اليوبيل الذهبي

رؤساء التحرير.. البصمة مختلفة و «الاقتصاد» واحدة

تأتي البصمة الأخيرة خاصة جداً، ومتميّزة جداً.. خاصة بـ «الاقتصاد» دون غيرها من المجلات والصحف والإصدارات.. هنا رؤساء التحرير ربما يأتون بوجهات نظر، وآراء، وثقافات، من منابع قد تختلف من رئيس تحرير إلى آخر، إلا أن اختلاف البصمات يصبُّ في النهاية في معين ينبوع واحد هي مجلة “الاقتصاد”.

سجَّل رؤساء التحرير السابقون لـ «الاقتصاد» بصماتهم الواضحة على مسيرة المجلة عاماً بعد آخر، من خلال قصص طويلة، عنوانها «الكفاح ومواجهة الصعاب»، حتى تحقّق لكل منهم ما يسعى له، ويطمح إليه، في صنع مطبوعة اقتصادية متخصصة.

وهنا، نرصد قصص أربعة من رؤساء تحرير «الاقتصاد»، وهم (عبدالله الدحيلان، حمدان السريحي، فارس الحربي)، وارتأى الدكتور عبدالواحد الحميد أن يروي قصته بقلمه، وقد تنوَّعت ثقافاتهم وبيئاتهم التي قَدِموا منها، الأمر الذي أضفى على مسيرة كل منهم شكلاً معيناً في مشوار تطوير المجلة والارتقاء بها، إلى أن أصبحت اليوم عَلَمَاً يرفرف في سماء الصحافة الاقتصادية المتخصصة.

المبنى الثالث للغرفة ويُعدُّ المبنى المجاور للمبنى الثاني الذي تم تدشينه خلال عام 1402 هـ
من وثائق عبدالله الدحيلان
مسودة مقال لعبدالله الدحيلان عن زيارة الملك فيصل -رحمه الله- 1971 للأحساء
جانب من اجتماع التحرير للعدد 555
المبنى الثاني للغرفة الذي تم افتتاحه في عام 1972 م
navigate_before
navigate_next

 

الدحيلان.. المدير الصحافي

جمع عبدالله بن ناصر الدحيلان بين المهارتين؛ المهارة الإدارية ومتطلباتها، والمهارة الصحافية الإعلامية وما تقتضيه هذه المهنة من قدرات، فضلاً عن المواصفات والخبرات الشخصية المتنوِّعة، التي جنّدها لخدمة وطنه، من خلال البوابة الاقتصادية، وتحديداً غرفة الشرقية، ومن خلال مجلة»الاقتصاد» بوجه الخصوص.

عبد الله الدحيلان

شغل الدحيلان منصب مدير عام الغرفة لفترة زمنية، وفي الوقت نفسه كان مدير التحرير لمجلة «الاقتصاد» في السنوات الأولى لإطلاقها، فكان له ـ بعد الله ـ فضل التأسيس والإطلاق، ليأتي من جاء بعده، ليواصل مسيرة الإبداع والتألق في سماء الاقتصاد، وفي عالم البحث والقراءة والتحليل في المجالات والموضوعات الاقتصادية، التي تعارف الناس عليها بأنها صعبة المنال، ولا يتعامل معها إلا من أوتي نصيباً وافراً من العلم والمعرفة والمهارة، مثل الدحيلان – يرحمه الله-.

ورغم أنه من الصعب جداً أن يملك الفرد المهارتين الإدارية والصحافية في آنٍ واحدٍ، إلا أن الدحيلان امتلكهما، وهو الذي أتقن خلال سني حياته المباركة، التحدث بــ 7 لغات حية، فقد أشاد بقدرته اللغوية القنصل الأمريكي في الظهران، وأثبت براعته في اللغة العربية في جملة من المقالات الاقتصادية المتخصصة، التي خطَّها بفكره النيِّر وسعة اطّلاعه وثقافته الموسوعية، فضلاً عن كونه شاعراً وأديباً وكاتباً متمكناً من مادته العلمية، وفناناً تشكيلياً محباً لاقتناء التحف الأثرية، ورياضياً متميزاً، تحمّل لفترة من الزمن مسؤولية إدارة نادي الاتفاق العريق.

