوطين” بسوق العمل وإحلال العمالة الوطنية محل العمالة الأجنبية، إلا أن المفهوم تطور بصورة أكبر وأصبح أكثر شمولًا، ليرتبط ببناء القدرات المحلية وتعزيز المحتوى المحلي وتطوير الصناعات وسلاسل القيمة ونقل التكنولوجيا والمعرفة.
ويشير التوطين، في مفهومه الواسع، إلى تعزيز قدرة الاقتصاد الوطني بالاعتماد على موارده وكفاءاته المحلية في إنتاج السلع والخدمات وتطويرها، مع تقليل الاعتماد المفرط على الخارج، بما يعزز قدرة الاقتصاد على الاستمرار والنمو في مواجهة الأزمات.
ويأتي توطين الوظائف في مقدمة هذه الأبعاد، من خلال زيادة مشاركة القوى العاملة الوطنية في الأنشطة الاقتصادية، وإتاحة فرص عمل للمواطنين، وتطوير مهاراتهم، كما يسهم ذلك في تقليل تحويل دخول العاملين إلى الخارج، وزيادة تداول الدخل داخل الاقتصاد المحلي، أما البعد الثاني فيتمثل في توطين الصناعة والإنتاج، عبر تطوير القدرة على تصنيع المنتجات والسلع محليًا بدلًا من الاعتماد الكامل على استيرادها. ويكتسب هذا الجانب أهمية خاصة بالنسبة إلى السلع الاستراتيجية والقطاعات الحيوية، إذ يحد من تعرض الاقتصاد للصدمات الخارجية واضطرابات سلاسل الإمداد، كما يمكن أن يسهم في خفض الواردات وتقليل الضغط على العملات الأجنبية.
ويمتد مفهوم التوطين كذلك إلى توطين سلاسل الإمداد، بحيث تعتمد المشروعات الحكومية والخاصة، بدرجة أكبر على الموردين المحليين، بما يزيد الطلب على المنتجات والخدمات الوطنية، ويمنح الشركات المحلية فرصة للنمو والتوسع ورفع طاقتها الإنتاجية، ولا يقتصر الأمر على المنتجات النهائية، بل يشمل المكونات والمواد الخام والخدمات المرتبطة بالإنتاج، وهو ما يساعد على بناء منظومة اقتصادية متكاملة بدلًا من وجود مصانع تعتمد في معظم مدخلاتها على الخارج، أما البعد الأكثر تطورًا فيتمثل في توطين التكنولوجيا والمعرفة، والذي يشمل نقل التقنيات والخبرات الفنية والتراخيص والمعرفة الصناعية وأساليب الإدارة والبحث والتطوير إلى داخل الدولة. والهدف هنا ألا تظل الدولة مجرد مستخدم للتكنولوجيا المستوردة، بل أن تنتقل تدريجيًا إلى مرحلة تطويرها وإنتاجها والمشاركة في ابتكار تقنيات جديدة. وبذلك، يصبح التوطين عملية انتقال من نموذج يقوم على التجميع والاستهلاك إلى نموذج أكثر اعتمادًا على الإنتاج والابتكار، بما يعزز استقلالية الاقتصاد ويدعم المنافسة.

جزءًا أوسع للأمن الاقتصادي
وتبرز أهمية التوطين بصورة خاصة في القطاعات المرتبطة بالبنية التحتية والطاقة والصناعة والغذاء والدواء والتكنولوجيا، وهي قطاعات تمثل في كثير من الأحيان عناصر أساسية لاستقرار الدول واقتصاداتها، فكلما اتسعت قاعدة الإنتاج المحلي، ازدادت قدرة الاقتصاد على التعامل مع الصدمات التي قد تؤدي إلى توقف أو تأخر الواردات؛ وقد أثبتت السنوات الأخيرة أن أي اضطراب في ممرات التجارة أو الموانئ أو النقل الدولي يمكن أن ينعكس سريعًا على توافر المنتجات وأسعارها في الأسواق المحلية.
وأظهرت جائحة كورونا بصورة واضحة حجم المخاطر المرتبطة بالاعتماد المفرط على سلاسل الإمداد الخارجية، بعدما واجهت دول عديدة صعوبات في الحصول على بعض المستلزمات الطبية والسلع الأساسية نتيجة ارتفاع الطلب العالمي وتعطل الإنتاج والنقل، كما أن الحروب والتوترات الجيوسياسية عززت هذا الاتجاه، إذ أصبحت بعض الدول أكثر اهتمامًا بتأمين مصادر محلية للسلع والمواد والتقنيات التي تعتبرها استراتيجية. ومن هنا، فإن التوطين لا يرتبط فقط بالأهداف الاقتصادية التقليدية، وإنما أصبح جزءًا من مفهوم أوسع للأمن الاقتصادي.
