سياحة

النعيرية.. عروس الصحراء

الدوسري: مخيمات الربيع  رافد اقتصادي مهم للمنطقة

تمتلك النعيرية مقومات سياحية فريدة.. وصحراؤها تتحول إلى بساط أخضر

نشأت النعيرية “الحديثة” في الخمسينيات الميلادية وكانت بادية تتميز بالمراعي الخصبة

أكثر من “لقب” تستحقُّه عن جدارة.. ولأكثر من سبب: لموقعها الجغرافي، ومناخها، وأجوائها خصوصاً شتاءً، ولما تمتلكه من مقومات وإمكانات وموارد طبيعية.. وربما لذلك كله تجتذب في مواسم الخريف والشتاء والربيع زوارها وعُشّاقَها من الأشقاء والجيران في دول مجلس التعاون الخليجي، كما تجتذب مواطنيها السعوديين من مختلف مناطق المملكة ومدنها ومحافظاتها.. هي “عروس” الشتاء، وعروس الربيع، وعروس المنطقة الشرقية في الموسمين، حيث تشهد أكثرَ من مهرجان وأكثر من احتفالية بقدوم زوارها وضيوفها، وحيث تُحيي حزمة كاملة من الموروثات والتقاليد والتراث الشعبي، على هامش الرحلات البرّية التي تقصدها في أجمل مواسم الفرح..

تحلم “النعيرية” ــ التي لا يتجاوز عدد سكانها 35 ألف نسمة، موزعين على 32 مركزاً تابعاً لها ــ بأن تنتزع لقب “عاصمة السياحة البرية” في السعودية، وهي قريبة من تحقيق ذلك، مستغلة موقعها المميز في الشمال الغربي للمنطقة الشرقية، على بعد نحو 220 كيلو متراً من قلب الدمام، الأمر الذي جعلها مقصداً لهواة الرحلات البرية، في مختلف أوقات العام.

مقومات فريدة

على الرغم من التطور الكبير الذي عايشته المدينة الصغيرة التي تبلغ مساحتها 25 ألف كلم مربع، ماتزال النعيرية أرضًا خصبة للرحلات البرية، والمخيمات، لما تتميز به من طقس وتضاريس طبيعية مميزة.

تمتلك النعيرية مقومات فريدة، فلديها الصحراء، التي تتحول إلى بساط أخضر عند هطول الأمطار، كما أنها غير بعيدة عن شاطئ منيفة، الذي يمكن أن تقام فيه مشاريع استثمارية سياحية كبيرة.

مع اقتراب شهر ديسمبر يبدأ فعليا موسم النزهات البرية، وليالي السمر، ويبدأ المهتمون عملهم كخلية نحل في نصب المخيمات والاستعداد لاستقبال محبي السياحة الصحراوية.

نشأت النعيرية الحديثة في الخمسينيات الميلادية، قبل ذلك كانت بادية تتميز بالمراعي الخصبة، وسميت بالنعيرية نسبة إلى الجبال المحيطة بها، وقيل إلى الآبار المسماة بذلك.

ما زالت النعيرية، رغم مدنيتها، أرضًا خصبة للرحلات البرية، وذلك لما تتميز به من طقس وتضاريس متنوعة، وينبع سحر هذه المحافظة النشطة من هجرها الجميلة التي تتميز بالمراعي  شبه الدائمة.

يعد طريق أبو حدرية والساجي من أهم الطرق البرية في المنطقة الشرقية، إذ يمتد من قلب الدمام، حتى يصل إلى دولة الكويت، مرورًا بالخفجي،  ويتمتع طريق أبو حدرية بالإنارة الجيدة، حتى يصل إلى تقاطع بقيق، الأحساء.

طبيعة صحراوية

في البقعة المتاخمة لصحراء الصمان تبرز الأسماء الصحراوية، الموغلة في القدم، مثل أم الحمام، أم الغربان، الصرار، القليب، الفهدة، العاذرية، الرفيعة.

محافظ النعيرية: إبراهيم الخريف

مايميز النعيرية، أنها باتت مقصدا لكل سكان دول الخليج، العاشقين للنزهات البرية، وهي تتطور بشكل سريع في مجال السياحة.

نظرة واحدة على المنطقة، تكفي لكشف أغوار الطبيعة الصحراوية للمنطقة، فعلى جنبات الطريق تنتشر المخيمات التي يتم تهيئتها سنويا للتأجير اليومي، وتتنوع هذه المخيمات بين المتوسطة والفاخرة المجهزة بكل سبل الراحة الضرورية، وما يحتاج إليه من ماء، وكهرباء، وأثاث فاخر، وأدوات مطبخ، وحتى التلفاز والبث الفضائي والإنترنت.

