تقنية

تقتحم عالم التكنولوجيا الرقمية..
المملكة عاصمة «البلوك تشين» في الشرق الأوسط

تريليون دولار حجم سوق خدمات تقنية بلوك تشين Blockchain العالمية وإلى 9 تريليونات دولار في 2028

«ساما» إلى صيغة نهائية لعملة رقمية مشتركة للمدفوعات بين المملكة ودولة الإمارات وتعزيز نمو «بلوك تشين»

«الرياض» تتّجه لتطبيق «بلوك تشين» تيسيراً للخدمات الحكومية ووزارة الاتصالات تسعى لبناء بيئة رقمية وفقاً لرؤية 2030

على نحو غير مسبوق في أيّ مجال، وفي سعي دائم ومستمر، باتّجاه الأحدث والأكثر فعالية وتأثيراً في «المعرفة الرقمية» ــ سبيل السّاعين إلى «المستقبل» ــ وفي ضوء «رؤية السعودية 2030»، وعلى خُطى برنامج التحوُّل الوطني، تسعى المملكة إلى «توطين» كافة التطبيقات الاستراتيجية في مجال المعرفة «الرقمية»، انطلاقاً من أهميتها للاقتصاد «الرقمي» الذي يتحوَّل تدريجياً إلى اقتصاد المستقبل، ولغته «الرقمنة»، وهو ما تستعد له المملكة بكل ما تمتلك من إمكانات وطموحات.. توسّعات «أفقية» عريضة وممتدّة بامتداد الجامعات ومراكز البحث، والوزارات والأجهزة والهيئات والمؤسسات الحكومية، واتجاه متنام فيها جميعاً نحو توطين تقنية «البلوك تشين»، إضافة إلى غيره من التقنيات الناشئة (إنترنت الأشياء، الذكاء الاصطناعي، الواقع المعزز والافتراضي) الأمر الذي دفع بالمملكة إلى احتلال أبرز موقع في هذا المجال على مستوى الشرق الأوسط، إنها الآن «عاصمة البلوك تشين» في الإقليم، متقدّمة على كافة دول المنطقة.. «الاقتصاد» ترصد مستقبل الاستثمار في تقنية «بلوك تشين» بالمملكة.

تسير المملكة ــ بفضل الرؤية الرشيدة للملك سلمان بن عبدالعزيز – حفظه الله – وولي عهده الأمير محمد بن سلمان – رعاه الله – في طريقها كي تصبح وجهة رائدة لأعمال واستثمارات تقنية (بلوك تشين Blockchain) بمنطقة الشرق الأوسط والعالم في المستقبل القريب.

دول كثيرة في العالم لا تزال تستكشف هذه التقنية وجدواها الاقتصادية في حين أن المملكة العربية السعودية، وفقاً لرؤية 2030، قطعت خطوات كبيرة في هذا المجال ضمن استراتيجيتها الطموحة لكي تصبح في طليعة دول العالم التي تباشر كافة معاملاتها، طبقاً لأحدث معايير التكنولوجيا الرقمية.

أرقام عالمية والمملكة في المقدمة

يصل حجم سوق الخدمات المرتبطة بتقنية (بلوك تشين Blockchain) حول العالم إلى نحو تريليون دولار في الوقت الراهن، ومن المرجح نمو هذه السوق إلى 9 تريليونات دولار تقريباً عام 2028، وفقاً لتقرير صادر عن البنك الدولي، أرجع هذا الارتفاع الكبير إلى زيادة الطلب على هذه النوعية من التقنيات العصرية من كل القطاعات، ولكونها تشكل ركيزة للثورة الصناعية الرابعة، كما رجح التقرير.