جمع الدحيلان بين المهارتين الإدارية والصحافية ووظّف خبراته لخدمة وطنه من خلال الغرفة والمجلة

الدحيلان، إضافة إلى معارفه اللغوية وثقافته الموسوعية، التي أتاحت له فرصة الاطلاع على ثقافات الشعوب والأمم الأخرى، حتى أصبح متخصّصاً في الشأن الاقتصادي، وبات أديباً أيضاً، كان يمتلك مكتبة خاصة في منزله، تحوي مئات الكتب بمختلف اللغات التي رفعت من حصيلته وثروته المعرفية، وساعدته في مهامه الإدارية في غرفة الشرقية، ومهامه الصحافية في الإشراف على مجلة الاقتصاد، وكتابة البحوث والمقالات الاقتصادية المتخصصة، التي كانت علامة فارقة في حقبتي الستينيات والسبعينيات.

كان الدحيلان يملك شخصية فذَّة مدعومة بمعرفة لغوية متميّزة، جعلته ذا موهبة في ارتجال الخطب والتحدث بطلاقة، والتعبير عن الأفكار والتوجهات بسلاسة، وإيصال المعلومة بكل دقّة وبراعة، ولأنه أديب وشاعر وفنّان، كان يملك القدرة على الحوار مع الطرف الآخر، لذلك كان هو الطرف المميّز في الترجمة خلال لقاءات رجال الأعمال مع الوفود الخارجية، التي تفد إلى المنطقة الشرقية، وتلتقي رجال الأعمال فيها.

وخلال رحلة عمله في غرفة الشرقية مديراً عاماً لها، ومديراً لتحرير مجلة «الاقتصاد»، كان معروفاً بحبه للتطوير والبحث عن مجالات التدريب، فهو يؤمن بأن «اللغة والتدريب شأن رفيع، والاكتفاء بالشهادة العلمية لا يحقِّق الطموح»، ومن بين مضامين شخصيته الجادة، كان يمارس جميع أعماله، باحثاً عن كل ما يضمن له العمل المستدام، لإيمانه بأن الحياة تتطلَّب فكراً متجدِّداً وطاقة مستمرة للعمل الدؤوب.

وما زالت أسرته الكريمة تحتفظ ببعض أوراقه الخاصة، ومنها محضر اجتماع يديره الدحيلان لتنظيم الفريق الإعلامي في مجلة «الاقتصاد» آنذاك، لاستقبال المغفور له ـ بإذن الله ـ الملك فيصل، حيث كان سيزور المنطقة في ذلك الوقت.

الدحيلان كان علامة فارقة في سماء الصحافة الاقتصادية، والمهارة الإدارية، يجسد حقيقة إنسان هذه البلاد الطيبة، فقد ذكر أقدم موظفي الغرفة، وهو إبراهيم الخالدي، الذي عاصر المرحوم وعمل معه لسنوات طويلة، بأنه كان يواصل الليل بالنهار في إعداده للمجلة، والقيام بمهامها، وكان يخط عديداً من المقالات باللغة العربية، ويقوم بترجمتها باللغة الإنجليزية، وفي حال اللقاءات الرسمية، يتحدّث مع الطرف المقابل باللغة التي يريدها، وحدث أن ألقى خطاباً بحضرة المغفور له ـ بإذن الله ـ الملك فيصل بن عبدالعزيز باللغة العربية، ثم استأذن جلالته ليعيد إلقاء الخطاب ثلاث مرات باللغة الانجليزية ثم الألمانية والهندية، بحكم أن الصالة كانت تحوي عناصر من تلك الجنسيات». رحم الله الدحيلان رحمة الأبرار، نظير ما قدّم للوطن بشكل عام، والغرفة بشكل خاص.

