نافذة

بصائر ولا إبصار عند قُدماء التجار

لا أراني بحاجة إلى القول أن البصر حاسة، أو وظيفة أساسية للإدراك والتصرف، لكن كلمة أو جملة “البصير بالشيء “تعني العليم به. والإبصار، لو تعمقنا قليلا، لا يكون مجرد فعل ورد فعل بل هو عملية تكامل بين البصر والبصيرة، فنرى الشيء وندركه، ونحلله ونكوّن داخليا بعض العواطف نحوه سلبية أو إيجابية.

وثابت أن حاسّة البصر أحد نوافذ المعرفة، فبها نرى الأشياء التي تقع تحت نظرنا فنميّزها تمييزاً أوّلياً، وثابت أيضا بعد تدقيق ودراسة وتحليل أن الاعتماد على البصر وحده في التحقق والتمييز والمعرفة لا يكفي وحده، إذ لابدّ من ارتكاز آخر نرجع إليه في التخلص من الغموض، وعن طريقه تنجلي الظلمة والإبهام. وحدّة البصيرة عند بعض من فقدوا نعمة الرؤية تأتي كتعويض إلهيّ عن البصر، ونُلاحظ هذا في مشاهداتنا اليومية.

نجدُ في عالم التجارة والبيع القطاعي القديم في بلادنا حكايات يجب أن تُروى، ودهشة تُثار، وهو أن الله وهب واحدا من الذين اتخذوا الارتزاق بالبيع نعمة، كان أهل البلد يتحدثون عنها.

يقودني الحديث عن هذا الموضوع إلى الحياة العملية لرجل كان يقطن مدينة عنيزة، نهاية الأربعينات الميلادية من القرن الماضي. في دكّان يقع وسط البلدة، امتهن هذا الرجل بيع القماش النسائي بمختلف ملامسه وألوانه، ورغم فقدانه بصره، وتراكم المصاعب لم يستسلم، مع أنه في ذلك الزمن لم تكن رعاية المكفوفين متوفرة أو موجودة بالأساس.

اسم هذا الرجل الفاضل هو “البهيجاني” ولا يحضرني اسمهُ الأول، لكنه كان معروفا عند أهل البلدة من مستهلكين وباعة جملة، وكان له قدرة على توفير ما يحتاجه المستهلك من الأقمشة، والمساهمة بدور رائد في السوق في ذلك الوقت، ويستحق أن أكتب عنه هذا وأكثر، في هذه المطبوعة الرائجة في ميدان اقتصاد البلد وتاريخ الكد الشريف والعمل الطيّب.

وكما هو معروف قديما وحديثا، فإن بضاعة البزازين ـ بائعي الأقمشة ـ تأتي على شكل عمود، ملفوف عليه القماش على شكل دائري كي يسهل تخزينها ووضعها على الأرفف، أو على شكل مستطيلات ليسهل عرضها للزبائن.

اتخذ ذلك الرجل الفاضل ـ رحمه الله ـ دكانه في وسط السوق التجاري، وكان يجلس على طرف الدكان، وعلى الجدران داخل حانوته، توجد أرفف خُصّصتْ لمختلف ألوان وأنواع الأقمشة النسائية، وما على الزبونة إلا ذكر نوع ولون القماش المطلوب، فيعمد دون تردد إلى سحب ما طلبته الزبونة من  بين الرفوف، ويفرش جزءا منه أمامها، وقد تُعبّر الزبونة عن طلبها بطريقة أدق بأن تقول: أريد نفس القماش الذي اشترت منه فلانة، من بيت آل فلان قبل يومين، فيتذكر صاحب المتجر الموضوع كاملا، وينهض مادا يده نحو الرف المتراكمة عليه الأقمشة، ويناولها القماش بكل دقة.

وهذا دعم قويّ للقول بأن فقدان الإبصار لا ينفي وجود البصيرة.