نافذة

الغرفة والصالة

عبد العزيز الذكير

في زيارة للغرفة التجارية في نيويورك، وجدتُ الداعين حريصين على أن تشمل الزيارة قاعة اللوحات الفنية التي تقتنيها الغرفة، وربما تاجرت بها في مزادات تدُر دخلاً وافراً للغرفة، وأيضاً شمول الأعضاء بفكرة كون الأعمال الفنية لا تبتعد كثيراً عن الحراك التجاري والنشاط الإنساني.

في تاريخ التجارة العالمية لم يكن للوحات الفنية مجال في الأسواق والتبادل. واقتصرت التجارة على الكساء والطعام وبعض الأدوات الضرورية للحياة كالأواني، وليست تجارة الفن كماهي عليه الحال الآن، حيث سمعنا كثيراً عن الاستثمار والمعارض والمزادات وتجارة التأمين على ما هو معروف ومشهور من الرسوم الفنية، وأيضاً مراكز ودور، عملها التحقق من صحة المادة الفنية وتأكيد كونها صميمة وصادقة وحقيقية، أو كونها النسخة الأصلية الفريدة، تلك الدور تتقاضى رسوماً بأرقام كبيرة على خدماتها.

كلمة «التجارة» تعني تقليب المال لغرض الربح، أو بتعريف آخر هي محاولة الكسب عن طريق الشراء بالرخيص والبيغ بالأغلى.

إيرادي هذه المقدِّمة يقودني إلى الكلمة المحتفى بها في أيامنا هذه «التجارة». فكلمة «تاجر» في جزيرة العرب كانت تُطلق كصفة لصيقة للرجل الثري، سواء كان يمارس المهنة أو أنه من الملّاك يحصل على عيشه من أراض أو «حلال» أي الأنعام.

وقد ورد ذكر كلمة «تجارة» في القرآن الكريم قرابة التسع مرات، منها تقريباً سبع كلمات احتوت على التجارة المادية بمعناها المجرّد. وهذا دليل على أن الكلمة كانت رائجة ومتداولة في عصر الإسلام الأول وقبله، كما جاء في سورة يوسف، فرغم كون السورة جاءت في أغلبها عن النبي يعقوب وعاطفته وعن الافتراء الذي ارتكبه إخوة يوسف، إلا أنها لم تخلُ من ذكر «البضاعة المُزجاة» و«العير التي أقبلنا فيها» دخلت التجارة والبيع في القصة وزادتها وضوحاً ودلالة وتشويقاً.

وكانت التجارة سبباً واضحاً من أسباب الاستعمار الحديث. فقد زاد الاهتمام بالبلدان بعد الكشوفات الجغرافية للبحث عن الثروات الطبيعية والتوغل في أرجائها. وسادت كلمة «تريد» أي التجارة معجمياً وعملياً حتى سُمّيت الرياح التي تهب لدفع المراكب بـ «الرياح التجارية ـ تريد وِنْدز».

وتوسع استعمال الكلمة مع مرور الزمن، فجاءت تجارة التجزئة، تجارة الغلال، تجارة إعادة التصدير، تجارة السلاح، وتجارة الترانزيت. ولم أرَ توسعاً معجميا لأية وسيلة عيش أكثر من تلك المفردات للتجارة، مما يوحي بأنها وسيلة من وسائل العيش المهمة على هذا الكوكب.

والمفردة الأخرى التابعة للتجارة والتجار، وهي ملازمة لنشاطهم العملي هي كلمة «غرفة». ويتضح لي أن التسمية جاءت من الإنجليزية «تشامبرز». فلم تكن هذه التسمية موجودة أيام العقيلات ولا قبلها. والقول هذا ينطبق على البلدان الأخرى، فلم نسمع عن هيئة تتعاطى ذاك النشاط وسُمّيتْ، مثلا إدارة أو دار. وهي الوحيدة في العالم العربي التي يتناوب الأعضاء على إدارتها بالانتخاب. وعندي أن مقاهي التجار في الشام وبغداد والبصرة، كانت تقوم بأدوار أكبر من عمل الغرفة، وقد تركوا الغرفة للأعمال الورقية فقط، أما السمعة التجارية والثقة بالتاجر فتأتي بواسطة المقهى «شفهيا»، وحتى المصرف يُعطي التاجر ورقة بالحساب وحراك الرصيد لكنه، لا يأتي على السمعة الشخصية أو سرعة الوفاء.