أسهم

الشركات «المُتعثّرة» تبحث عن «طوق نجاة»!

القواعد في أسواق الأسهم «العالمية» الشهيرة معروفة، ومن يخرج عليها يتعرض لإنذار، سرعان ما يتحول في وجهه إلى «كارت» صارم وحاسم.. من هنا، شهدت «كواليس» البورصات العالمية في الفترة الأخيرة حركة محمومة تستهدف العودة إلى ساحة «الملعب»، بعد أن تعرّض كثير من الشركات ــ بما فيها علامات وأسماء تجارية عالمية عملاقة ــ للشطب من سوق الأسهم.

إقليمياً لا يختلف الحال، إذ تراجعت شركات عدة في دول المنطقة العربية، خلال السنوات الأخيرة، فخرجت من أسواق الأسهم، بالشطب، اختيارياً حيناً وإجبارياً في أحيان. و«سعودياً» تقفُ «المادة 150» حائلاً دون أيّ تجاوز أو خروج عن التزام الشركات بقيمة رأس المال الذي يُحدد وجودَها في السوق.. ربما لم يكن هناك ما يدعو إلى الانزعاج، إلا أن هناك شركات تواجه خطر «الشّطب»، و150 تتمثّلُ للجميع كجرس إنذار، يُراقب، ويُحذّر، ويُنذر.

«الاقتصاد» ترصد هنا أبعاد ظاهرة شطب الشركات من أسواق المال، وتستشرف أياً منها يتهدده الطرد من سوق المال في 2019.

مقارنة بحجم ما تشهده أسواق المال في العالم، وبأعداد الشركات المدرجة التي تخارجت (إجبارياً أو اختيارياً) من السوق المالية السعودية «تداول» في السنوات الأخيرة، فإن الأمر لا يدعو للقلق، وإنما للانتباه والتحوّط لما هو قادم، خاصة أن شطب الشركات من البورصات العالمية آخذ في التزايد سنة بعد أخرى، و«الشطب» – «كظاهرة» – آخذ في الاتّساع، لا سيما في أسواق الأسهم الخليجية والعربية، ومن غير المستبعد أن تمتد تداعياتها للسوق المالية السعودية التي تستهدف استقطاب تدفقات كبيرة محلية وأجنبية خلال الفترة المقبلة، وأن تلعب دوراً مهماً في تحقيق التنمية المستدامة، وفقاً لـ رؤية 2030، وانطلاقاً من تأثير سوق المال في مختلف الأنشطة التي تتصل بالحياة اليومية للمواطنين والوافدين.

خطر الشطب يهدِّد 15 شركة سعودية في 2019.. والسبب تفاقم خسائرها!

يمثل إدراج شركة في سوق الأسهم خطوة مهمة في مسيرتها وتعزيز سمعتها السوقية ومكانة علاماتها التجارية سواء بين العملاء أو المنافسين، فضلاً عن استفادتها من أدوات مالية متعددة للحصول على التمويل اللازم للنمو والتوسع عبر شريحة متنوِّعة من المستثمرين سواء الأفراد أو المؤسسات المالية وصناديق الاستثمار المختلفة. وقد عرف العالم أول سوق مالية للأسهم عام 1611م في أمستردام، حيث تم لأول مرة تحديد سعر للسهم، وفقاً لقانون العرض والطلب. لاحقاً اهتمت الدول الكبرى في العالم بتأسيس أسواق للأسهم من أجل دفع عجلة الاقتصاد، أبرزها في فيلادلفيا 1790م، ولندن 1801م، وباريس 1808م، وسوق نيويورك للأوراق المالية (NYSE) 1821م في شارع وول ستريت، والتي أصبحت حالياً أكبر سوق للأوراق المالية في العالم بقيمة سوقية تصل إلى 23.1 تريليون دولار، وتدرج حوالي 2400 شركة، يليها سوق ناسداك بنحو 10.9 تريليون دولار، ثم سوق طوكيو 6.22 تريليون دولار، بينما تأتي مومباي الهندية في الصدارة عالمياً من حيث عدد الشركات المدرجة بما يزيد عن 5700 شركة وقيمة سوقية تقدر بنحو 1.7 تريليون دولار، وقد تأسست مومباي عام 1875م وتعد أقدم بورصة في قارة آسيا، بينما تأتي السوق المالية السعودية «تداول» في صدارة أسواق المال بمنطقة الشرق الأوسط بقيمة سوقية تصل لنحو 530 مليار دولار تمثل نحو 45% من القيمة السوقية الإجمالية للأسواق العربية الـ15 وتبلغ 1.2 تريليون دولار، وفق البيانات الصادرة عن اتحاد البورصات العالمية والذي يرصد أداء 78 بورصة في أنحاء العالم.

