نفط

في ضوء توجيهات ومتابعة من وَليّ العهد.. السعــودية “ضامنة” توازن أسواق النفط

الأمير عبد العزيز بن سلمان: التخفيضات الفعلية للإمدادات ستبلغ 19.5  مليون برميل يوميا

اتفاق “أوبك +” واجه مطبات التعنت الروسي والتردد المكسيكي

جهود السعودية تسهم في مضاعفة مستهدف التخفيض ثلاث مرات

الإرادة السعودية تقفز بخفض الإمدادات من 3.2 إلى 10 ملايين برميل

ظلّ العالمُ ــ ولا يزالُ ــ ينظر إلى الدور السعودي في أسواق النفط العالمية، لا باعتباره دوراً يقتصرُ على النفط “كسلعة استراتيجية” فحسب، بل باعتباره دوراً رئيسياً ومهماً وضرورياً لصنع الاستقرار، وتحقيق الأمان للاقتصاد العالمي، بغيره يهتز الاقتصادُ الدولي، ويتراجعُ أداؤه، وبنفس القدر من الأهمية ظلت المملكة تنظر إلى دورها في هذا المجال، باعتباره أحد الأهداف المهمة لسياستها الخارجية، حرَصَت على الالتزام به، والقيام بمسؤولياته، في كل وقت، حِرصا على استقرار الاقتصاد العالمي، وتحقيق “التوازن” في أسواق النفط العالمية.. “الأزمة” الأخيرة التي شهدتها أسواق النفط، وشهد العالم معها خوفاً وانزعاجاً واضطراباً في أوضاع الاقتصاد العالمي، أثبتت للعالم كله أهمية الدور السعودي، وحاجة العالم إلى “الكلمة” السعودية في ضبط أداء النفط.. التفاصيل في التقرير التالي:

لم يدر في خلد البلدان المصدرة للبترول المنضوية تحت “أوبك”، بل ولا حتى دول العالم المرتقبة، أن تشهد توترات أسواق الطاقة وارتباك أسعار النفط الناجمة عن التباطؤ في الاقتصاد العالمي وزاده سوءا تصاعد وتيرة تفشي فيروس كورونا وتداعياته الخطيرة على الأنشطة الاقتصادية و الطلب الكلي، أن يصل مدى التوسع في خفض الإنتاج إلى 10 ملايين برميل بعد أن كانت الآمال معلقة على 1.5 مليون برميل بجوار الخفض السابق عند 1.7 مليون برميل (3.2 مليون برميل).

 

الجهود السعودية كانت حاضرة بقوة لتثبت يوما بعد يوم أن المملكة رقم صعب في الاقتصاد الدولي وثقل في ميزان القوى المحركة له، إذ أثمرت دعوات السعودية المتتالية خلال الأسابيع المنصرمة لانعقاد قمم عالمية لوزراء النفط والطاقة لإيجاد حلول حول تداعي أسواق البترول من حيث السعر والتوازن العام مطالبة بالعدالة ومصلحة الشعوب ودعم الاقتصاد العالمي، نجحت من خلال ثلاثة اجتماعات عالمية في أسبوعين للوصول إلى نتائج مرضية تضمنت استقرار الأسواق على المدى القريب والمتوسط. فإلى قصة الاتفاق التاريخي لمجموعة “أوبك +”:

أسبوع مارس

للصدفة، تزامن شهر مارس مع ذرى توتر الاقتصاد العالمي من آثار فيروس “كوفيد19-” الذي ألقى بتداعيات وخيمة على كل الأنشطة والقطاعات الحيوية في اقتصادات الدول وأصابها بشلل شبه تام، في وقت أدى التوتر في أسواق النفط إلى تراجع في الأسعار لم يشهد لها مثيل في المستويات المسجلة إلا لما قبل عقد ونصف من الزمن.

 

وخلال الأسبوع الأول من مارس، كانت دول “أوبك” مع دول مصدرة للنفط خارج المنظمة من خلال تحالف ما يسمى بـ”أوبك +” على موعد مع اجتماع رسمي مجدول للتباحث حول حجم التخفيض المنتظر لإمدادات الأسواق بالنفط في جولة لتدعيم أسعار البترول من ناحية، ولمنطق عدم وجود طلب عالمي في الأساس قبل أن يزده سوءا تداعيات الوباء.

