نافذة

«الصحافة» تبدأ في الخمسين!

الأعزاء في هذه المجلة الاقتصادية الأعرق في السعودية شرفوني بدعوة لاحتفائهم بـ «اليوبيل الذهبي» أي بلوغ خمسين عاماً، ولم أتمكن صدقاً من الحضور الفيزيائي، لكنهم بكيمياء الحب، ورياضيات الوفاء نقلوا لي وللعالم تفاصيل كل شيء حتى كأننا عشناه، وإن لم نتمكن من تناول طعام العشاء، أو الحصول على قيمته «ناشفة» كما يداعب المخضرمون في السعودية بعضهم بعضاً عند الاعتذار عن مأدبة.

بخلاف النساء، فإن المطبوعات تحتفي بكل عام يضاف إليها، فهذا يؤكد أنها تتطور، وتزداد جاذبية وحلاوة رغم كل التحديات، وهي تتصالح مع المتغيرات نقداً ومسايرة و«مخاتلة» إن لزم الأمر، لكنها تستمر في صناعة التاريخ الصحافي والاتصالي، وهذه المجلة تصنعه في أحد أكثر مسالك الصحافة وعورة وأهمية وحساسية، وهو المسلك الاقتصادي.

من يطرقون باب الأربعينيات من العمر يقولون الحياة تبدأ في الأربعين، ومن يقتربون من الخمسين ـ أمثالي ـ يقولون بالمثل، وهذا جزء من «التطبيع» مع التقدُّم في العمر، لكن في عالم الطباعة والنشر والصحافة يمكن القول إن الارتكاز على نصف قرن من العمل الإعلامي المتخصص، والصحافة الاقتصادية الرصينة يجعل الكيان الصحافي وهو هنا مجلتنا هذه قادراً على العطاء النوعي الذي سيتكئ على هذه العراقة التي استمرت باستمرار وفاء من يحررها، ومن يقرأها. ويمكننا هنا القول إن «الصحافة تبدأ في الخمسين».

والحديث عن التاريخ، تاريخ مجلة اقتصادية تمنى لها «المخضرم» الزميل الأستاذ عثمان العمير أن تكون «الإيكونوميست» السعودية، أجده فرصة سانحة للربط بين المرحلة التاريخية التي نعيشها اقتصادياً في ظل التحوُّل والرؤية السعودية، وبين الحاجة إلى إعلام اقتصادي متخصص يواكب ذلك، ليس خبرياً فحسب، بل ـ وهنا يكمن دور المجلة ـ وتحليلياً ونقدياً بشكل معمق يساعد متخذ القرار والمستفيد منه في قطاع الأعمال، أو من المواطنات والمواطنين على استثمار هذه المرحلة، والإسهام فيها، كل حسبما هو «ميسَّر له».

التاريخ الاقتصادي السعودي يعيش عصراً ذهبياً، ففي هذا العام الذي للتو ندخل ربعه الثاني احتفى السعوديون والمنصفون في العالم، ومعهم الباحثون عن «فرص» جادة وموثوقة للاستثمار وعقد الشراكات بتدشين ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز مهندس الرؤية السعودية «برنامج تطوير الصناعة الوطنية والخدمات اللوجستية» أحد أكبر وأهم برامج الرؤية السعودية 2030.

وفي الفترة نفسها قدَّم أميرنا الشاب أربعة من مشروعات الرياض الكبرى بين يدي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز ـ أيده الله ـ كلها تتسق مع ما قدَّمه من خلال التحوُّل الوطني والرؤية السعودية، وما ينفذه من تنمية متوازنة في كل المشروعات التي أطلقت في كل مناطق المملكة، والمشروعات الأربعة النوعية: مشروع حديقة الملك سلمان، ومشروع الرياض الخضراء، ومشروع المسار الرياضي، ومشروع الرياض آرت، هي عودة إلى مستوى آمن ومطمئن من التوازن البيئي والحيوي والإنساني والاجتماعي، ولهذا كله انعكاسات اقتصادية آنية وبعيدة المدى.

سيكون جميلاً دوماً، ومهماً في الوقت نفسه، تناول كل هذا الحراك الاقتصادي التاريخي والتفاعل معه وحوله في الصحافة الاقتصادية، فنحن نعيش تغييراً جذرياً في ثقافة التعاطي مع المستقبل، وإصراراً على «القرار التنموي الأفضل» في فهم عميق للأضرار التي يسببها عدم القيام بكل هذا الحراك الاقتصادي ضمن الحراك السعودي إجمالاً.

الجزء الآخر من المعادلة الصحافية الاقتصادية في هذه المرحلة، هو الإسهام في تغيير الثقافة السائدة فيما يتعلق بالاقتصاد، وعلى رأس ذلك الإسهام في انتقال ذهني وعملي سلس من الحالة «الرعوية» إلى الحالة «الإنتاجية»، لأن الوعي بهذه المرحلة، ومتطلباتها سيساعد الحكومة كثيراً على الوصول إلى الغاية الأبعد والأهم، اقتصاد لا يعتمد على النفط فقط، بل وتتنوَّع مصادره وركائزه، ويعتمد ـ بعد الله ـ على الفرد المنتج، إنتاجاً يليق بهذه الأحلام والطموحات، التي نراها ويراها العالم تتحقق على أرض الواقع، وستؤتي أكلها في حينها ـ بإذن الله.

كل فرد وكل منشأة سعودية تسهم في صناعة التاريخ، والصحافة الجادة الرصينة المتوازنة والشجاعة في ذات الوقت أداة مهمة في كل مرحلة من مراحل تاريخ الأمم والشعوب.

مبارك للمجلة وفريقها وغرفة الشرقية «المتلألأة» في المنطقة هذه الخمسين، والعقبى لخمسين عاماً جديدة من النجاح والتألق.