نافذة

هيئة السوق وشركة تداول .. وحجم السيولة!

مؤثرات أسواق المال «سوق الأسهم» عديدة إلا أن وقودها ومحركها الحقيقي يبقى مرتكزاً على حجم السيولة الفاعلة أو ما يسمى بالتدفقات المالية «Money flow» التي تُشغلها والتي تعتمد بدورها على أداء شركات السوق المالي وأنظمة الجهة المشرفة على السوق. والعلاقة النموذجية بين هذه الأطراف الثلاثة طردية وتراتبية بشكل شبه مطلق، خاصة في الأسواق الكفؤة «أداء مالي إيجابي لأغلب شركات السوق ـ مقياس جودة عال لأنظمة السوق كالعدالة والشفافية والمرونة ـ سيولة عالية أو جيدة للسوق».

إن اختلال أحد اطراف المعادلة الثلاثية السابقة «الأول أو الثاني أو كليهما» أو تأثرهما سلباً لأي سبب كان، سيلقي حتماً بظلاله على ديناميكية السوق وحيويته وجاذبيته، وبالتالي يمكن مشاهدة هذا التأثر تلقائياً من خلال تقلص السيولة الفاعلة في السوق أو تواضعها مع ما يفترض عليه أن يكون متوسط حجمها اليومي مقارنة بحجم السوق الكلي.

الجهة المشرفة والمشغلة للسوق المالي «هيئة سوق المال وشركة تداول في حالة سوق الأسهم السعودي» لديهما دور فاعل ومؤثر بشكل غير مباشر في انسياب أو تعثر تدفق السيولة المالية للسوق، فالجهة المشرفة على السوق منوط بها وضع القوانين التي تحكم السوق، وكلما كانت هذه القوانين كفؤة وعادلة وشفافة ومرنة، شجعت المستثمر على التعاطي مع السوق المالي والعكس صحيح أيضاً. فكيف يكون ذلك؟.

أحد جوانب الكفاءة في القوانين التي تحكم السوق، هو ما يتعلق بجودة الشركات التي تطرح بالسوق، فالتجربة العملية أثبتت أن التوسع بقاعدة السوق من خلال الاهتمام بالكم لا الكيف قد أدى إلى نتائج عكسية بعامل الثقة بالسوق، ويمكن مشاهدة ذلك بوضوح عبر الشركات الضعيفة التي أدرجت بالسوق والتي سرعان ما يتآكل رأسمالها لتعود إداراتها بطلب زيادة رأس مالها مجدداً مع تكرار هذه العملية لاحقاً! والخاسر الأكبر من هذه العملية هو المستثمر، مضافاً إليه تأثيرها السلبي على قاعدة المستثمرين الجُدد المتوقع دخولهم للسوق.

أكثر قضية تؤرق المتداول في سوق المال السعودي من جانب، هو أن تعلن الجهة المشرفة على السوق عن البت في قضية ضد أشخاص قاموا بمخالفة إحدى لوائح وأنظمة السوق خاصة المادة 49 والتي تتعلق بالتلاعب بسعر ورقة مالية ويتم حينها تغريمهم مالياً عن المخالفات التي ارتكبوها في عدد من أسهم الشركات المتداولة ولفترات زمنية متفرقة وسابقة «سنوات»!. والمفارقة أن الجهة المشرفة على السوق تحصل على الغرامة المالية من المخالفين، بينما ضحايا تلك العملية من المتداولين لا يحصلون على شيء في المقابل؟!.

صحيح أن النظام أجاز الحق لكل متداول تضرِّر من عملية مالية نفذت في السوق، أن يتقدم بشكواه إلى لجنة فض المنازعات في الأوراق المالية، إلا أن الإشكالية الأكبر التي تواجه معظمهم، خاصة المضاربين اليوميين هي صعوبة تذكرهم بامتلاكهم من عدمه لتلك الأوراق المالية محل المخالفة وقتها «عطفاً على تقادم قضية المخالفة التي ارتكبت مقارنة بوقت البت فيها» والأحرى بالجهة المسؤولة عن السوق باعتبار أنها من تملك أرشيف عمليات التداول كافة بما فيها أرشيف عمليات التداول محل أية مخالفة يقع ضحيتها بقية المتداولين أن تنصفهم في هذا الجانب تلقائياً.