 

الاجتماع الذي انعقد في العاصمة النمساوية حينها، قبل بدء تدابير الحظر على السفر والطيران والاجتماعات، كان قد وضع هدفا رئيسا يتمثل في خفض جديد بمقدار 1.5 مليون برميل لتضاف إلى الخفض السابق وهو 1.7 ليصبح إجمالي المستهدف 3.2 مليون برميل، بيد أن الاجتماع انتهى مع رفض روسي للمقترح وأصر على الإبقاء على مستويات إمداداته للسوق، بل وخرج وزير الطاقة الروسي ألسكندر نوفاك في أعقاب الاجتماع وقال إنه: “اعتبارا من 1 إبريل لن تكون لدى أي طرف أية التزامات بشأن تخفيض الإنتاج”، معلنا بذلك فض التحالف -بشكل غير رسمي- مع “أوبك”.

 

مزيد من التوتر

وجدت هذه التصريحات أصداء سلبية واسعة من بلدان “أوبك” ما دفع إلى التوجه نحو الاستفادة من وضع السوق في ظل رغبة هيمنة واضحة من الروس على الأسواق، فتداعت السعودية حينها إلى إعلان توجهها بزيادة إمداداتها النفطية والوصول إلى 12.3 مليون برميل نفط في إطار جدولة ترى فيها من المصلحة أن تجد لها مساحة في سباق سوق مفتوحة بعد تعنت الروس للدخول في مسار العمل الجماعي لمصلحة توازن السوق العالمي.

 

وفي ظل هذه الأجواء بين تعنت روسيا للاستمرار في نهج عدم التقيد بالتحالف مع “أوبك” واضطرار السعودية للدخول كضابط لأداء السوق وباحث في الوقت ذاته عن مصالحه، تصاعدت وتيرة تأثيرات “كورونا” بعد أن توجهت بلدان العالم نحو مئات من التدابير والإجراءات المشددة في ظل تفشي انتشار الفيروس واعتماده كـ”وباء” من قبل منظمة الصحة العالمية، واستدعى الحظر الكامل وإيقاف الأنشطة الاقتصادية وتعطيل قطاعات الأعمال واعتماد العمل عن بعد، ما خلف معه فجوة كبيرة في الطلب، وضغط على أسعار النفط لتصل إلى مستويات متدنية جدا لا يمكن تحملها لاسيما من قبل روسيا بعد أن تراجعت دون حاجز 30 دولارا، بل سجلت في بعض أنواع الخام مستويات قريبة من 22 دولارًا لبرميل.

اجتماع استثنائي

ولكن السعودية، ونتيجة لطلبات رفيعة كان من بينها تقديرها لطلب رئيس الولايات المتحدة دونالد ترامب وبعض الأصدقاء في أمريكا – على حد وصف بيان رسمي بثته وكالة الأنباء السعودية- هبت نحو دعوة لاجتماع استثنائي لمجموعة دول “أوبك” ودول مصدرة من خارج المنظمة بينها روسيا، عبر دائرة الاتصال الافتراضي في العاشر من أبريل للنظر، ولكن هذه المرة، بشكل يتخطى حدود البلد الواحد، إلى أفق عالمي، لاسيما أن الاجتماع سيعقبه بيوم اجتماع استثنائي آخر لوزراء الطاقة في مجموعة العشرين برئاسة السعودية.

 

تردد مكسيكي

وبرغم كل الظروف السابقة، كان الموقف الروسي في اجتماع “أوبك +” (9 أبريل 2020) ألين وذهب بالفعل نحو الاستجابة لطلبات “أوبك” بقيادة السعودية حيث لا مناص من المساهمة في تقليص الإمدادات العالمية من البترول، وبالفعل خرج الجميع من الاجتماع الذي استمر سبع ساعات متتالية إلى اتفاق يقضي بضرورة تخفيض الإمدادات بيد أن هناك دولة واحدة نشزت عن هذا المسار في اللحظات الأخيرة.

