نافذة

الحرب التجارية بين أمريكا والصين

تؤدي منظمة التجارة العالمية WTO دوراً مهماً في تشكيل سياسات التجارة العالمية بين الدول الأعضاء منذ بدايتها تحت ما عرف بالاتفاقية العامة للتجارة والتعرفة الجمركية GATT والتي تهدف إلى تحقيق التنمية الاقتصادية بين الدول لما فيه خير ورفاهية وجودة حياة شعوبها إذا استغلت مواردها بكفاءة عالية في ظل منافسة دولية عادلة ما يتيح النفاذ إلى الأسواق العالمية من غير تمييز أو هيمنة شركات الدول العظمى على حساب الدول النامية والأقل نمواً.

كان للانفتاح الاقتصادي العالمي أثر إيجابي على جودة السلع والخدمات بسبب المنافسة بين الشركات. وهذه إحدى المزايا التي يستفيد منها المستهلك في الدول الأعضاء من حيث الرخص والجودة وتعدد الخيارات. اتفاقيات منظمة التجارة العالمية مبنية على المصالح المشتركة للدول الأعضاء وخفض العوائق التجارية والتكامل الاقتصادي والتعاون الإقليمي لقيام التكتلات الاقتصادية التي لا تتعارض مع الاتفاقيات. وقد استفادت الصين من انضمامها للمنظمة رغم انضمامها المتأخر، حيث أعدت نفسها للمنافسة عالمياً للوصول إلى ما وصلت إليه اليوم.

ويعتمد نجاح المنظمة على تعاون جميع الدول الأعضاء واحترام وتنفيذ الاتفاقيات من غير تمييز لدولة على حساب الدول الأخرى، حتى أنها جعلت الميزة التي تمنحها دولة معنية لدولة أخرى حقاً لجميع الدول الأعضاء. وهذا ما حصل عندما كانت الولايات المتحدة تمنح الصين ميزة الدولة الأكثر أفضلية Most Favored Nation «MFN»، لكن الصين اليوم تتعرض لضغوط أمريكية بخصوص التجارة، وربما تدخل الدولتان في حرب اقتصادية طويلة لا تنسجم مع اتفاقيات المنظمة العالمية.

بدأت أمريكا تضغط بقوة غير مسبوقة على الشريك الاقتصادي الصيني الذي أسهم في دعم الدولار على مدى ثلاثة عقود، ما قد يؤدي إلى نهاية وموت لما أنجز من اتفاقيات منذ تأسيس المنظمة على مدى 73 عاماً من المفاوضات التي أسهمت في التعاون بين الدول الأعضاء بما يحقق الاستقرار والنمو الاقتصادي العالمي، خاصة بعد جولة الأرجواي التي تعد أم الجولات منذ تأسيس الاتفاقية العامة للتجارة والتعرفة الجمركية GATT في عام 1947م التي استبدلت بالتنظيم الجديد المعروف بمنظمة التجارة العالمية WTO في الأول من يناير 1995م.

بدأت شرارة الحرب التجارية بين أمريكا والصين بعدما وقع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على مذكرة تفاهم في 22 مارس 2018 بموجب المادة 301 من قانون التجارة لعام 1974 وأمر فيها الممثل التجاري للولايات المتحدة بتطبيق تعريفات بقيمة 50 مليار دولار أمريكي على السلع الصينية، حيث صدر بيان رسمي من الإدارة الأمريكية أكد أن التعريفات المقترحة جاءت رداً على الممارسات التجارية غير العادلة من الصين على مدى سنوات بما في ذلك سرقة الحقوق الفكرية من الولايات المتحدة ما جعل وزارة التجارة الصينية تفرض رسوماً جمركية على 128 مُنتجاً أمريكياً بما في ذلك الألومنيوم، الطائرات، السيارات، لحم الخنزير، فول الصويا، الفواكه، المكسرات والصلب.

ونشر الممثل التجاري الأمريكي قائمة بأكثر من 1300 منتج من الواردات الصينية التي فُرضت عليها رسوم بقيمة 50 مليار دولار بما في ذلك قطع غيار الطائرات، البطاريات، التلفزيونات المسطحة، الأجهزة الطبية، الأقمار الصناعية والأسلحة. فرضت أمريكا رسوما إضافية بنسبة %25 على كل من الطائرات، السيارات وفول الصويا، وذلك رداً على الصين، حيث وجه الرئيس ترامب الممثل التجاري الأمريكي للنظر في فرض 100 مليار دولار إضافية من الرسوم الجمركية على الصين. وفي الآونة الأخيرة أضافت الحكومة الأمريكية شركة هواوي الصينية إلى قائمة المقاطعة مدعية أنها لا تنافس بعدالة وأنها تسرق الحقوق الفكرية لشركات الاتصالات الأمريكية.

إن عودة النظام التجاري العالمي إلى الحماية والحصص والتمييز بين الدول الأعضاء في المنظمة سيؤدي إلى خلافات تجارية بينها، خاصة بين أمريكا والصين من جهة وبينها وبين الاتحاد الأوروبي من جهة أخرى، ناهيك عن التوترات التجارية السابقة بين أمريكا واليابان على مدى عقود طويلة.

إن تدخل بعض الدول الأعضاء في المنظمة من غير مفاوضات عادلة سيجعل الاتفاقيات في مهب الريح، فهل ستموت منظمة التجارة العالمية على أيدي الدول العظمى؟ سؤال يحتاج إلى اجتماع وزاري في جنيف لإعادة الثقة في المنظمة وما نتج عنها من اتفاقيات تنظم التجارة العالمية.

إنني آمل أن يكون لمنظمة التجارة العالمية دور فعال في حل النزاعات بين الدول الأعضاء بالطرق السلمية من خلال مركز حل النزاعات التجارية في جنيف.