وعلى الرغم من الأهمية التي تعود على الشركات من الإدراج في سوق المال، إلا أن الآونة الأخيرة شهدت شيوع ظاهرة شطب أسهم شركات من جداول التداول، لأسباب تراوحت بين مخالفة الشركة لتعليمات سوق الأسهم (شطب إجباري)، أو لرغبة مجالس إدارات تلك الشركات في توفير النفقات المترتبة على القيد بالسوق أو تقلص نسبة التداول الحر للأسهم بعد استحواذ شركات أخرى أو مستثمر استراتيجي على نسبة كبيرة من أسهم التداول الحر (شطب اختياري). وفي كلتا الحالتين، فإن سوق الأسهم تتأثر «إيجاباً»، حيث ينتج عن شطب الشركات غير الملتزمة بالتعليمات تنقية السوق من الأسهم الضعيفة، مما يعزز فرص الارتقاء بأداء السوق نحو الأفضل. وتتأثر السوق «سلباً»، إذ ينتج عن شطب الشركات تراجع القيمة السوقية لسوق الأسهم ويقلل من فرص جذب الاستثمارات الأجنبية.

خسائر فادحة

من أبرز وقائع شطب الشركات من أسواق الأسهم تلك المتعلقة بشركة «أيه.إم.آر كوربورشن»، التي تمتلك شركة الطيران الأمريكية «أميركان إيرلاينز»، والتي شطبت أسهمها من بورصة نيويورك للأوراق المالية بعد أن جرى تداول السهم بسعر أقل من 1 دولار لمدة 30 يوماً للتداول متتالية. كذلك خاضت شركة صناعة أجهزة الكمبيوتر الأمريكية «ديل» تجربة الشطب من سوق الأسهم عام 2013، وتحولت لنحو 5 سنوات إلى شركة خاصة مغلقة، قبل أن يوافق أغلبية مساهمي الشركة في ديسمبر 2018 على إعادة طرح أسهمها للتداول مرة أخرى في بورصة نيويورك، وذلك من أجل إيجاد فرص لزيادة رأسمال الشركة ورفع قيمتها السوقية والدخول في صفقة استحواذ مع شركات أخرى على أساس شراء الأسهم أو تبادلها.

الشطب الإجباري أو الاختياري يهدِّد بتراجع القيمة السوقية لأسواق الأسهم الإقليمية والعالمية

• مجموعة «توشيبا» اليابانية أيضاً واجهت مؤخراً مخاطر الشطب من مؤشر Nikkei 225 للمرة الأولى منذ عام 1950، وذلك بعدما تكبدت خسائر وصلت لـ 8.9 مليار دولار، نتيجة تعثر وحدتها النووية في الولايات المتحدة، مما أدى لموجة كبيرة من بيع أسهم الشركة. وفي نوفمبر 2018 قامت بتسييل وحدة الطاقة النووية البريطانية، وبيع مشروع الغاز الطبيعي المسال الأمريكي التابع لها، حيث تسعى الشركة للتخلص من الأصول المتعثرة واستعادة ثقة المستثمرين، ضمن استراتيجية جديدة تمتد لعام 2022، تشمل أيضا إلغاء 7 آلاف وظيفة أو 5% من قوة العمل.

• شركة جنرال إلكتريك تم شطب أسهمها من مؤشر «داو جونز» الصناعي، المؤشر الرئيس في سوق نيويورك، منذ يوم الإثنين 26 يونيو 2018 بعد 111 عاماً ظلت خلالها الشركة من الأسهم الرئيسة على هذا المؤشر المختص بمتابعة أداء أكبر 30 شركة أمريكية ذات ملكية عامة مسجلة في السوق، وذلك بعد سلسلة من التراجع الحاد في سعر السهم خلال عامي 2017 و2018م.