 

إنها دولة المكسيك التي لخبطت الأوراق مجددا برفض التوقيع لحظتها على مذكرة التفاهم الرامية إلى تخفيض الإمدادات النفطية 10 في المائة من الإنتاج الحالي، إذ صرحت بعدم ارتياحها للحصة التي ستقتطعها من إمداداتها السوقية. على إثرها، خرج وزير الطاقة السعودية الأمير عبد العزيز بن سلمان ليؤكد أنه لا يمكن إتمام الاتفاق مالم توقع المكسيك على الاتفاقية.

ثلاثة اجتماعات نفطية خلال أسبوعين تحسم توتر أسواق الطاقة

اتفاق “أوبك +” أكبر أربع مرات من الخفض القياسي المسجل في 2008

اتصالات بين خادم الحرمين وولي العهد والرئيس الأمريكي ترحب بالاتفاق التاريخي

 

تفعيل العشرين

في هذه الأثناء كانت السعودية قد دعت لاجتماع استثنائي لوزراء الطاقة في مجموعة العشرين للانعقاد افتراضيا بعد 24 ساعة فقط من اجتماع “أوبك +” حيث لم تقف ساكنة أمام الوضع المحرج لأسواق النفط، ففعلت رئاستها لمجموعة العشرين، بهدف تعزيز الحوار والتعاون العالميين الهادفين إلى تحقيق وضمان استقرار أسواق الطاقة والذي بدوره سينعكس على نمو الاقتصاد العالمي المتضعضع.

 

وحسب بيان صدر وقتها بعد ساعات طويلة من الاجتماع، أعلن وزراء طاقة العشرين مع الدول المدعوة، ومنظمات إقليمية ودولية، أن أولوية إمدادات الطاقة تأتي للتخفيف من تأثير جائحة “كورونا” لاسيما على صحة الناس والاقتصاد العالمي.

 

وقال البيان الختامي أن الوزراء التزموا باتخاذ جميع التدابير اللازمة لضمان توازن المصالح بين المنتجين والمستهلكين، وضمان أمن نظم الطاقة وتدفقها دون انقطاع ودعم ضمان توفر الإمدادات، كاشفين عن إنشاء مجموعة متخصصة على المدى القصير وتكليفها بمهمة رصد تدابير الاستجابة السريعة والطارئة.

 

القرار التاريخي

وبعد 24 ساعة أخرى من اجتماع وزراء طاقة العشرين، عاد وزراء الطاقة والنفط “أوبك +” (11 أبريل 2020) للاجتماع ولكن هذه المرة لقرار تاريخي حيث توصلت دول المنظومة إلى اتفاق بعد إزالة جميع العوائق وقبول الأطراف مجتمعة بنود الاتفاق.

 

واتفقت “أوبك +” على خفض الإنتاج بواقع 10 ملايين برميل يوميا لشهرين بدءا من مايو ويونيو من أجل رفع الأسعار المتهاوية جراء أزمة الفيروس حسبما ذكرت المجموعة في بيان صدر عنها، كما ستتقلص  التخفيضات بين يوليو وديسمبر إلى 8 ملايين برميل يوميا قبل أن يجري تخفيفها مجدداً إلى 6 ملايين برميل يوميا بين يناير 2021 وأبريل 2022، موضحة أنها ستعقد مؤتمرا آخر عن بعد في العاشر من يونيو المقبل لتقييم السوق.

 

ويعد الخفض الذي اتفقت عليه المجموعة المعروفة بـ”أوبك بلس” هو أكبر أربع مرات من الخفض القياسي السابق المسجل في 2008، في وقت تأتي أهميته إلى توقعات أن تستمر الحكومات في مختلف أنحاء العالم في تمديد القيود المفروضة على السفر والتجمعات للحيلولة دون انتشار كورونا.

