نافذة

الحِرْفيّة

جزء مهم من اقتصاد القرية والمدينة، تحتاجها العمارة والزراعة والتجارة، أقصد الحِرْفيّة. والمفردة بالعامية بكسر الحاء وسكون الراء، تعني من يمارس عادة أعمالا غير متخصصة، كحراثة الأرض أو نقل الطين إلى الأعلى أو هدم جدار. وتلك كانت إحدى وسائل العيش في نجد قديما. تلك الممارسات البشرية موجودة أيضا في الغرب، فحتى اليوم يجد المرء في الصحف الأجنبية إعلانات توحي بوجود عمال يتعهّدون أعمالا غير مُصنفة في المنازل والمباني. وهي ـ أي تلك التعهدات ـ مطلوبة ولا تتطلّب إلا قوة بدنية تلك الأعمال تُسمى Odd Jobs.

واضح أن طلب الرزق والمعيشة لا يقتصر على العمال المهرة، فحتى في زمننا الحالي وجدنا عمالة غير سعودية آثرت أن تختار طرقا معينة في مدننا الكبيرة، وتجتمع هناك في انتظار من يقف بمركبته، يريد الحصول على من يقوم بتكسير بلاط أو ردم موقع أو تنزيل خزان ماء من أعلى البناية. ولا يعهد الناس لأولئك الأيدي إلا بأعمال لا تحتاج إلى المهارة، بل يكفي أن لديهم الكمال الجسماني لتولي تلك الأعمال التي لا تتصف بالمهارة والانضباط.

والحرفّية في بلدان جزيرة العرب، لهم مكانهم في المجتمع، فمواعيدهم تقترب من مواعيد المهمين من الرجال، ولا يترددون في ترك من استأجرهم إن لم يجدوا لديه الأكل الطيب عند التوقف للغداء. هذا السلوك متفق عليه في مدينة عنيزة، فإذا لم يفهم “المعزّب” ما يرونه حقا مكتسبا من الأكل الدسم كاللحم والزبد والخبز، فإنهم لا يحرصون على الحضور في اليوم التالي، ويتركون العمل معلّقا، ويباشرون عند من “يْدسّم شواربهم”.

قاطن جزيرة العرب اعتبر عضلاته مصدرا من مصادر عيشته. ذهب الكثير إلى الشام وعملوا مع الجيش الفرنسي، لا كخبراء أو مستشارين، لكن للحراسة الليلية “ناطور” وهناك أعداد وأسماء من أهالي نجد شاركت في حفر قناة السويس، لا بجهد آخر غير الحفر.

ويذكر “هوجارث” أن أهل القصيم شكلوا أغلبية العمال الذين كانوا يعملون في حفر قناة السويس، والتي استغرق بناؤها 10 سنوات 1859/1869م. شارك أولئك الناس في حفر قناة السويس كمتعهدين للحفر ونقل المياه والمؤن على إبلهم. وقد كافأهم الخديوي إسماعيل بأن أقطعهم أرضا في عين شمس والمطرية وحلمية الزيتون، أقاموا عليها بيوتا لهم وإسطبلات لتربية الخيول، والآن نجد سكان تلك المناطق في مصر يحملون أسماء تدل على أصلهم النجديّ.

ومن أطرف ما سمعنا عن العمالة الجائلة في مدننا وقرانا قديما، أن صاحب العمل يترك الخيار لـ “الستاد”، أي معلم الشغلة في البناء مثلا. فهو الذي يختار العمالة العادية الذين سيعهد لهم المناولة وخلط الطين ومتابعة توصيل “اللبن” بكسر اللام والباء. وهو الآجور الطيني وما أن ينتصف النهار حتى يبدأ العمال بترديد “شيلات” من الغناء ينجذب إليها الجوار، ويستمع لهم المارة.

العمالة العادية في بلادنا لها دور معيشي وآخر فني!.