ويحرص ملاك المخيمات على توفير إقامة جيدة، تمتد لأكثر من أسبوعين، من خلال تجهيز مولدات الكهرباء وخزانات المياه والخيام الكبيرة.

تتزاحم محلات مواد التموين المختلفة مع المحطات الواقعة على امتداد الطريق البرية، والتي يحرص  ملاكها على توفير متطلبات رواد المخيمات، خاصة في الخريف والشتاء والربيع، عندما يأتي الزوار من مختلف مناطق السعودية للاستمتاع بالطبيعة البكر، التي لم تمتد لها يد التخريب.

الهلال: تكامل الخدمات ساعدنا على التفوق والمهرجان أنعشنا اقتصاديا

الغامدي: تتميز النعيرية بأنها في قلب المنطقة الشرقية

الخريف: تتميز النعيرية بطبيعتها ومخيماتها وطابعها الجَمالي الخاص

تجارة رائجة

جلبت المخيمات البرية، معها تجارة خاصة ورائجة، هي بيع المنتجات البدوية، خاصة بيوت الشعر ومستلزمات الجلسات، وتعمل أكثر من 50 سيدة سعودية في السوق النسائية، منتجاتهن المنزلية، والحليب الطازج، والأقط والسمن البري، إضافة للكمأة، ومستلزمات الخيام.

يحتوي السوق على أنواع عديدة من الأعمال اليدوية التراثية القديمة مثل السدو اليدوي وبيوت الشعر التي يقومون بصناعتها يدوياً، والمفروشات القديمة وما يحتاجه البدو لإبلهم مثل الخرج، والشداد، والشمايل.

ومع تزايد عدد الزوار تنتعش محلات بيع أدوات وتجهيزات الرحلات، وخاصة صناديق الأدوات وفرش النوم وأجهزة الاتصال وأجهزة تحديد المواقع (G.P.S) والمناظير المقربة والحطب والفحم وأيضاً الدبابات البرية ذات الأربع عجلات، إضافة لتوفر الحطب وأدوات الشواء، في محطات الوقود القريبة من المكان.

ويؤكد ماجد الغامدي، وهو واحد من مؤجري المخيمات أن الطلبات تكاد تكون على مدار العام، عدا أشهر الصيف الحارة، ويقول لـ”الاقتصاد” :”تتميز النعيرية أنها في قلب المنطقة الشرقية. وتقع على خط الكويت والإمارات، وأيضاً هي في مرابي الحلال، وكل هذا جعلها مقصداً للناس، إضافة للأسواق الشعبية فيها، فالناس ملت من المجمعات التجارية الكبيرة، وتريد التغيير والبساطة أكثر “، ويضيف :”هناك طلب أكبر على الخيام الكبيرة، غير أننا نقوم بتأمين الخيام وتجهيزها حسب طلب الزبائن، ومع دخول فصل الخريف تبدأ حركة الحجز المبكر، وتأمين العمالة للقيام بنصب الخيام”.

من جانبه يؤكد جميل الهلال ــ وهو صاحب مخيمات يؤجرها يومياً ــ أن النعيرية منذ القدم كان مقصدها للنزهات الشتوية، ويقول لـ”الاقتصاد”: النعيرية منذ أن بدأت وهي مقصد للمتنزهين في فصل الشتاء، فهي تملك طبيعة صحراوية خلابة، إضافة  لموقعها المتوسط، لهذا يقصدها

جميل الهلال

الناس من المنطقة الشرقية والرياض والكويت، وحتى الإمارات العربية المتحدة، وغيرها. ويضيف: في العام الماضي كان الربيع جيدا، وساعد في وفرة المتنزهين، ومايميز المنطقة عن غيرها توفر الخدمات فيها، فهي ليست مكانا للتخييم فقط، بل سوق شعبية نشطة، ومحلات لبيع كل شيء يحتاجه الزوار،  أما مهرجان الربيع السنوي، فقد ساهم في إنعاش الحركة الاقتصادية في المنطقة، وجذب الزوار من كل مكان.

وتتميز أسعار المخيمات بأنها في متناول اليد للجميع، وهي تتفاوت بين 300 و800 ريال لليوم الواحد بحسب حجم وتجهيزات كل مخيم، وعدد الخيام فيه والتي لا تقل عن ثلاثة خيام مجهزة بسبل الراحة الضرورية، وتصل لـ2500 للمخيمات الكبيرة جدا.