تأثير مباشر في النشاط الاقتصادي
يمتلك التوطين كذلك تأثيرًا مباشرًا في النشاط الاقتصادي، إذ يساعد على إبقاء جزء أكبر من الإنفاق داخل الاقتصاد الوطني بدلًا من خروجه إلى الأسواق الخارجية؛ فعندما تعتمد الشركات والمشروعات على موردين محليين، فإن الأموال المدفوعة مقابل السلع والخدمات تنتقل بين شركات وعاملين داخل الاقتصاد، ما يخلق دورة اقتصادية محلية تشمل الإنتاج والأجور والاستثمار والاستهلاك. كما يؤدي نمو الصناعات المحلية إلى خلق قطاعات جديدة، ورفع الطلب على الخدمات المساندة، مثل النقل والخدمات اللوجستية والصيانة والاستشارات والهندسة والتقنية. ويساعد ذلك على تنويع الاقتصاد وتقليل الاعتماد على مصدر واحد للدخل، سواء كان النفط أو السياحة أو غيرهما، من خلال تطوير قطاعات إنتاجية جديدة قادرة على خلق قيمة مضافة وفرص عمل. وفي الوقت نفسه، فإن خفض الاعتماد على الواردات يمكن أن يقلل الطلب على العملات الأجنبية، ويحسن بعض مؤشرات التجارة الخارجية وميزان المدفوعات، لاسيما عندما يترافق التوطين مع قدرة الشركات المحلية على المنافسة والتصدير.

القطاع الخاص.. المحرك الحقيقي
وإذا كانت الحكومات تضع الأطر التشريعية والتنظيمية والحوافز التي تشجع التوطين، فإن القطاع الخاص يظل المحرك الأساسي لتحويل هذه السياسات إلى واقع اقتصادي مستدام، فالسياسات الحكومية وحدها لا تكفي لإنشاء صناعة قادرة على المنافسة أو بناء شركات وطنية مبتكرة. ويتطلب الأمر استثمارات فعلية في المصانع والتقنيات والموارد البشرية والبحث والتطوير.
ويؤدي القطاع الخاص دورًا أساسيًا في توفير الوظائف وتطوير مهارات القوى العاملة الوطنية من خلال التدريب على رأس العمل والبرامج المهنية والتخصصية، إضافة إلى تطوير الكفاءات في المجالات الفنية والهندسية والتقنية، كما تستطيع الشركات الكبرى المساهمة في نقل التكنولوجيا والخبرات من الشركات العالمية إلى السوق المحلية، سواء من خلال الشراكات والاستثمارات أو اتفاقيات نقل التقنية والتصنيع.
وتتجاوز أهمية الشركات الكبرى ذلك لتشمل دعم المنشآت الصغيرة والمتوسطة، التي تمثل جزءًا مهمًا من سلاسل الإمداد، فكلما توسعت الشركات الكبرى في الاعتماد على الموردين المحليين، أوجدت فرصًا أمام المنشآت الصغيرة والمتوسطة للنمو والاستثمار ورفع جودة منتجاتها وخدماتها. ومن هنا، فإن نجاح التوطين يتطلب بناء منظومة متكاملة تربط الشركات الكبرى بالموردين المحليين، والقطاع الخاص بالمؤسسات التعليمية ومراكز الأبحاث، والحكومة بالمستثمرين.
إعادة تقييم مخاطر الاعتماد على دول بعينها
وقد برزت على المستوى العالمي، خلال السنوات الأخيرة مجموعة من العوامل التي عززت الاتجاه نحو التوطين، وتأتي اضطرابات سلاسل الإمداد في مقدمة هذه العوامل، خاصةً بعد جائحة كورونا، التي أظهرت أن الإنتاج العالمي الموزع بين عدد كبير من الدول قد يكون عرضة للتعطل عندما تتزامن الأزمات الصحية واللوجستية والاقتصادية، كما أسهمت التوترات الجيوسياسية بين القوى الاقتصادية الكبرى في إعادة تقييم مخاطر الاعتماد على دول بعينها في بعض المنتجات والمواد والتقنيات الحساسة.
ويضاف إلى ذلك تصاعد المخاوف الأمنية المرتبطة بقطاعات مثل: (أشباه الموصلات والطاقة والأدوية والاتصالات والتقنيات المتقدمة)، وهي قطاعات أصبحت مرتبطة بصورة متزايدة بالأمن الاقتصادي والاستراتيجي.