وفكرة «بلوك تشين» خرجت إلى النور في عام 2008 وهي قاعدة بيانات تعمل على هيئة نظام سجل إلكتروني لمعالجة المعاملات وتدوينها، بما يتيح لكل الأطراف تتبع المعلومات عبر شبكة آمنة، وفوائد هذه التقنية عديدة سواء من حيث التكلفة أو الحد من المخاطر أو شفافية المعاملات. مما دفع بعديد من دول العالم والشركات الكبرى مثل IBM، وMaersk، وOracle ومجموعة Citigroup ومصارف عالمية كبرى مثل Bank of America وبنك Santander وبنك Citibank إلى السعي لاستثمارها في خططها المستقبلية.

وتُعد المملكة في طليعة تلك الدول، وفقاً لرؤية 2030 التي تهدف إلى بناء اقتصاد قائم على المعرفة والابتكار والتفكير المستقبلي، حيث اتجهت الوزارات والشركات في الفترة الأخيرة إلى تبني تقنية «بلوك تشين» واستثمارها في القطاعات المختلفة، وأبرزها: قيام مؤسسة النقد العربي السعودي بتوقيع اتفاقية مع شركة (Ripple) الأمريكية لاستخدام برنامجها (xCurrent) الذي يعتمد على تقنية بلوك تشين في تنفيذ عمليات التحويل الخارجية بين المصارف. وهي الخطوة التي أشادت بها وكالة «موديز» للتصنيف الائتماني، لكونها ستسهم في تخفيض تكلفة إتمام وإدارة المدفوعات عبر الحدود بنسبة %10 من خلال البرنامج، مما يحسن من أرباح البنوك السعودية في الفترة المقبلة. ورجحت «موديز» أن تسهم تلك التقنية في توفير ما بين 200 إلى 400 مليون دولار سنوياً للنظام المصرفي السعودي. كما تقترب مؤسسة النقد العربي السعودي من وضع الصيغة النهائية لعملة رقمية مشتركة للمدفوعات بين المملكة وشقيقتها دولة الإمارات العربية المتحدة خلال الفترة المقبلة، مما يعزز وتيرة نمو تقنية «بلوك تشين» بين البلدين خلال الفترة المقبلة.

كذلك اتجهت أمانة منطقة الرياض للاتفاق مع شركتي (IBM) و(علم)، وذلك للعمل معاً لرسم خطة لتطبيق تقنية «بلوك تشين» على مستوى أمانة منطقة الرياض، بهدف تيسير الخدمات والمعاملات الحكومية للمستفيدين رقمياً خلال الفترة المقبلة. أيضاً وزارة الاتصالات وتقنية المعلومات وضمن خطتها الهادفة إلى بناء بيئة رقمية وفقاً لرؤية 2030، اتجهت لإقامة دورات تدريبية للتعريف بتقنية الـ «بلوك تشين» من المنظورين التجاري والاستراتيجي، وتطبيقاتها العديدة، وذلك بالتعاون مع شركة «CONSENSYS» العالمية. وحصل المشاركون على تدريب متعمق حول كيفية إنشاء بيئة تطويرية، وبناء تطبيقات لامركزية (dApp) باستخدام عقود إثريوم الذكية (Ethereum smart contracts) ودمجها مع تطبيقات الويب.

سولار كوين

شركة «أكوا باور» المتخصصة في إنتاج الطاقة اتجهت مؤخراً إلى اعتماد «سولار كوين» العملة المعماة العالمية اللامركزية التي تعتمد على الأسس الرقمية لتقنية «بلوكتشين»، والتي تتيح لمنتجي الكهرباء الشمسية الحصول على رموز رقمية بمعدل «سولار كوين» واحد مقابل كل ميجاواط واحد ينتجونه من الطاقة الشمسية. وتملك شركة «أكوا باور» مشاريع في عشرة بلدان حالياً، وبدأت محطتا بوكبورت للطاقة الشمسية المركزة في جنوب إفريقيا، ومحطة كارادزالوفو للطاقة الشمسية في بلغاريا باعتماد عملة السولار كوين بالفعل، ومن المرجح أن يعزز استخدام تلك العملة في خفض تكلفة الطاقة الشمسية خلال الفترة المقبلة.

