نافذة

المقعد الجامعي

في كل عام تتجدد قصة القبول في الجامعات، الجامعات التي تعيش تحولات، بعضها ينفذها بشجاعة، وبعضها على استحياء، وبعضها لا يعرف كيف ينفذها، تتجدد القصة ويتجدد وجع غير المقبولين وهم كثر، ويتعمق وجع والديهم الذين يبحثون عن قطاف غراسهم.

يتفهم الكثيرون أن فرص العمل الوظيفي تقل، لكن يصعب عليهم تقبل قبل تفهم أن فرص التعليم تقل إلى هذه الدرجة، وأجد أن المعادلة ليست سهلة ما بين فكرة “ليس من الضروري أن يدخل الجميع الجامعة” وفكرة “لماذا لا أكون أنا من القلائل الذين يحظون بدخول الجامعة؟” بلسان أم أو أب “لماذا لا تكون ابنتي أو ابني؟”.

نسمع ولَم نر إفصاحات واضحة للرأي العام من الوزارة أو الجامعات، أن القبول لعدد قليل للطلاب بمكافأة كما يسمونهم، ثم المسار الثاني لعدد أكبر للطلاب بدون مكافأة، ثم مسار ثالث لنسبة قليلة مقابل رسوم.

يبدو أن أحد الحلول هو إيقاف المكافآت، وحصرها في المتفوقين في التخصصات النادرة على مبدأ المنح، وفِي الطلاب الفقراء ممن عائلاتهم تعيش على الضمان الاجتماعي، أو منح الجمعيات الخيرية، وأن تبدأ مجموعة من الجامعات بالعمل على وضع رسوم معقولة تتناسب عكسيا مع معدلات الخريجين، وتتغير حسب التخصصات التي تحتاجها البلاد، فنحن سائرون نحو استقلال الجامعات جميعا استقلالا منضبطا، وبعبارة اقتصادية أوضح، كأنما سنخصص جزءا من الجامعات، وسيبقى بعضها حكوميا شأننا شأن جميع دول العالم.

أيضا الجامعات والكليات الأهلية ما تزال قليلة نسبيا قياسا بعدد السكان ونسبة نموهم، وما تزال وفقا لذلك تتقاضى رسوما لا يقدر عليها غالبية الناس، وهي مقصرة بشكل واضح في برامج المنح للمبرزين والمتفوقين، وبعضها للأسف لا يعدو كونه مجرد مدرسة أهلية، تدار بفكرة دفع الرسوم كأولوية قصوى، وبعضها الناجح الجيد أصبح نخبويا لدرجة لا تخطئها العين.

الاقتصاد يلعب دورا مهما هنا، فمن ناحية لم يعتد المواطن في السعودية على مبدأ التخطيط لتعليم الأبناء الجامعي لاعتياد الرعوية في هذا الشأن، رعوية كاملة لدرجة أن الحكومة تعلم الشباب وتمنحهم المال، وهو سيحتاج لفعل ذلك إلى معجزة مالية إذا نظرنا لمتوسط عدد الأبناء في السعودية، ويبدو أن البعض القليل بدأ يفطن لذلك على أساس إرسال أبنائه للخارج للحصول على تعليم أفضل، وربما فرص عمل أوفر أو أفضل، وهنا أفكر بصوت مقروء أن على بعض الجامعات السعودية منافسة هذا المستوى للحصول على رسوم بنفس مستويات بعض جامعات العالم.

لدى الجامعات السعودية منجم ذهب لم يستغل، ثلث السكان من المقيمين، وكثير منهم مقتدر يرسل أبناءه إلى دول الخليج والعالم العربي وغيرها شرقا وغربا برسوم عالية، فلماذا لا تقدم الجامعات هذه “الخدمة” برسوم عالية لتستطيع أن تتحمل “ماليا” قبول المزيد من السعوديات والسعوديين.

حلول كثيرة تدور في فلك المال والاقتصاد تملكها الجامعات، لكن بعضها لا يدري، وبعضها لا يسأل، وبعضها لا يملك الكفاءات المالية والإدارية والاستثمارية التي تعينه، وحتى أحاول الإنصاف ربما يكون بعضها يعرف ويريد، لكن تحيطه بيروقراطية الوزارة، التي ربما هي بدورها ليست “معتادة” على أفكار “الاستقلال” التنفيذية الحقيقية وليست تلك التي تبث للإعلام.

يبقى أن الأسر الجديدة في السعودية يجب أن تدرك بعد تأمل الحال أن تأمين التعليم لثلاثة أبناء، أيسر وأكثر جودة من محاولة تأمينه لخمسة أو ستة أبناء، وأن تستعد في مستقبل الأيام لمنافسة أشرس بين خريجي الثانوية على المقاعد الجامعية، وأن تعلم أن التخطيط لتأمين التعليم ربما يجب أن يبدأ مع إصدار شهادة الميلاد للطفل.

أتمنى أن يكون لدى وزارة التعليم أو الجامعات خطاب واضح للناس تجاه هذه القضية، وإذا كانت هناك “اتجاهات” معينة ومعروفة، ينبغي إشراك الرأي العام في تفاصيلها حتى لا ينتظر الشباب وأهاليهم ما لا يجيء، وحتى يضعوا خططا أو يتخذوا قرارات غير انتظار الواسطة أو الحظ أو ربما المعجزة.