ومن أبرز المؤشرات على هذا الاتجاه، سعي عدد من الدول إلى إعادة توطين بعض الصناعات، أو نقل أجزاء من عملياتها الإنتاجية إلى دولها الأصلية أو دول قريبة جغرافيًا، بهدف تقليل المخاطر المرتبطة بسلاسل الإمداد الطويلة، كما ارتفعت الاستثمارات الحكومية والخاصة في التصنيع المحلي، بالتزامن مع تقديم حوافز مالية وضريبية لتشجيع الشركات على إنشاء المصانع وتوسيع الإنتاج. وفي الوقت نفسه، تصاعدت السياسات الصناعية التي تستهدف دعم قطاعات محددة، مثل: التكنولوجيا والطاقة والأدوية والرقائق الإلكترونية، فضلًا عن استخدام أدوات تجارية، كالرسوم الجمركية والقيود على بعض الصادرات، في عدد من الأسواق. وكل هذه المؤشرات تعكس تحولًا مهمًا في النظرة إلى التوطين، من كونه سياسة محلية تستهدف خلق الوظائف فقط، إلى كونه أحد عناصر الاستراتيجية الاقتصادية والأمنية للدول.

نماذج عالمية للتوطين
وتقدم التجارب الدولية نماذج مختلفة للتوطين، إذ لم تتبع الدول مسارًا واحدًا، وإنما طورت سياساتها وفق ظروفها الاقتصادية ومزاياها التنافسية؛ ففي الصين، ارتبط التوطين ببناء قاعدة صناعية ضخمة، وإنشاء مناطق اقتصادية خاصة، واستقطاب الاستثمارات الأجنبية، مع التركيز على تطوير القدرات المحلية وسلاسل الإمداد ونقل التكنولوجيا.
أما اليابان، فقد ركزت على التطوير والتحسين المستمر ورفع جودة المنتجات والاستثمار طويل الأجل في البحث والتطوير، بما ساعد على بناء شركات وصناعات ذات قدرة تنافسية عالمية، أما سنغافورة فارتكز نموذجها على جذب الشركات العالمية والاستفادة من استثماراتها وخبراتها، بالتزامن مع تطوير الكفاءات المحلية والاستثمار في التعليم والتدريب، وتنمية قطاعات متقدمة مثل الخدمات المالية والتكنولوجيا الحيوية. أما كوريا الجنوبية، فقد اعتمدت على الاستثمار في التعليم والبحث العلمي والهندسة ونقل التكنولوجيا وبناء الصناعات المحلية، وتمكنت خلال عقود من التحول إلى قوة عالمية في قطاعات الإلكترونيات والسيارات وبناء السفن.
ويبرز كذلك النموذج الألماني الذي يجمع بين الصناعات المتخصصة عالية الجودة، والتكامل بين الشركات والجامعات ومراكز الأبحاث، إلى جانب نظام قوي للتدريب المهني، وهو ما أسهم في بناء قاعدة صناعية ذات مهارات عالية وقدرة تنافسية، وتكشف هذه النماذج أن التوطين الناجح لا يعتمد على قرار حكومي منفرد، بل يحتاج إلى منظومة متكاملة تشمل التعليم والاستثمار والتقنية والبحث العلمي والقطاع الخاص.

رافد يحقق مستهدفات رؤية 2030
ويمثل التوطين في المملكة أحد المحاور المهمة في مسار التحول الاقتصادي وتحقيق مستهدفات رؤية 2030، من خلال زيادة فرص العمل للمواطنين، وتنمية رأس المال البشري، وتعزيز المحتوى المحلي، وتطوير القطاعات الإنتاجية.
ويرتكز التوجه على أكثر من مسار، يبدأ بتوطين الوظائف وتنمية الكفاءات الوطنية، ويمتد إلى توطين الصناعة وسلاسل الإمداد والتكنولوجيا؛ ففي سوق العمل، تستهدف السياسات زيادة مشاركة المواطنين في مختلف القطاعات، وتوطين عدد من المهن والأنشطة، بالتزامن مع تطوير مهارات الكوادر الوطنية في المجالات المستقبلية، مثل الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والتقنيات المتقدمة.
وعلى المستوى الصناعي، يبرز التوجه نحو زيادة نسبة المكونات المحلية في المنتجات المصنعة داخل المملكة، وتطوير قطاعات استراتيجية تشمل الصناعات العسكرية والدوائية والغذائية، إلى جانب الطاقة والتعدين والصناعات التحويلية. أما في مجال التكنولوجيا، فيتجه التركيز إلى نقل التقنيات الحديثة، وتعزيز البحث والتطوير والابتكار، ودعم الاقتصاد الرقمي، بما يساعد على بناء قدرات محلية في المجالات التقنية المتقدمة.