 

الجهود السعودية

الاتفاق التاريخي بالإعلان عن “أوبك بلس” لم يكن ليأتي لولا جهود سعودية قويّة فرضت إرادة توازن الإنتاج العالمي، بعد أن كانت الدول المنتجة من “أوبك” وخارجها، تستجدي في 6 مارس الماضي خفض 1.5 مليون برميل، لتقود السعودية إلى تحقيق اتفاق تاريخي غير مسبوق بخفض يصل مداه إلى نحو 10 ملايين برميل، أي ما يقارب 3 أضعاف ما هو مستهدف سابقا، حيث يمثل الاتفاق، الذي جاء في أسابيع معدودة، عودة الأسواق العالمية إلى جادة الاستقرار من جديد وحماية للأسواق من انزلاق الأسعار إلى مستويات متدنية غير مسبوقة منذ عشرات السنين.

 

وزير الطاقة الأمير عبد العزيز بن سلمان قال في تصريحات فضائية إن الفضل فيما آلت إليه نتائج المفاوضات في رحلة التخفيض لدول “أوبك بلس” يعود إلى الجهود والمساهمة والمتابعة والمشاركة من ولي العهد الأمير محمد بن سلمان.

 

وأورد في أعقاب انتهاء اجتماع “أوبك +” أننا: “لابد أن ننسب الفضل لأهله حيث لولا مشاركة وتحفيز ومتابعة، بل أبعد من ذلك حيث قاد سمو ولي العهد كثيراً من المفاوضات الرئيسية”، مضيفا: “كيف كنا في السادس من مارس وكيف نحن الآن في الحادي عشر من أبريل”.

 

وجرى اتصال هاتفي مشترك بين خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز و الرئيس دونالد ترمب رئيس الولايات المتحدة الأمريكية، والرئيس فلاديمير بوتين رئيس روسيا الاتحادية، تم خلاله استعراض أبرز ما تم التوصل إليه في ضوء اجتماع مجموعة “أوبك بلس” معربين عن الارتياح البالغ لما أثمرت عنه الجهود المبذولة لتحقيق استقرار أسواق النفط العالمية.

 

و أجرى ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز اتصالاً هاتفيا كذلك  بالرئيس الأمريكي دونالد ترمب لاستعراض نتائج اجتماع “أوبك بلس”، حيث رحبا بالاتفاق التاريخي طويل الأمد لتخفيض الإنتاج بما يتناسب مع حجم تداعيات جائحة “كورونا” ويتوافق مع تطلعات الأسواق، وبما يعزز نمو الاقتصاد العالمي.

 

وزير الطاقة: التخفيضات الفعلية للإمدادات تتجه إلى 19.5 مليون  برميل يومياً

السعودية إلى مزيد من المرونة بتقليص حصتها النفطية

الرياض: “الاقتصاد”

نقلت وكالة الأنباء “رويترز” أن الأمير عبد العزيز بن سلمان وزير الطاقة السعودي قال إن المملكة قد تقلص إنتاج النفط دون حصتها الحالية البالغة 8.5 مليون برميل يوميا إذا كانت هناك حاجة للسوق، مشترطا أن يجرى تنفيذ التخفيضات بشكل جماعي، وعلى أساس متناسب.

ونقلا عن “رويترز”، أوضح وزير الطاقة أن فكرة التخفيضات التدريجية لنفط “أوبك+” ستسمح للمجموعة بالنظر في تخفيضات إضافية أو تمديد الاتفاق إذا لم تتحسن آفاق السوق.

ووفقا لـ “رويترز”، قال وزير الطاقة السعودي الأمير عبد العزيز بن سلمان  للصحفيين في مؤتمر عبر الهاتف إن التخفيضات الفعلية لإمدادات النفط العالمية ستبلغ نحو19.5  مليون برميل يوميا مع الأخذ في الاعتبار اتفاق الخفض الذي أبرمته “أوبك+”، وتعهدات من دول أخرى في مجموعة العشرين ومشتريات النفط المخصصة للاحتياطيات.

وقال الأمير عبد العزيز بن سلمان إن دول مجموعة العشرين من خارج تحالف “أوبك بلس” تعهدت بخفض إمدادات النفط بنحو 3.7 مليون برميل يوميا، بينما من المتوقع أن تبلغ مشتريات الخام المخصصة للاحتياطيات (الاحتياطيات البترولية الاستراتيجية) 200 مليون برميل خلال الشهرين المقبلين.