السريحي.. رجل في قلب الأحداث

حمدان السريحي

تحتفظ صفحات تاريخ غرفة المنطقة الشرقية، بسيرة عطرة، سجّل سطورها الأمين العام الأسبق حمدان بن مرزوق السريحي ـ يرحمه الله ـ الذي التحق بالغرفة عام 1979، وبقي فيها حتى عام 1998، كأطول فترة قضاها أمين عام للغرفة في تاريخها.

تولّى السريحي مسؤولية الغرفة في فترة مهمة من تاريخ المملكة، ونجح الرجل في الانتقال بالغرفة من مبنى قديم متواضع، وعدد محدود من الموظفين، إلى غرفة عملاقة، لعبت دوراً محورياً في عملية التنمية التي شهدها اقتصاد المملكة، وكان السريحي دائماً في قلب الحدث.

قَدِمَ السريحي إلى الغرفة، من سلك التعليم، الذي كان يشغل فيه منصب مدير إحدى مدارس القطيف، جاء متسلحاً بـ «عقلية» المعلّم المحب للعلم والمعرفة، المتطلّع للأفضل في هذا المجال، لذلك وجد في الغرفة واحدة من منارات العلم والمعرفة والتثقيف، فلم يغفل ـ يرحمه الله ـ الشأن الاقتصادي بحكم تخصص الغرفة، فكان يتبنّى فكرة تدريس الاقتصاد في المدارس، انطلاقاً من كونه لغة العصر وأداة العمل على التقدّم والازدهار.

تملَّكت «روح» المعلِّم والمربِّي الفاضل، من السريحي، لذلك أدخل مفاهيم إدارية وإنسانية، اكتسبها من سنوات العمل في التعليم، إلى الغرفة، منها التركيز على مبدأ «الأسرة الواحدة»، و«الفريق الواحد» وتعميق العلاقة بين الموظفين، ومن هنا، كان موظفو غرفة الشرقية يحظون برعايته واهتمامه على الدوام، أكثر من أي شيء آخر، لذلك ليس غريباً أن يشعر ــ يرحمه الله ـ بأن الغرفة هي بيته، وأن العاملين فيها أبناؤه.

السريحي أدخل مفاهيم إدارية وإنسانية في العمل مُركزاً على مبدأ «الأسرة الواحدة» و«الفريق الواحد»

ولأنه ــ يرحمه الله ـ كان معلماً، فقد رأى أن مجلة «الاقتصاد» وسيلة لنقل ونشر العلم والمعرفة، لذلك لم يكن غريباً، عنايته بالمجلة، وحرصه على تطويرها والعمل على استقطاب العناصر المتميّزة للعمل فيها، لأنه كان يرى في «الاقتصاد» مجالاً خصباً للتعليم والمعرفة، ومن هذا المبدأ، وجدنا أن المجلة في تلك الفترة بدأت تناقش عديداً من القضايا المهمة، وتفتح ملفات جديدة، مثل التصدير والصناعة الوطنية والتدريب والسعودة و… إلخ.

وكانت المجلة ــ في تلك الفترة ـ منبراً إعلامياً، لجملة من الأحداث والمبادرات التي أطلقتها الغرفة على الصعيد الوطني، إذ تبنّت أول مؤتمر لرجال الأعمال في المملكة، حضره نحو 700 رجل أعمال من مختلف مناطق المملكة، كما حضره عدد من المسؤولين الحكوميين، أبرزهم المغفور له بإذن الله، الأمير نايف بن عبدالعزيز وزير الداخلية آنذاك، كما أقامت الغرفة ـ في عهد السريحي ــ أول معرض للصناعات الوطنية بالمنطقة الشرقية، التي شهدت 13 معرضاً، شدّد خلالها على أهمية قيام الصناعة من أجل إنعاش التصدير، فضلاً عن الفعاليات الأخرى التي تتعلق بالتدريب والتوطين، كل هذه الفعاليات، كانت بحاجة إلى دعم إعلامي مركز، يتجاوز عرض الحدث، إلى التحليل العميق، وبحث الآفاق المستقبلية، لذلك شهدت المجلة نقلات كبيرة خلال تلك الفترة، لتواكب المستجدات التي طرأت على الاقتصاد الوطني على مختلف الصعد، خاصة بعد الطفرة النفطية عام 1973.