ويمتد التوطين كذلك إلى سلاسل الإمداد، من خلال تشجيع الشركات والمشروعات على شراء المنتجات والخدمات المحلية، ودعم الموردين الوطنيين وزيادة قدرتهم على تلبية احتياجات المشروعات الكبرى. وتدعم هذا التوجه مجموعة من البرامج والمبادرات الحكومية، من بينها المبادرات الرامية إلى رفع المحتوى المحلي في المشتريات والمشروعات الحكومية، وبرامج توطين الوظائف، إلى جانب برنامج تطوير الصناعة الوطنية والخدمات اللوجستية (NIDLP) الذي يستهدف دعم قطاعات الصناعة والتعدين والطاقة والخدمات اللوجستية، كما يأتي برنامج شريك ضمن المبادرات التي تستهدف تعزيز استثمارات القطاع الخاص في المشروعات الاستراتيجية، بما يرفع مساهمته في التنمية الاقتصادية ويعزز قدرة الاقتصاد على تحقيق مستهدفات التحول.
البنية التحتية.. شرط أساسي
ولا يمكن بناء قاعدة صناعية وتوطين سلاسل الإمداد دون توفير بنية تحتية متطورة وذات كفاءة عالية؛ فالمصانع والمناطق الصناعية والمشروعات الكبرى تحتاج إلى إمدادات مستقرة من الكهرباء والمياه والغاز، وشبكات اتصالات وإنترنت عالية السرعة، إضافة إلى خدمات الصرف الصحي والمرافق الأساسية، كما تحتاج إلى منظومة نقل ولوجستيات متكاملة تضم الطرق والموانئ والمطارات والسكك الحديدية، بما يسمح بنقل المواد الخام والمنتجات بكفاءة وربط مناطق الإنتاج بالأسواق المحلية والأسواق الخارجية. وفي حال غياب هذه البنية أو ضعفها، فإن الشركات ستضطر إلى تحمل تكاليف إضافية لتوفير البدائل، وهو ما يرفع تكلفة الإنتاج ويؤثر في القدرة التنافسية للمنتجات المحلية. ومن ثم، فإن تطوير البنية التحتية لا يمثل مجرد عنصر مساند للتوطين، بل يعد أحد أهم شروط نجاحه واستدامته.
تحديات لا يمكن تجاهلها
ورغم المزايا الاقتصادية والاستراتيجية للتوطين، فإن تطبيقه يواجه عددًا من التحديات، لاسيما في المراحل الأولى؛ ومن أبرز هذه التحديات أن المورد المحلي قد تكون تكلفته في البداية أعلى من تكلفة المنتج المستورد، نتيجة محدودية الإنتاج وارتفاع تكاليف التشغيل وضعف اقتصاديات الحجم، كما تحتاج الصناعات المحلية الناشئة إلى وقت حتى تصل إلى المستويات العالمية من حيث الجودة والموثوقية والكفاءة، وهو ما يتطلب استثمـــــارات مستمــــرة وتطويـــرًا تقنيًا وتدريبًا متواصلًا.
وتظهر كذلك فجوة المهارات باعتبارها أحد التحديات المهمة، إذ قد لا تتوافق مخرجات التعليم والتخصصات المتاحة دائمًا مع احتياجات الاقتصاد وسوق العمل، الأمر الذي يجعل التدريب وإعادة تأهيل الكوادر أمرًا ضروريًا. ومن التحديات أيضًا احتمال وجود مقاومة من بعض منشآت القطاع الخاص إذا اعتبرت سياسات التوطين عبئًا تنظيميًا أو تكلفة إضافية تؤثر في أرباحها، خصوصًا على المدى القصير، وهنا تبرز أهمية تصميم سياسات توطين تحقق التوازن بين الأهداف الاقتصادية والاجتماعية وبين الحفاظ على تنافسية القطاع الخاص.

