تحليل

التداعيات الاقتصادية بعد “كورونا”

هذا العام مليء بالأحداث الدراماتيكية، وسنكون على موعد أيضا مع الانتخابات الأمريكية قبل نهاية السنة. وسأتناول في هذا المقال بعض النقاط المهمة مثل أسواق الأسهم وفيروس كورونا وحزمة التحفيز.

 

ونبدأ مقالنا مع مؤشر داو جونز الذي يعتبر من أبرز أسلحة الرئيس ترامب عند خوض الانتخابات في نهاية العام، وكان سيستعمل هذا السلاح بقوة أمام المنافسين، لكن مع انهيار الأسواق هل أصبح مؤشر الأسهم الأكثر شهرة في العالم مصدر قلق لترامب، بداية قبل أن نتطرق إلى ما حصل في حركة داو جونز لابد أن نعرف أن ترامب ليس وحده فقط الذي كان يدعم صعود المؤشر في كل محطة ويرافق ذلك بتغريدات متعددة في كل مرة يصل داو جونز إلى مستويات جديدة، بل أيضا كان الاحتياطي الفيدرالي في نفس الوقت، يحرص على حماية أسواق الأسهم.

 

ورغم ملاحظات ترامب الكثيرة التي كان يوجهها للبنك في كل مرة، وأحيانا هجوم شخصي أيضا على رئيس البنك الفيدرالي جيروم باول الذي قام ترامب بتعيينه بدلا من التجديد لجانيت يلين والتي كانت العلاقة أيضا متوترة معها بشكل عام، لكننا أيضا يجب أن نذكر أن البنك أخذ وقتا لكي يلبي الرغبة المستمرة لترامب في رؤية معدلات فوائد قريبة من الصفر وفعلها الفيدرالي بطريقة سريعة، عندما وجد فيروس كورونا يهجم على سوق الأسهم، لكن ترامب كان يريد هذه الخطوة في الفترة الأولى من الحرب التجارية مع الصين، لكي يكون في وضع مريح، وكان يشير دائما إلى أن كل ما كان يكسبه من معارك مع التنين الصيني على جبهة التعريفات كان الفيدرالي في المقابل يفسد ذلك بمعدلات الفائدة العالية، مقابل أيضا كبرى البنوك المركزية في أوروبا وآسيا.

 

بعد انهيار أسواق الأسهم كان يمكن أن يلعب هذا العامل دورا سلبيا أثناء الانتخابات، ولكن بما أن السبب ليس من داخل الولايات المتحدة أو ليس تعثرا أمريكيا أو ليس كما حصل أثناء الأزمة العالمية عندما أتت الأزمة من بنوك أمريكا، وانتشرت في باقي دول العالم. هنا الموضوع مختلف وعلى الأقل عند وقت الانتخابات، إذ لو كان رقم داو جونز متدنيا، فلن يكون له دور سلبي، بينما لو كان سبب الهبوط محليا أمريكيا وخاصا بالاقتصاد، فحتى لو كان على افتراض عند مستويات 25 ألف نقطة، فهو سلبي أكثر من داو جونز عند مستويات 20 ألف نقطة مثلا، ودائما فإن سبب الهبوط أهم من مستويات المؤشر.

 

الآن يواجه ترامب فيروس كورونا، وتصدى له بحزمة تحفيز كبرى، وفي الفترة المقبلة سنرى كيف سيتعامل الاقتصاد الأمريكي مع حزمة التحفيز، وبالتالي كيف سيكون تأثير ذلك على الاقتصاد العالمي، وهل سيكون هناك أي تهديد أو بعض من التهديد للنظام العالمي خصوصا إذا خرجت بعض الدول المهمة من هذه المرحلة في موقف ضعيف.

 

لكن إذا عدنا إلى أحداث التاريخ عندما خرجت أوروبا من الحرب العالمية وهي منهكة، البنية التحتية متهالكة، المدن والمرافئ والموانئ والطرقات ومحطات القطارات وكل شيء بحاجة إلى إعادة بناء أو على الأقل إعادة الحياة إلى كل ذلك، بعدما ألحقت غارات الطائرات خسائر جسيمة بها، حتى أن بعض المدن سويت بالأرض، وهي بحاجة إلى إعادة إعمار بالكامل.

 

من جهة أخرى كانت الولايات المتحدة على وشك الخروج من تداعيات الكساد الكبير الذي ضربها، لكن في نفس الوقت كانت الدولة الأقل تعرضا للأضرار من جراء الحرب، وبالتالي كانت هناك مخاوف من اجتياح سوفيتي شيوعي للقارة، واستغلال الوضع، وفي نفس الوقت تريد الولايات المتحدة أن تجد أسواقا جديدة تساعدها للخروج نهائيا من مرحلة الكساد الكبير، وأيضا فرصة لملء الفراغ الموجود وتولي القيادة، وبالتالي بروزها في الوقت نفسه كقوة اقتصادية وعسكرية وسياسية، باختصار كانت فرصة لا تعوض بالنسبة لأمريكا مع توافر كل هذه الظروف.

 

وكما هو معروف كانت هناك خطة لذلك، عرفت بخطة مارشال نسبة لجورج مارشال وزير الخارجية وقتها، وشغل مناصب أخرى منها وزير الدفاع، ورئيس أركان وسفير. وبدأت أمريكا تضخ وتشحن المساعدات إلى القارة الأوروبية من مواد غذائية ومعدات وأدوات وكل شيء يختص بإعادة الإعمار، وزاد حجم هذه المساعدات على 14 مليار دولار، على مدى عدة سنوات، واستفادت منها الدول الأوروبية، لكن بدرجة متفاوتة، آخذة في الاعتبار مواقف هذه الدول وسلوكها خلال الحرب العالمية الثانية، فمثلا سويسرا لم تنل مساعدات كبيرة لأنها وقفت على الحياد وأيضا انتقدت من معظم الدول بسبب موقفها هذا، حيث كانت تؤيد لغة الديبلوماسية أكثر، أما إيطاليا والتي ساندت ألمانيا فنالت مساعدات أقل بسبب موقفها، وانقسمت دول أوروبا بين المعسكر الشيوعي والمعسكر الغربي وانقسمت ألمانيا بين شرقية وغربية، بعدها كانت كل الظروف مواتية لإنشاء حلف شمال الأطلسي، وأيضا توالى قبل وجود الناتو عام 1949 تأسيس المنظمات الدولية مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي إلى منظمة الأمم المتحدة ومجلس الأمن إلى اليونيسكو ومنظمة الفاو واليونيسف ثم منظمة الصحة العالمية، كل ذلك تم خلال سنوات قليلة.

 

الآن بعد مرحلة القضاء على فيروس كورونا، هل ستلعب الولايات المتحدة دورا مشابها لما فعلته قبل 70 عاما. الوضع الآن مختلف، فبعض الدول مثل إيطاليا وإسبانيا والتي هي الأكثر تضررا في القارة وقت كتابة المقال، تظهر خيبتها من عدم ظهور التضامن الأوروبي خلال هذه المحنة وكان هناك أيضا تحذير من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون من أن وحدة أوروبا مهددة.