نجاح مجلة «الاقتصاد» وتطورها في عهد السريحي، يرجع إلى أنه أشرف عليها إشراف المعلّم والمربّي والموجّه، الذي يحترم التخصص، ويتيح المجال للإبداع والابتكار، إذ أسهم ـ يرحمه الله ـ في نقلها إلى عالم التقنية الحديثة والصورة الملوّنة، والإخراج المميّز، والأهم من ذلك، الحرفية والمهنية في العمل الصحافي.

قصة الحربي مع «الاقتصاد»

فارس الحربي

تعود علاقة فارس بن ميزر الحربي، رئيس تحرير مجلة الاقتصاد سابقاً، بالغرفة إلى العام 1997 عندما تلقَّى عرضاً، للعمل في الغرفة.

التحق الحربي بالغرفة على وظيفة مساعد الأمين العام للإعلام والعلاقات العامة، وقد استحدث هذا المنصب للمرّة الأولى على الهيكلين الإداري والتنظيمي للغرفة، وكان الأمين العام وقتها حمدان السريحي – يرحمه الله – وتم دمج إدارتي «العلاقات العامة» و«الإعلام والنشر» في إدارة واحدة، وأصبح الحربي مسؤولاً عنهما، حيث أشرف على إدارة الإعلام والنشر خلفاً للدكتور عبدالواحد الحميد.

ويقول الحربي في حوار صحافي سابق «إنه قد تم دعم جهاز تحرير مجلة «الاقتصاد» بالزميل قصي البدران، الذي قاد العمل في الإدارة بكل كفاءة واقتدار، وكان عنصراً فاعلاً في الأداء، واستطاع أن يجعل من المجلة أكثر احترافية، وشهدت تلك الفترة قفزة تحريرية، وانضم له الزميل سلمان العيد محرراً، وشهدت المجلة فترة ذهبية في حجم الإعلانات، ما أسهم في رفع ميزانية التحرير واستكتاب عديد من أصحاب الرأي المتخصص.

ويضيف الحربي أنه «وبصفة عامة، كان العمل ممتعاً مع الطاقم العامل، فالكل يعرف مسؤولياته ومهامه الوظيفية بشكل جيد، الأمر الذي سهل مهامي الإشرافية ولم أجد من كافة الزملاء إلا كل تعاون، وساد بيننا الاحترام المتبادل».

وشهدت تلك الفترة، جملة من التطوّرات على الصعيد الإعلامي لغرفة الشرقية، خصوصاً مجلة «الاقتصاد»، التي أخذت وتيرة تصاعدية من الأداء، ومعالجة الأحداث الاقتصادية، والحضور الدائم في الحدث الاقتصادي، خصوصاً الفعاليات الكبيرة التي كانت تنفّذها الغرفة، والتي كانت تتطلّب متابعة إعلامية دقيقة ومتخصصة وشاملة، وكانت المجلة ــ بالطاقم الجديد ـ عند مستوى الحدث دائماً.

ومع تتابع الأحداث على الصعيد الوطني، كانت «الاقتصاد» حاضرة في تغطيتها ومتابعتها، ومن هذه الأحداث الذكرى المئوية لتوحيد المملكة، والذكرى الخمسين لتأسيس غرفة الشرقية، وفعاليات تعقد للمرة الأولى على مستوى المنطقة الشرقية، مثل اللقاء الموسع لسيّدات الأعمال، واللقاء الموسّع للمنشآت الصغيرة والمتوسطة، وغير ذلك مما لا يتسعه هذا المختصر.

سهَّل مهمة الحربي الإشرافية معرفة الكل بالمسؤوليات والأداء الكامل للمهام وتعاون كافة الزملاء والاحترام المتبادل

وبعد نحو خمس سنوات، شاءت الظروف أن ينتقل الحربي لعمل صحافي بحت، عشقه في وقت مبكّر من حياته الوظيفية، حيث انتقل إلى دار «اليوم» للإعلام، وهناك عمل مديراً للتحرير للشؤون الاقتصادية، ثم للشؤون السياسية، ثم مدير التحرير الإلكتروني.