ظاهرة إقليمية

شهدت أسواق الأسهم في المنطقة العربية حالات كثيرة من الشطب الاختياري أو الإجباري للشركات من أسواق الأسهم في السنوات الأخيرة أبرزها تخارج أكثر من 50 شركة من سوق الكويت للأوراق المالية، منذ إطلاق كيان الهيئة والعمل بالقانون رقم 7 لسنة 2010، منها الثمار الدولية القابضة، والكويتية للأغذية (أمريكانا)، والخليج للزجاج، وفلكس، والوطنية للمسالخ، والتبريد. كذلك شهدت سوق الأسهم المصرية تراجعاً كبيراً في أعداد الشركات المدرجة من 373 شركة عام 2008 إلى 267 شركة عام 2018 أبرزها أورنج مصر للاتصالات، والدولية للتأجير التمويلي «انكوليس»، والعروبة للتجارة والتوريدات، وشركة سامكريت. وتراوحت الأسباب ما بين الشطب الاختياري بسبب ضعف التداول على السهم في السوق، أو الشطب الإجباري لمخالفتها قواعد الإدراج أو تفاقم الخسارة. كما شهدت سوق أبو ظبي للأوراق المالية مؤخراً إلغاء شركة إسمنت الاتحاد إدراج أسمهما والتحول إلى شركة مساهمة خاصة. كما سبق وشهد سوق دبي المالية قيام إدارة شركة الجزيرة للمنتجات الحديدية «حديد الجزيرة» بشطب أسهمها اختيارياً من السوق. وسبق أن شهدت سوق البحرين للأوراق المالية واقعة شطب اختياري لأسهم شركة المتحدة للتمويل، بناءً على قرار مجلس إدارة الشركة. كذلك شهدت سوق المال في سلطنة عُمان، في يونيو 2018 إلغاء ترخيص بنك أبو ظبي الأول من مزاولة العمل في مجال الأوراق المالية في السلطنة، وخروجه من سوق المال العمانية بناءً على طلب من البنك.

المادة 150

السوق المالية السعودية «تداول» هي الأخرى شهدت 4 حالات شطب لشركات لم تلتزم بتعليمات المادة 150 من نظام الشركات الجديد، الصادر عن هيئة السوق، والذي بدأ تطبيقه منذ 22 أبريل 2017.

وتنص المادة 150 على: «الشركات البالغة خسائرها المتراكمة 50% أو أكثر من رأسمالها تلتزم خلال 15 يوماً بالدعوة إلى انعقاد جمعية عامة غير عادية والاجتماع خلال 45 يوماً من تاريخ علم مجلس الإدارة بالخسائر، وحينها سيكون على الجمعية العامة غير العادية أن تقرر، إما زيادة رأسمال الشركة، وإما تخفيضه إلى الحد الذي تنخفض معه نسبة الخسائر إلى ما دون نصف رأس المال المدفوع، أو حل الشركة قبل الأجل المحدد في نظامها الأساس. وستعد الشركة منقضية بقوة النظام، إذا لم تجتمع الجمعية العامة غير العادية خلال 45 يوماً من تاريخ علم مجلس الإدارة بالخسائر، أو إن اجتمعت وتعذر عليها إصدار قرار في الموضوع، أو إذا قررت زيادة رأس المال ولم يتم الاكتتاب في كل زيادة رأس المال خلال 90 يوماً من صدور قرار الجمعية العامة بالزيادة».

ما الأسباب الحقيقية وراء تزايد «شطب» الشركات من أسواق الأسهم العربية في السنوات الأخيرة؟

وكانت أولى حالات الشطب وفقاً لتلك المادة، من نصيب شركة «مجموعة محمد المعجل»، بعدما بلغت خسائرها المتراكمة 3.73 مليار ريـال بما يعادل 299% من قيمة رأس المال، وبلغ إجمالي العجز في حقوق المساهمين 2.48 مليار ريال، ما دفع بمجلس هيئة السوق المالية إلى إصدار قراره القاضي بإلغاء إدراج أسهمها، بنهاية عمل يوم الأحد 7 مايو 2017 وذلك لعدم اتخاذ الشركة للإجراءات النظامية اللازمة لتصحيح أوضاعها بما يتوافق مع نظام السوق المالية ولوائحه التنفيذية ونظام الشركات، وأخذاً بالاعتبار الأحكام الواردة في المادة الخمسين بعد المائة من نظام الشركات والإجراءات التي يجب على الشركة اتخاذها خلال الفترات النظامية المحددة. وتكررت واقعة الشطب بعدها مع 3 شركات أخرى لنفس السبب، وهي:

• شركة «سند للتأمين التعاوني»: تم إلغاء إدراج أسهمها بنهاية عمل يوم الخميس 11 مايو 2017، بعدما بلغت خسائرها المتراكمة 181.24 مليون ريال بنسبة 90.62% من رأس المال المدفوع.