مناطق متنوعة

تتميز النعيرية، بتنوع المناطق الصالحة للنزهات البرية، من أهمها الصرار التي تُعتبر من أكبر المراكز التابعة لمحافظة النعيرية، وهي تتميز بالخصوبة في أراضيها، لا سيما بعد هطول الأمطار، وهي منطقة يكثر فيها نبات “الكمأة”. في وقت أبكر من المناطق الأخرى، يحد الصرار، فياض تكتسي باللون الأخضر لأوقات طويلة من العام، ومساحات منبسطة مثالية لهواة الرحلات البرية.

أما منطقة الكهفة، فسميت بهذا الاسم نسبة إلى الكهوف التي تكونت فيها بفعل عوامل التعرية.

تقع الكهفة في وادٍ بين كثبان رملية، جنوب محافظة النعيرية. وهي من المناطق الجميلة التي تُقصد من قبل محبي الرحلات البرية والاكتشافات.

أما منطقة ثاج، فهي قطعة من الصحراء قريبة من الصمان، وماتزال منطقة تحتاج للاكتشاف ويوجد فيها  واحد من أهم المواقع الأثرية السعودية، فتحت هذه القرية القريبة من النعيرية تقع بقايا حضارات في ستة مواقع أثرية، أهمها مدفن أميرة ثاج الصغيرة، في النعيرية.

وتتزين الصحراء مع اعتدال درجة الحرارة، بمكوناتها الطبيعية الموسمية، كالكلأ والطيور.

المخيم الربيعي

ماجد الغامدي

يمتهن كثير من أهالي النعيرية، تجارة المخيمات البرية، بعد الحصول على التصاريح اللازمة من البلدية، يقوم مالك المخيم بتجهيز عدة خيام متفاوتة الحجم، ويجهزها بالمياه المحلاة، والكهرباء، على مساحات تصل لأكثر من خمسة آلاف متر مربع، ويتم تأجيرها باليوم، غير أن الحركة التجارية أكثر من مجرد تأجير المخيمات البرية، وقد بدأ “المخيم الربيعي” قبل نحو 18 عاما بثمانية خيام متوسطة الحجم، واليوم، باتت تلك المخيمات علامة بارزة في النعيرية، والمناطق المجاورة لها.

وتحولت تلك المخيمات لمهرجان سنوي، تبنته الهيئة العليا للسياحة، التي تشرف على برامج المخيمات، وفي العام الماضي شاركت شركة أرامكو السعودية، عبر مكتبتها المتنقلة، في عرض أكثر من خمسة آلاف كتاب ثقافي وتعليمي وقصص أطفال  وكتب أخرى عن العلوم والتكنولوجيا، كما يتواجد الهلال الأحمر بشكل مستمر في المكان.

يستعد الجميع بكل حماس للمهرجان الـ19 الذي سينطلق الشهر المقبل، والهدف هو كسر رقم الـ100 ألف زائر التي حققها مهرجان العام الماضي.

التغيير والأفضل

يتميز مهرجان ربيع النعيرية، بالتغيير المستمر، ومحاولة البحث عن الأفضل، يؤكد إبراهيم الخريف، محافظ محافظة النعيرية، أن مخيمات هذا العام ستكون مختلفة، نظراً لأن إجازة الربيع ستكون  أسبوعين، وهو ما سيساعدهم على تحقيق الهدف المرجو، ويقول لـ”الاقتصاد”: حسب أرقام هيئة السياحة، يُعتبر مهرجان ربيع النعيرية أحد أهم المهرجانات التي يُقبل عليها الزوار، ليس من السعودية فقط، ولكن من كل دول الخليج، الشريحة المستهدفة للمهرجان هي شريحة مختلفة من الزوار. ويضيف: إجازة الربيع هذا العام ستكون، أسبوعين مما يساعدنا على رفع عدد الزوار، فلدينا انسيابية عمل كبيرة وتقييم مستمر لكل تفاصيل المهرجان، وبتوجيه مستمر من أمير المنطقة الشرقية سمو الأمير سعود بن نايف، ونائبه سمو الأمير أحمد بن فهد بن سلمان،  اللذين  يتابعان كافة التفاصيل بشكل مستمر. ويستطرد: لدينا لجان وأعضاء كثر تعمل بشكل مستمر على تطوير المهرجان، ولم نصل لهذا لرقم من الزوار إلا بفضل ما يُقدم خلاله، وعقب نهاية كل مهرجان نعكف على دراسة ما قُدم فيه، لمعرفه الإيجابيات والسلبيات، وأي ركن عليه ضعف في الإقبال أو ملاحظات يتم إيقاف مشاركته مع تقديم الشكر له، وفي هذا العام لدينا مشاركات جديدة ومختلفة، وسيكون هناك توسعة للمقر الرئيسي للمهرجان.