ويؤكّد الحربي سعادته بهذا المشوار الذي اعتبره ممتعاً بكل ما تعنيه الكلمة من معانٍ ومدلولات في جميع محطات حياته، التي تعرف خلالها على عديد من الزملاء الذين أصبحوا أصدقاء له، ويصف الحربي هذا الأمر بأنه مكسب كبير، وثروة بالغة القيمة.

وبعد مغادرة الحربي موقعه تولى عبدالوهاب الأنصاري مسؤولية القطاع، وواصلت المجلة في عهده تألقها ونشاطها في تغطية الأحداث الاقتصادية، تحت رئاسة الزميل قصي البدران وطاقمها التحريري الذي ضم في وقت سابق: (زهران عبدالسلام زهران، وسلمان العيد، وإبراهيم نصار، وفيصل الهباد).

عبد الوهاب الأنصاري

 

صلاح المراكبي

 

نحاس راضي

 

حسن الشيخ

 

سعد فايز

 

فيصل الهباد
سلمان العيد

 

زهران عبد السلام

 

ابراهيم نصار

 

مجلة الاقتصاد.. فاتنة في سن الخمسين

باشرتُ العمل في مجلة الاقتصاد في شهر محرم عام 1412 هـ الموافق يوليو 1991م وذلك بدءاً من العدد 220 ، لكن ذكرياتي مع مجلة الاقتصاد تعود زمناً طويلاً إلى ما قبل ذلك التاريخ، فبحكم تخصصي في علم الاقتصاد وحبي للصحافة كنت أرى في تلك المجلة ميداناً يجمع بين الصحافة والاقتصاد، ولذلك كنت متابعاً لها أثناء عملي في جريدة اليوم وجامعة الملك فهد للبترول والمعادن وكنت أكتب فيها بين الحين والآخر.

د. عبدالواحد الحميّد

وعندما غادرتُ جريدة اليوم التي لم أكن متفرغاً للعمل فيها، حيث كنت أجمع بين التدريس في كلية الإدارة الصناعية بالجامعة والعمل الصحافي، عرض علي الأستاذ صالح الحميدان الذي كان نائباً للأمين العام لغرفة الشرقية العمل كمستشار غير متفرغ للإشراف على إدارة الإعلام والنشر ورئاسة تحرير مجلة الاقتصاد.

وقد وجدت أن العمل دون تفرغ في الغرفة التجارية يحقق رغبتي في الاستمرار بالعمل الأكاديمي بالجامعة في تخصصي الاقتصادي وفي الوقت نفسه الاقتراب من العالم الحقيقي للاقتصاد كما هو على أرض الواقع بين رجال الأعمال الذين تجمعهم الغرفة التجارية تحت مظلتها، وكذلك ممارسة العمل الصحافي الأثير إلى نفسي. ولذلك رحّبت بالعرض بعد أن قابلت رئيس الغرفة الشيخ سعد المعجل وأمينها العام الأستاذ حمدان السريحي – رحمهما الله-. وقد أسعدني أن وجدت منهما الترحيب والحرص على تطوير العمل في المجلة وفي الغرفة عموماً.

عندما بدأت العمل في المجلة، وجدت أن هناك إمكانات كبيرة للتطوير، وذلك في ظل تشجيع وحماس قيادات الغرفة وبخاصة الأستاذ صالح الحميدان الذي كان متابعاً جيداً للصحافة بشكل عام والصحافة الاقتصادية بشكل خاص بما فيها المجلات الاقتصادية التي كانت تصدر خارج المملكة.