من جانب آخر فإن من شأن اختصار الوقت في البت بأية مخالفات لقواعد ولوائح السوق والإعلان عنها بوقت حدوثها أن يعزز جانب ثقة المتداولين بالسوق، وعلى النقيض من ذلك حينما تترك المخالفات تتراكم على المخالفين ولا يتم الإعلان عن كشفها إلا متأخراً؟!. «تمتلك الجهة المسؤولة عن السوق حق إيقاف التداول على أية ورقة مالية يشتبه أنه تمت عليها عمليات مخالفة بذات اليوم، ونظام «T+2»، المعمول به حالياً، أعطى المرونة أيضاً للجهة المسؤولة، التعامل مع مثل هذه الحالات مالياً كإلغاء الصفقات التي يشتبه بمخالفتها للأنظمة».

الاقتصاد علم مرن يتعاطى مع أية تقلبات أو مجريات مالية تستجد، وأسواق المال جزء أساسي من الاقتصاد الكلي، وبالتالي يفترض فيها المرونة في قوانينها متى ما تطلب الأمر ذلك لجذب السيولة الإيجابية نحوها، سواء عن طريق تسهيل الاشتراطات الخاصة بمشاركة المؤسسات المالية بالسوق المحلي، أو بتسخير الأدوات المؤثرة على سيولة السوق كفترة التداول وتوقيتها، أو التحكم بنسبة التذبذب اليومي للأسهم، «الحد الأعلى والأدنى المتاح لحركة الأسهم في الجلسة الواحدة ـ بالعادة ترفع هذه النسبة لتشجيع السيولة حينما تكون التدفقات المالية للسوق ولفترة طويلة ضعيفة وتُخفض للحد من تضخم ارتفاع السوق المبالغ به، ولعمل توازن في انخفاضه بعد تضخمه سعرياً كما حدث عام 2006م في السوق السعودي».

ويعتقد البعض أن زيادة نسبة التذبذب للأسهم مدعاة للآخرين للتلاعب في الأسعار أو دعم لحمى المضاربة، لكن هذا التصور سيتلاشى حينما تُطبق لوائح السوق ومواده بكل شفافية وإنصاف، أضف إلى أن خاصية تحديد نسبة التذبذب للأسهم «سواء كانت النسب متماثلة أو مختلفة في الارتفاع أو الهبوط» يمكن أن تطبق على قطاعات أو على مجموعة أسهم بعينها دون غيرها عطفاً على الفائدة المتوقعة من ذلك على السوق، وأسواق المال العالمية والمجاورة حبلى بالتجارب المفيدة في هذا الجانب، فهناك بورصات عالمية عديدة تطبق نسبة التذبذب المفتوحة للأسهم أو المحددة بنسب معينة بما يتوافق مع حاجة وظروف أسواقها في كل مرحلة.

وقفة:

الحاجة إلى تحويل شركة تداول السعودية إلى شركة مساهمة «عامة» أصبحت مُلِحَّة، فقد مضى أكثر من إحدى عشرة سنة على تأسيسها كشركة مرعية ومملوكة بالكامل لصندوق الاستثمارات العامة، وهي مدة أكثر من كافية لنضوج الشركة كسوق لتداول الأوراق المالية. فمن شأن خطوة كهذه إعطاء الفرصة للشريك الأساسي في السوق وهو القطاع الخاص ـ مؤسسات وأفراداً ـ بالمشاركة في إدارتها من خلال عملية الانتخاب لتعزيز الفاعلية والاستقلالية في قراراتها.