التعليم والمهارات.. مفتاح الاستدامة
من الصعب الحديث عن توطين ناجح ومستدام دون الحديث عن التعليم والتدريب؛ فامتلاك المصانع والمنشآت والمعدات لا يكفي لبناء اقتصاد تنافسي، ما لم تتوافر الكفاءات القادرة على تشغيلها وتطويرها وإدارتها وابتكار منتجات جديدة. ولهذا، تحتاج الدول إلى ربط مخرجات التعليم باحتياجات الاقتصاد، والتوسع في التعليم والتدريب التقني والمهني، وتطوير البرامج المتخصصة في الهندسة والصناعة والتقنية والعلوم. كما أن الشراكة بين الجامعات والشركات يمكن أن تلعب دورًا مهمًا في تحديد المهارات المطلوبة وتطوير برامج تعليمية وتدريبية تتناسب مع الاحتياجات الفعلية لسوق العمل.
ويمثل الاستثمار في رأس المال البشري، في نهاية المطاف، أحد أكثر أشكال التوطين أهمية، لأنه لا يقتصر على إحلال موظف محلي محل موظف أجنبي، بل يهدف إلى بناء قدرة وطنية مستدامة على الإنتاج والإدارة والابتكار.
التوطين لا يعني الانعزال
ورغم أهمية التوطين، فإن نجاحه لا يعني بالضرورة تحقيق اكتفاء ذاتي كامل أو إغلاق الأسواق المحلية أمام المنتجات والاستثمارات الأجنبية؛ فالتجارة الدولية والاستثمار الأجنبي ونقل التكنولوجيا تظل عناصر مهمة في النمو الاقتصادي، لاسيما في عالم مترابط يصعب فيه إنتاج جميع السلع والخدمات بكفاءة داخل دولة واحدة. ولهذا، فإن النموذج الأكثر واقعية يتمثل في تحقيق توازن بين بناء القدرات المحلية والاستفادة من الاقتصاد العالمي.
فالحماية المفرطة للصناعات المحلية قد تؤدي، إذا استمرت دون تطوير حقيقي، إلى انخفاض الكفاءة وارتفاع الأسعار وتراجع الجودة، أما التوطين الذكي، فيستهدف بناء شركات وصناعات قادرة في النهاية على المنافســة، وليــــس حمايتها بصورة دائمة من المنافسة.
استراتيجية طويلة الأجل
تكشف التجارب الدولية أن التوطين عملية طويلة الأجل تحتاج إلى استراتيجية وطنية واضحة، ومستهدفات قابلة للقياس، وشراكة حقيقية بين الحكومة والقطاع الخاص والمؤسسات التعليمية والبحثية. كما تحتاج إلى الاستثمار المستمر في التعليم والتدريب، ونقل التكنولوجيا، والبحث والتطوير، والابتكار، وتطوير سلاسل الإمداد المحلية.
ويظل القطاع الخاص عنصرًا حاسمًا في هذه المعادلة، لأنه الجهة التي ستترجم السياسات إلى مصانع واستثمارات ووظائف ومنتجات وخدمات، وبالتالي فإن نجاح التوطين لا يقاس فقط بعدد الوظائف التي تم توطينها أو حجم المنتجات التي تم تصنيعها محليًا، وإنما بمدى قدرة الاقتصاد على بناء قدرات مستدامة وإيجاد شركات منافسة ورفع الإنتاجية وتطوير التكنولوجيا وتحقيق قيمة مضافة حقيقية.
وفي النهاية، يبدو أن التحولات التي يشهدها الاقتصاد العالمي تدفع الدول نحو إعادة اكتشاف أهمية القدرات المحلية، ليس باعتبارها بديلًا كاملًا عن العولمة، وإنما باعتبارها عنصرًا مكملًا لها وأكثر ارتباطًا بمرونة الاقتصاد وأمنه. فالتحدي الحقيقي أمام الدول لم يعد فقط في زيادة حجم الإنتاج المحلي، بل في بناء منظومة اقتصادية متكاملة تستطيع أن تنتج وتبتكر وتنافس وتواجه الأزمات في الوقت نفسه، وبالنسبة إلى المملكة، فإن استمرار الاستثمار في الإنسان والبنية التحتية والصناعة والتقنية وسلاسل الإمداد، بالتوازي مع تمكين القطاع الخاص، يمكن أن يجعل التوطين أحد المحركات الرئيسية لتنويع الاقتصاد وتعزيز تنافسيته، وتحويل المملكة من سوق مستهلكة للمنتجات والتقنيات إلى مركز إقليمي للإنتاج والابتكار والتصدير. وبذلك، يصبح التوطين أكثر من مجرد سياسة اقتصادية أو برنامج لزيادة المحتوى المحلي؛ بل يتحول إلى استراتيجية لبناء اقتصاد أكثر صمودًا واستقلالية وقدرة على المنافسة، وقادر على التعامل مع عالم تتغير فيه قواعد التجارة والاستثمار وسلاسل الإمداد بوتيرة متسارعة.