• شركة «بيشة للتنمية الزراعية»: تم إلغاء إدراج أسهمها بنهاية عمل يوم الخميس 18مايو 2017، بعدما بلغت خسائرها المتراكمة 71.22 مليون ريال أي ما يعادل 142.44 % من رأسمالها وعدم قيام مجلس إدارتها بتعديل أوضاعها خلال المهلة المحددة.

• شركة «وقاية للتأمين وإعادة التأمين التكافلي»: تم إلغاء إدراج أسهمها بنهاية عمل يوم الثلاثاء 30 مايو 2017، وبلغت خسائرها المتراكمة 293,48 مليون ريال، ويمثل تقريباً 147% من رأس مال الشركة. كما تمت إدانة عضوين سابقين في مجلس إدارة «وقاية للتأمين» وهما أحمد بن سليمان بن عبدالله البطاح، وعلي بن عبدالله بن علي السحيلي، من قبل لجنة الاستئناف في منازعات الأوراق المالية، وذلك لقيامهما أثناء عضويتهما بمجلس الإدارة بالتداول بناءً على معلومة داخلية متعلقة بسهم الشركة، وهو ما يمثل مخالفة وفقاً للفقرة (أ) من المادة 50 من نظام السوق المالية، والفقرة (أ) من المادة 6 من لائحة سلوكيات السوق. وتم إلزامهما بدفع 9.7 ملايين ريال، ومنعهما من إدارة المحافظ، ومن العمل مستشار استثمار، ومن العمل في الشركات التي تتداول السوق أسهمها في السوق المالية السعودية لمدة ثلاث سنوات.

دائرة الخطر

هناك 15 شركة أخرى مدرجة تعاني من الخسائر بنسب متفاوتة، ما يمثل جرس إنذار بقرب دخولها دائرة الخطر والوقوع تحت طائلة المادة 150، خلال الفترة المقبلة إن لم تسارع بتعديل أوضاعها المالية ووقف نزيف الخسائر. وتنقسم قائمة تلك الشركات إلى 3 فئات، وفقاً لنتائج الربع الثالث من 2018، وهي: أولاً شركات بلغت خسائرها المتراكمة 20% فأكثر وبما يقل عن 35% من رأس مالها، وتضم: (المتحدة للتأمين التعاوني، وعناية السعودية للتأمين التعاوني، تهامة للإعلان والعلاقات العامة، الأهلية للتأمين التعاوني، أميانتيت العربية السعودية، أمانة للتأمين التعاوني). ثانياً، شركات بلغت خسائرها المتراكمة 35% فأكثر وبما يقل عن50% من رأس مالها، وهي: (السعودية لصناعة الورق، والسعودية للأسماك، مجموعة أنعام الدولية القابضة، المتوسط والخليج للتأمين، إعادة التأمين التعاوني، الاتصالات المتنقلة السعودية، اتحاد عذيب للاتصالات، وفرة للصناعة والتنمية، أبناء عبدالله عبدالمحسن الخضري). ثالثاً، بلوغ الخسائر المتراكمة للشركة 50% فأكثر من رأس المال، وتندرج شركة واحدة فقط في تلك الفئة، وهي الشركة السعودية الهندية للتأمين التعاوني (وفا للتأمين) وبلغت خسائرها المتراكمة حتى آخر نتائجها المعلنة بنهاية الربع الثاني من العام الماضي 58.88 مليون ريال وبنسبة 58.88% من رأس المال، ولم تعلن عن نتائج الربع الثالث، وفي محاولة للنجاة من الشطب أوصى مجلس إدارة الشركة بتاريخ 13 سبتمبر 2018 بزيادة رأس المال، وذلك عن طريق طرح أسهم حقوق أولوية بقيمة 220 مليون ريال، كما جرت مطالبات من قبل الشركة لمؤسسة النقد العربي السعودي المالية « ساما» بتقييد طلب افتتاح إجراء إعادة التنظيم المالي خلال المهلة النظامية الممنوحة لها، وذلك بموجب الفصل الرابع مع نظام الإفلاس بهدف تحريرها من المدة الواردة في نظام الشركات إلى حين الانتهاء من الإجراءات اللازمة لزيادة رأس مال الشركة أو تغيير النشاط وتخفيض رأس مالها، وذلك بموجب المادة 45 من نظام الإفلاس والمادة 42 من لائحته التنفيذية. وبتاريخ 5 ديسمبر 2018 تسلمت الشركة خطاباً من ساما يفيد الموافقة على الطلب.

 

«تداول» تتصدّر أسواق المال في الشرق الأوسط بقيمة سوقية تُقدّر بـ 530 مليار دولار تمثِّل 45% من القيمة الإجمالية للأسواق العربية الـ 15