نافذة

المدير.. المشي على الزجاج

عندنا وعند غيرنا من الشعوب، السواحة في أرض الله ومهودها وبيدها إليهم، يوجد عشرات الملايين من المديرين أو مئات الملايين. وما يهمني هو بضعة ملايين في مضاربنا السعودية والعربية. وكيف تعمل مخيخات مديري مدارس وجامعات وهيئات حكومية ووزارات وشركات ومتاجر ومعارض وحتى مطاعم وبقالات..إلخ. وما هي رؤيتهم للمهمة التي يتسيدون عروشها؟ ويتباهون بالألقاب والنُّعْمى ومتاع الغرور.

كلما أرى كتاب «حياة في الإدارة» للراحل العظيم، المغفور له بإذن الله، الدكتور غازي القصيبي، وكلما جاء ذكر الكتاب أو المؤلف، يقفز إلى ذهني سؤال هلوع يقلقني كثيراً: كم عدد المديرين الذين قرأوا الكتاب في بيدنا وفي بيداء العروبة وسهوبها؟. فهذا الكتاب ينبه المديرين إلى كثير من خطل الأوهام وسوء الفهم الذي يستبد بهم، أحياناً بلا إدراك ولا وعي، بفعل وهم «سكرة» المناصب وتصفيق المتزلفين وإطراء الشلليات التي لا يخلو منها مكتب في الدنيا، إلا ما رحم ربك.

وكم عدد المديرين «المهنيين» النخبة؟ الذين يلزمون أنفسهم بـ «حتمية» القراءة والاطلاع المستمر ليطوِّروا أنفسهم و«تحديث» أفكارهم، ويمحصوا تجاربهم ويأخذوا دروساً يومية لا تقدَّر بثمن ولا تتكرر، ولا يذكرها منظروا الإدارة الذين كثيراً ما تستبد بهم العظمة والفوقية وجاذبيات السوق والشغف الأكول بالدولار والدينار والدرهم.

مجتمع المديرين مثل المجموعات والطوائف البشرية الأخرى، فيه كل روائع المجتمعات ومناقبها، وأيضاً سلبياتها ومثالبها، إذ يوجد مديرون مهنيون نخبة، وهم الأقلية النادرة، ومديرون نخبة نفعية، ومديرون نخبة تسلطية، ثم «عوام» المديرين ودهماؤهم، وهم الأغلبية، الذين أصبحوا مديرين بالصدفة، أو بالأقدمية، أو بالحظوظ «المتنوعة» (من القربى إلى مهارات التزلف والتصنع و«الفهلوة» ومقبلاتها).

أيام كانت الشركات صغيرة والمكاتب قليلة والعلاقات «عذراء» نظيفة بسيطة كانت مهمة المدير «تشريف» ونوعاً من الوجاهة، وتوجيهية، ولا تتطلب كثيراً من الجهد ولا دعك جباه، بل، في ردح من الدهور، كان أسلاف المديرين يتنعمون، ويمدون أرجلهم ولا يبالون:

لعمري لأَنت البيتُ أُكْرِمُ أَهلَه

وأقعد في أَفيائه بالأصائل

(أبو ذؤيب الهذلي)

أما في هذا الزمن الذي تضخمت فيه المكاتب وتعدَّدت، وتمددت جغرافياً، وتجاوزت «العاير» حتى بلغ بعضها القارات والمحيطات ومهود قصية من الأرض، وكثر عدد العاملين، وتعدَّدت علاقات العمل وتعقدت، وتنوعت الملوثات، أصبحت مهمة المدير أشبه بالمشي على زجاج هش رقيق الشفافية. وبعضهم لا يعلم أن تحته زجاج فاستمر بتخطباته حتى ينهار المعبد ويقضي الكهنة نحبهم.

تغيرت المعطيات والمتطلبات والمهمات والمسؤوليات والظروف، فأصبحت مهمة المدير تتطلب ذكاءً متوقداً حاضراً، وثقافة مهنية عالية مستمرة التطوير والتعلم، وثقافة مهنية متخصصة في مجال أعمال المؤسسة وثقافتها وعقيدتها التشغيلية، وضرورة وجود معلومات جديدة و«حية» واستطلاعات وصناعة قرار شبه يومية. وأن يقاوم الشلليات، التي تمثل أخطر المهددات.

طبعاً كل هذا، فضلاً عن المهمات التقليدية التي تحتم عليه أن يكون ثاقب الرؤية وصبوراً وعادلاً ومحفزاً وملهماً لموظفيه.

أَعاذِلُ قد لاقَيتُ مَا يَزَعُ الفَتَى

وطابَقْتُ فِي الحِجْلَيْنِ مَشْيَ المقيَّدِ

(عدي بن زيد)

وأضيف للمهمات أعلاه مهمة أخرى أصبحت اليوم من صميم عمل المديرين ومسؤولياتهم، أن يكونوا، أيضاً، «مدربين يوميين» لموظفيهم، لهذا، في رأيي، يجب ألا يفخر أي مدير غادر مكتبه أو منصبه ولم يترك صفاً ثانياً من موظفيه يتسلحون بمهنية عالية لإدارة العمل، فهذه إحدى أهم عناصر الولاء للمؤسسة والمهنة والعمل والأمانة.