أردت أن تكون بداية المرحلة الجديدة قائمة على معرفة ميدانية لما يطلبه قارئ مجلة الاقتصاد، ففي العدد الأول الذي أشرفت فيه على رئاسة التحرير، وهو العدد 220، طرحت استبياناً شاملاً ضمن صفحات العدد لمعرفة توجهات وميول قُرَّاء المجلة ومقترحاتهم وما يرغبون إضافته من قضايا وكُتَّاب، فوصلتنا الكثير من الردود التي كانت بمثابة بوصلة التحرك فيما بعد.

لم يكن طاقم المجلة كبيراً، لكنه كان على درجة من الكفاءة. كان هناك الأستاذ عادل سليم الذي كان على علاقة وثيقة بعديد من رجال الأعمال وخبرة محلية طويلة والأستاذ صلاح المراكبي الذي كان كنزاً من الأفكار والرغبة المتفانية في العمل والقدرة على الإنجاز، ومصور المجلة الأستاذ سعد فايز بيومي الذي كان شعلة من النشاط في المناسبات التي تقيمها الغرفة وسكرتيراً لإدارة الإعلام والنشر، والأستاذ عصام الأيوبي مندوب الإعلانات غير المتفرغ العارف بكواليس الشركات والمؤسسات.

كانت المجلة تُطبع في مطبعة المطوع العريقة التي كان عديد من المجلات والنشرات والمطبوعات التي كانت تصدر في المنطقة الشرقية وخارجها تُطبع فيها، وكان القائمون على المطبعة والفنيون متعاونين وحريصين على تقديم أفضل ما تملكه مطابعهم من إمكانيات فنية وبشرية، وقد ظلت المجلة تُطبع في مطابع المطوع منذ صدور العدد الأول في شهر صفر عام 1388هـ الموافق أبريل 1968م، إلا أن سباق التقنية في مجال الطباعة والتطور الذي حصل بشكل متسارع  في ذلك المجال أتاح للمجلة أكثر من خيار للتعاقد مع المطبعة التي تتوفر فيها أحدث التطبيقات التقنية في الطباعة والإخراج الفني في ذلك الوقت. وقد رأى فريق المجلة أن مطابع التريكي في الدمام توفر تلك التطبيقات وتملك القدرة الفنية والمالية التي تحقق تطلعات المجلة لدخول مرحلة جديدة من التطور تضاف إلى رصيدها الطويل من الإنجازات في العمل الصحافي الاقتصادي، فتم الاتفاق مع مطابع التريكي وبدأت المجلة تُطبَع هناك بدءاً من العدد 236 الذي صدر بتاريخ رجب 1413هـ الموافق يناير 1993م، فخرجت بحُلة جديدة وصار بوسعها استقطاب مادة إعلانية إلى جانب مادتها الصحافية بفضل الإخراج الجذَّاب والإمكانيات التقنية المتطوّرة واستقطاب بعض الكتّاب والمحررين واستحداث بعض الأبواب الصحافية الجديدة.

ارتفع عدد الطاقم التحريري العامل في المجلة، فقد استقطبت الأستاذ أحمد العزب – رحمه الله- والأستاذ إبراهيم عبداللطيف والأستاذ سعود الريس، والمخرج أحمد الأبحر، بالإضافة إلى الكتّاب المتعاونين من داخل الغرفة التجارية مثل الأستاذ إبراهيم العليان والأستاذ عبدالوهاب الأنصاري والمستشار القانوني عبدالحفيظ عاشور والأستاذ عبداللطيف البنيان، وغيرهم.

لقد استطاعت مجلة الاقتصاد على مدى سنوات طويلة أن تكون منبراً للإعلام الاقتصادي، وكانت حريصة على تقديم مادة صحافية متوازنة تخلو من النبرة الدعائية لأنها كانت تدرك أنها تخاطب شريحة قرائية متابعة للشأن الاقتصادي والتجاري ولأنها تصدر من كيان اقتصادي عريق هو الغرفة التجارية الصناعية للمنطقة الشرقية.

