نافذة

ما التفت إليه الآباء في تجارتهم

عبدالعزيز المحمد الذكير

السعة والجدة هما في رأيي اللذان أعطيا تجارتنا المعاصرة التوسع. فكانت السلعة المطروحة للبيع في أسواقنا القدية عبارة عن ضرورة. والتاجر أصلاً لا «يوصّي» إلا على سلعة «تركض» أي يمكن تصريفها بسرعة لا حباً في الجدبد بل للحاجة إليه.

مفردة «المجلوب» هي ما جرى إحضاره إلى السوق من أجل بيعه. ومن حرص ناس ذلك الزمن أنهم طوّعوا الحِكم والأمثال طمعاً في توعية المستهلك فقالوا: اشترِ مجلوب ولا تشري مطلوب.

في إشارة إلى أن ما يجري إحضاره للبيع وعادة يكون السعر مناسباً ولا يتثاقله الناس وفي متناول الجميع وقد تجري فيه تداول ومناقشات بين البائع والمشتري.

أغلب الأشياء المجلوبة تكون تحت مظلة أو في عربة ذات عجلات تُدفع باليد. وعند أهلنا في المنطقة الغربية من بلادنا ظهر نوع من التسويق يقوم به الباعة المتجولون ففي أغلب المدن يسمونها «فرّقنا» أي أننا على وشك الإنتهاء من «تفريق» أي: توزيع مالدينا. يدورون بالملابس فوق رؤوسهم في ربطة كبيرة وينادون بالحارات بصوت مسموع. هذا النوع من التسويق لم يصل منطقة نجد إلا لاحقاً. ولعل محلات «أبو ريال» نسخة عصرية لعملية الماضي «فرّقنا».

والبيع بواسطة التجوال في القصيم تحترفه في العادة نساء يُحظين بالقبول، حديثاً وخبرة. فتحمل الواحدة منهن صرة فوق رأسها، ولا تُنادي «فرقنا»، بل يذهبن إلى بيوت يتوسمن فيها أن أهلها يحتاجون هذا القماش (بضاعتهم قماش بأنواعه) وأغطية الرأس (غداف) وقلما يخرجن من تلك المنازل دون «صفقة» أو «تعميد» بنوع أو لون تجلبها البائعة في اليوم التالي، وتكون أخذته من بائعة أخرى، وتقول للمشترين إن مصلحتها هي «الدلالة» أو السعي.

البائعات في نجد و«فرّقنا» في الحجاز ليس لديهم مصاريف (أوفرهيد) كالإيجار والإدارة والكهرباء. فرأس المال ذلك «الصرار» الذي تحمله فوق رأسها، وذهنها يُشكّل برنامجاً دقيقاً لنوع ولون القماش الذي أوصت به هذه العائلة. ثم إنهن لم يسمعن بشيء اسمه «المحاسبة» أوالقائمة المالية أو الدائنين والمدينين. ولديهن ثقة كبيرة بزبائنهن ويستعدن الصفقة من الذاكرة.

هذا النشاط الذي أودعه الله في أذهانهن جعلهنّ ينمين ثروة غطت على حاجتهن المعيشية فتمكن البعض من شراء أرض وبناء منزل طينيّ آواها وأسرتها. وعرفتُ واحدة أهدت لابنها الذي كان يعمل في الظهران منزلاً ومصاريف زواجه.

الأمر المحمود في تجارة ذلك الزمن أن ما يُعرض للبيع نابع من صميم حاجة القوم آنذاك. فلم يكن لبضائع الترف وجود واقتناؤها لم يكن من أولويات الناس، ومحدودية السلع تجعل معرفة أنواعها لا يصعب على المرأة التي اتخذت تلك المهنة مصدر عيش.

الأمر غير المحمود في زمننا الحالي أن المرء يرى بضائع تمتلئ بها شبابيك العرض، استوردها أصحابها من الغرب والشرق مجاراة للموضة واعتباطاً دون أدنى فهم لكيفية استعمالها ومتى وأين تستعمل. والنتيجة أن التصفيف الغريب وزخرفة (الفترينة) تأتي على حساب المشتري. الذي هو بدوره اشتراها لأن قريبه أو جاره لديه الصنف نفسه.

هنا عرفت الدول الصناعية كيف تمتص دخولنا برضانا ومعرفتنا.