نافذة

هل انتهت الاكتشافات البترولية؟!

هل انتهت الاكتشافات البترولية؟! سؤال يتردد من حين لآخر، في وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، والجواب قطعًا بالنفي. فالأرض ما تزال حبلى بالمفاجآت، ولا أحد يستطيع أن يثبت أو ينفي وجود حقول بترول جديدة، سواء من البترول التقليدي الرخيص أو غير التقليدي، والدليل استمرار النشاط الاستكشافي المُكلِف، بحرًا وبرًّا وحتى في محيط القطبين الشمالي والجنوبي، رغم وعورة تلك المناطق وصعوبة العمل هناك والتكلفة العالية المصاحبة.

ومضمون الجملة الأخيرة يكفي ردًّا على الذين يتوقعون انتهاء عصر البترول والاستغناء عنه، مع كون البترول اليوم مصدرًا أساسيّا لصناعات وسلع لا حصر لها، إلى جانب كونه من أفضل مصادر الطاقة إذ ظل منافسًا اقتصاديًّا.

والذي يهمنا في هذا المجال هو البترول التقليدي، ونعني بالتقليدي حقول البترول التي لا يحتاج إنتاجها أكثر من حفر البئر وفتح صمامات الإنتاج، فتندفع السوائل البترولية ذاتيًّا، بترولنا في السعودية، ومعظم حقول منطقة الشرق الأوسط من نوع التقليدي. إنتاج البترول غير التقليدي يحتاج إلى عمليات إضافية ترفع من التكلفة وتزيد من صعوبة الإنتاج، فالبترول الصخري والصخر البترولي والرمل البترولي وزيت فنزويلا الثقيل، كلها تنطوي تحت مظلة البترول غير التقليدي الذي يتميز بتكلفة عالية وشح في كميات الإنتاج.

وستظل عمليات الاستكشاف قائمة، معززة بعوامل استهلاك البترول المتصاعد والنضوب الطبيعي للحقول الحالية، ولعله من نافلة القول أن نذكر أنّ حقل شيبة العملاق في السعودية، الذي كان قد تم اكتشافه عام 1968، كان آخر اكتشاف لعمالقة حقول البترول التقليدي على مستوى العالم، وما اكتشف بعده من الحقول التقليدية، كلها من حجم متوسط وصغير بمقاس حقولنا، وقد تكون هناك اكتشافات كبيرة خلال الخمسين سنة الماضية من النوع غير التقليدي المكلف، وغالبا في المناطق المتجمدة أو أعالي البحار العميقة. ويلاحظ أننا لم نعتبر البترول الصخري الأمريكي الذي كان قد وصل إنتاجه إلى أكثر من ثمانية ملايين برميل اكتشافًا جديدًا، على الرغم من تأخر بدء إنتاجه إلى عام 2008، فقد كان معروفا وجود الصخري لدى المتخصصين منذ زمن طويل، وكان العائق الوحيد لإنتاجه ارتفاع التكلفة، فلما قارب سعر البرميل المائة دولار، أصبح بالإمكان المجازفة ومحاولة إنتاجه، الذي صادف حينها نجاحًا كبيرًا.

كثير من المحللين ومن وسائل الإعلام لا يفتؤون يتحدثون عن ارتداد لمستقبل الطلب على البترول والتهويل من التوجه العالمي نحو التقليل من استخدامه، وربما الاستغناء عنه كمصدر للطاقة. وقد يكون هناك ما يبرر ذلك، ولكن ليس بالضرورة ما يظنون، وهو تغلب استخدام واستحواذ مصادر الطاقة البديلة، نعم، سوف يزداد الاعتماد على الطاقة البديلة النظيفة والمستديمة، مثل الطاقة الشمسية، وتحتل مكانًا بارزًا، كان من نصيب المشتقات البترولية، والسبب الرئيسي، ليس تفوقها على البترول، بل سيكون ارتفاع تكلفة إنتاجه مع قرب نضوب الرخيص منه، وهو أمر طبيعي. ولكن أهمية البترول، عند أي ثمن، كمصدر أساسي لمنتجات صناعية لا حصر لها، سوف يظل قائمًا وبازدياد مستمر، وقد يأتي على البشرية زمن، تلومنا فيه الأجيال على إسرافنا في استنزاف البترول واستخدامه وحرقه كوقود.

ولعلي أضيف هنا أن مجموع الاحتياطي البترولي المتبقي اليوم من التقليدي وغير التقليدي، قد يزيد على أربع تريليونات برميل، وإذا استثنينا التريليون برميل الباقي من التقليدي الرخيص، فإن تكلفة معظم غير التقليدي تحتاج إلى سعر بين مائة وعشرين دولارًا للبرميل إلى مائة وخمسين دولارًا ليصبح إنتاجه اقتصاديًّا.