كذلك سعت شركة الاتصالات السعودية (STC) إلى استثمار تقنية «بلوك تشين» في أنشطتها المختلفة وذلك بعدما أبرمت مؤخراً مذكرة مع شركة «CONSENSYS» العالمية بهدف إطلاق تقنية «بلوك تشين» على منصة الحوسبة السحابية التابعة لشركة الاتصالات ، وتسهم هذه الخطوة في إتاحة المجال لكل من الشركات والهيئات الحكومية للتبني الشامل لهذه التقنية من خلال تقليل تكاليف تجربة النماذج الأولية والاختبارات الخاصة بالبلوك تشين.

توطين المعرفة الرقمية

جامعة طيبة بالمدينة المنورة اتجهت هي الأخرى إلى توظيف تلك التقنية بما يخدم أهدافها ويتماشى مع رؤية المملكة 2030. وأعلنت أن شهادات خريجيها سوف يتم إصدارها، خلال الفترة المقبلة، اعتماداً على تقنية «بلوك تشين» مما يقلل من الاعتماد على الورق. كما اتجهت جامعة طيبة أيضاً إلى تدشين مركز التقنيات الناشئة الذي يحتوي على معامل وخبراء في التقنيات الناشئة (بلوك تشين، إنترنت الأشياء، الذكاء الاصطناعي، الواقع المعزز والافتراضي)، وذلك بهدف تحفيز رواد الأعمال والشركات الناشئة الرقمية في منطقة المدينة المنورة، وتوطين المعرفة في التقنيات الناشئة في المملكة وفقاً لرؤية 2030.

كما سبق ونظمت مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية فعالية «بلوك تشين هاكثون»، لتشجيع المبرمجين والمهتمين بهذه التقنية وزيادة مهارتهم وقدرتهم على استخدامها في مختلف المجالات.

البنوك السعودية هي الأخرى منفتحة على هذه التقنية، بهدف حل مشكلة السيولة، وحماية بيانات عملائها وتسريع المعاملات المالية وتقديم خدمات ذات جودة عالية، ومن أجل ذلك اتجهت عدة بنوك في الفترة الأخيرة إلى التعاون مع مؤسسات عالمية متخصصة في هذا المجال، أبرزها البنك السعودي البريطاني (ساب) الذي انضم إلى تحالف شركة البرمجيات العالمية بلوك تشين (R3)، بهدف تلبية الاحتياجات المتزايدة لعملائه.

حماية عمليات الشحن

هيئة الجمارك السعودية كانت سبّاقة بين نظيراتها على مستوى الشرق الأوسط في السعي لاستثمار تقنية «بلوك تشين» في أنشطتها المختلفة، عبر التعاون مع الشركة السعودية لتبادل المعلومات إلكترونياً «تبادل»، والتي عملت على ربط منصّة «الفسح خلال 24 ساعة»، ومنظومة «الاستيراد والتصدير الإلكترونية الموحدة» بنظام «TradeLens»، وهو النظام المدعوم بتقنية «البلوك تشين»، الذي طورته شركتا «Maersk» و«IBM»؛ وذلك بهدف تعزيز وحماية عمليات الشحن البحري. وكان لهذا التوجه التقني أثر بارز في تيسير وزيادة مرونة العمليات الجمركية، لا سيما عمليات الاستيراد والتصدير للشحنات المختلفة والخدمات المرتبطة بها؛ بما فيها تأمين سلاسل الإمداد التي تبدأ من بلد التصدير وصولاً إلى منافذ المملكة؛ وذلك للتأكد من المتابعة الدقيقة للإجراءات المتعلقة بتنفيذ هذه الخدمات، والامتثال للقوانين والأحكام المتّبعة بمدة زمنية قصيرة.

كما يعزز من أهمية الاعتماد على تقنية بلوك تشين في المملكة، أنها ستسهم في نمو التجارة الإلكترونية، وتعزز من مواجهة القرصنة والهجمات الإلكترونية التي تعد مصدر القلق الرئيس للمستثمرين والعملاء في قطاع التجارة الإلكترونية.