كل مناطق المحافظة

بدر الدوسري

يؤكد الخريف أن فعاليات المهرجان لا تقتصر فقط على مقر المهرجان، ولكن تتوزع على كل مناطق المحافظة، ويقول: في العام الماضي كان لدينا فعالية “هدد الطير”، وضعناها في مركز (شفيه) الذي يبعد 150 كلم عن النعيرية، أيضا لدينا مباريات كرة قدم تتبع المهرجان، وميدان الملك فهد للهجن، وسباقات تحت مظلة المهرجان، أيضا هناك مسابقات أسريه تصل للناس داخل منازلهم، الهدف هو أن يكون المهرجان تثقيفي ترفيهي توعوي، ويخدم الصغير والكبير وذوي الاحتياجات الخاصة والكبير في السن والرجال والنساء.

يشدد محافظ النعيرية على أن النعيرية تتميز من القدم بأنها تملك  طبيعة خلابة ومميزة، خاصة في الشتاء، النعيرية هي متنفس أهل المنطقة الشرقية والخليج، ويضيف: ليست فقط  الطبيعة الخلابة ما يجذب الناس، لدينا الأشغال اليدوية والسدو والمنتجات اليدوية، لو نقلنا المهرجان لمنطقة أخرى لما حقق النجاح ذاته، لأن لكل محافظة هويتها الخاصة بها، وما يميز النعيرية هو طبيعتها، ومخيماتها وأسلوبها الخاص”.

رافد اقتصادي

من جانبه، يؤكد بدر الدوسري، مدير البرامج والفعاليات في المهرجان سابقا أن المخيمات الشتوية بمحافظة النعيرية تُعتبر رافدا اقتصاديا مهما للمحافظة خلال موسم الشتاء، ويقول لـ”الاقتصاد”: تتجه الحركة التجارية نحو استئجار هذه المخيمات سواء من الشباب أو الأسر، الذين يقبلون على زيارة المحافظة من شتى مناطق المملكة، ومن دول الخليج المجاورة وبالأخص دولة الكويت، وهي تسهم في انتعاش الحركة الاقتصادية في المحافظة، وتبدو الحركة ملحوظة مع ازدحام الحركة المرورية، بسبب توافد هؤلاء الزوار على مختلف الأنشطة التجارية والأسواق والمحال الغذائية وكذلك محلات بيع المستلزمات والرحلات البرية، علاوة على إشغال مختلف مرافق الإيواء السكني بنسبة تصل في بعض أيام الإجازة الربيعية لنسبة %100.

وبحسب الدوسري الذي عاصر المخيم منذ بداياته قبل 18 عاما يعتبر مهرجان ربيع النعيرية رافداً اقتصادياً للمحافظة، ويضيف: المهرجان واحد من أهم المهرجانات الوطنية الذي يهتم بتلبية كافة الاهتمامات ويرتكز على مبدأ المحافظة على التراث ونشر ثقافته بين أبناء جيل اليوم، ويجد إقبالا كبيرا من الزوار بما فيهم السياح  الغربيون العاملون في مختلف شركات القطاع الخاص، والذين يجتذبهم التراث والمقتنيات الشعبية، وما  يقدمه المهرجان من مختلف الفعاليات الترفيهية والثقافية، وما يُعرض من أطباق الأسر المنتجة والتي خصص المهرجان لها أركانا في القرية الشعبية، وتجد إقبالا كبيرا من الزوار لما يتم عرضه من المأكولات الشعبية، كالسمن والإقط والفقع وحياكة منسوجات الصوف. ويضيف: يسعى المهرجان في كل عام إلى إضافة كل ما هو جديد من مختلف الفعاليات والبرامج والأنشطة والعروض، كما اهتم المهرجان بتقديم الأمسيات الشعرية والشيلات وعروض الصقور والإبل والطيران الشراعي وسباقات الهجن، ومعارض توعوية وتثقيفية وفرق ترفيهية للأطفال وفعاليات للأسر، ومسابقات وسحوبات على جوائز مالية وسيارات، إلى جانب تقديم مبادرات إنسانية ومجتمعية وتأسيس فرق تطوعية من شباب المحافظة، لتمكينهم من العمل الإرشادي والسياحي وخدمة الزوار، وإكسابهم مختلف المهارات في التعامل مع الآخرين. والفكرة المقبلة، هي أن يتحول هذا المخيم لحدث شبه مستمر، من الخريف وحتى بدايات الصيف.