خلال تلك الفترة التي تزامنت مع انتقال الغرفة إلى مبناها الجديد على الطريق السريع بين الدمام والخبر (المبنى الحالي) وما أتاحه المبنى من إمكانيات وخدمات، دخلت الغرفة حقبة جديدة من الأنشطة والفعاليات المتزايدة مما مكَّن المجلة من توسيع دائرة تغطياتها واهتماماتها ومحاولة تقديم كل ما يهم رجال الأعمال وجميع المهتمين بالشأن الاقتصادي. كما أن تلك الفترة شهدت بدايات دخول الإنترنت والبريد الإليكتروني وبعض التقنيات الجديدة الأخرى التي فتحت آفاقاً جديدة للعمل الصحافي والتواصل مع مصادر الأخبار والمعلومات والإحصاءات الاقتصادية في الداخل والخارج.

وبمضي الوقت أصبحت مكاتب المجلة ملتقى لعديد من رجال الأعمال والصحافيين والكتّاب المهتمين بالشأن الاقتصادي، فكان عديد منهم يزور المجلة ويلتقي بالطاقم التحريري، حيث تجري الكثير من المناقشات والأحاديث التي كانت كثيراً ما تتحوّل إلى مادة صحافية في المجلة أو في ما ينشره الكتّاب والصحافيون الزائرون من مقالات وتحقيقات في الصحف التي يعملون فيها.

وفي خضم العمل الدائب في مجلة الاقتصاد، برزت فكرة إصدار مجلة اقتصادية باللغة الإنجليزية باسم Saudi Commerce & Economic Review وهي الفكرة التي لاقت التشجيع والدعم من قيادات الغرفة وبخاصة الأستاذ صالح الحميدان، فبدأنا نعقد الاجتماعات المتواصلة لتنفيذ الفكرة وبلورتها. وقد كانت الساحة الاقتصادية بحاجة إلى مجلة اقتصادية باللغة الإنجليزية بعد توقف بعض التجارب الأخرى التي لم يكتب لها الاستمرار. فخرج العدد الأول من المجلة في شهر مايو عام 1994م، وكان معنا الدكتور مايكل سابا Dr. Michael P. Saba وقت الإعداد للمجلة، حيث صدر العدد التجريبي في شهر مارس 1994م، والدكتور ب. ك. بيلايDr .P. K .Pillai وهو صحافي هندي على قدر كبير من الموهبة والمقدرة وذي ثقافة اقتصادية جيدة ومتابعة حثيثة للشأن الاقتصادي المحلي. وقد حققت المجلة نجاحاً لافتاً رغم الحداثة النسبية لمشوارها حتى صارت بعض سفارات وملحقيات المملكة في الخارج تحرص على إتاحتها لضيوفها بحكم أنها تصدر باللغة الإنجليزية، فكانت تتواصل معنا حين يتأخر وصول المجلة بسبب أي ظرف طارئ.

لقد انتهت رحلتي مع مجلة الاقتصاد في أغسطس 1997م مع العدد 292 عندما انتقلتُ إلى مدينة الرياض. أما مجلة الاقتصاد، وبعد مسيرة خمسين عاماً، فقد أصبحت اليوم في مقدّمة المطبوعات الاقتصادية العربية الرصينة التي لا غنى عنها لكل مهتم بقضايا المال والأعمال والاقتصاد، وبخاصة ما يتعلق بالاقتصاد السعودي واقتصاد المنطقة الشرقية. كما أن إتاحة نسخة رقمية من المجلة ألغى قيود الزمان والمكان، فأصبح بوسع القارئ الاطلاع عليها من مكتبِهِ أو منزله في يوم صدورها.

تحية لمجلة الاقتصاد بمناسبة مرور خمسين عاماً على صدورها، وتحية للغرفة التجارية للمنطقة الشرقية وقياداتها على مدى العقود الماضية وحتى اليوم، فقد أولت الغرفة ممثلة برؤساء مجالس إداراتها وأعضاء مجالسها وأمنائها العامين عناية كبيرة للمجلة حتى أصبحت منارة ثقافية سامقة في دنيا المال والأعمال. وسوف تحمل الأيام والسنوات المقبلة مزيداً من التألق لمجلة الاقتصاد إن شاء الله.