عقارات

تصـدير العقـار السعودي: صناعة المعارض

تحدثنا فى المقال السابق عن ضرورة تنويع مصادر الدخل، وعدم اعتماد السعودية على البترول كمصدر رئيسى للدخل، لما يمثله ذلك من مخاطر عديدة ناجمة عن تغير سعره باستمرار، وتأثره بما يحدث بالعالم من أزمات، وقد ظهر ذلك جليا فى جائحة كورونا وما تبعها من إجراءات احترازية ومنع السفر والقيود التى فرضت على التجارة الخارجية والاستيراد.

مازلنا نستكمل المقال السابق والذى كان بنفس عنوان هذا المقال وهو “تصدير العقار السعودي” ويعرف الخبراء والمتخصصون تصدير العقار في أية دولة بأنه بيع العقار إلى عملاء يحملون جنسيات دول أخرى، كما أوضحنا كيف أن العقار هو مخزن القيمة وقاطرة الاقتصاد في أية دولة، نظرا لارتباط ما يقرب من 2000 من الصناعات المباشرة وغير المباشرة بسوق العقارات والبناء، كما أشرنا إلى ما تملكه المملكة من ميزة تنافسية وتسويقية فريدة لا ينافسها فيها أحد على مستوى العالم، وهى رغبة وشغف أكثر من مليار ونصف مليار مسلم حول العالم، تهفو قلوبهم لزيارة الأماكن المقدسة وزيارة المملكة والتملك بها والإقامة الدائمة علي أراضيها، وهو ما يجب على الحكومة أن تستغله وتعمل على الاستفادة من وجود عملاء ينتظرون بشغف السماح لهم بشراء وحدات سكنية أو الاستثمار، وفق الشروط والقوانين المنظمة لذلك.

نصل بعد هذا الملخص السريع للمقال السابق، والمرتبط بموضوع المقال الحالي، وهو “صناعة المعارض” ونحدثكم في هذه السطور عن تاريخ المعارض وتعريفها وعناصرها وأهميتها ومقومات نجاحها ومدى تأثيرها إيجابا على الاقتصاد بشكل خاص.

تعتبر المعارض من أهم وسائل الترويج للسلع عموما، وللعقارات خصوصا ذلك أنها مكان يلتقي فيه العارض ـ صانعا أو تاجرا ـ مع العميل وجها لوجه في مكان مخصص ومهيأ جيدا، حتى تحقق المقابلة الترويجية نتيجة مرضية للطرفين.

تاريخ المعارض

بدأت فكرة إقامة المعارض الدولية عام 1851 حينما قررت الملكة فيكتوريا ملكة انجلترا إنشاء معرض بعنوان “المعرض العظيم لمنتجات الصناعة من دول العالم” يبرز إنجازاتها، ويرمز إلى التفوق العسكري والصناعي والاقتصادي لبريطانيا العظمى، الفكرة كانت فكرة استعمارية فيها استعراض قوة والكثير من الغرور والغطرسة، لكنها تاريخيا كانت نواة لنشاط ترويجى جديد لم يكن يعرفه العالم، واستخدمت إيراداته في تمويل بناء متحف “فيكتوريا وألبرت”.

فيما أقيمت الدورة العالمية الأولى لـ “معرض إكسبو الدولي” في الولايات المتحدة الأمريكية عام 1876م، وعرض من خلاله أول جهاز هاتف، وأول آلة كاتبة تجارية، ثم في فرنسا عام 1889م معرض إكسبو العالمي بباريس، وكان رمزا لبداية الثورة الفرنسية، وربما لا يعرف البعض أن برج إيفل قد تم بناؤه خصيصا بمناسبة المعرض ليكون البوابة الرئيسية لدخول الزائرين وليصبح أحد أهم مزارات العاصمة باريس بعد ذلك.

وللمعارض الناجحة والشهيرة حول العالم مواصفات لابد من توافرها، وعناصر أساسية لا يمكن التغافل عنها أو أهمالها من حيث: منظم المعرض، الشركات العارضة، قاعة العرض، توقيت إقامة المعرض، المدينة التى يقام بها المعرض، نوعية الزائرين، المميزات التى يقدمها المعرض للشركات العارضة للعملاء من حيث التخفيضات والعروض الحصرية أثناء إقامة المعرض.

وهنا أتحدث عن المعارض من واقع خبرة علمية وعملية طويلة من خلال تسويق الدورة الأولي لأكبر معرض للبناء في الشرق الأوسط Inter Build Egypt الذي كان وقت إقامته في المرتبة الثالثة عالميا بعد معرض Inter Build Australia ومعرض Batimat Gallery France. وقد حصل معرض إنتربيلد مصر على شهادة هيئة المعارض الدولية من دورته الأولى عام 1994م، وهو ما يعد إنجازا كبيرا، وقد ساهمت وشاركت أيضا فى العديد من المعارض الدولية المتخصصة فى لندن بإنجلترا وبولونيا بإيطاليا، إضافة للعديد من المعارض بالكويت وقطر والإمارات العربية، لذلك أعلم تماما أن صناعة المعارض من أهم مقومات التنمية للسعودية، كما أنها داعم رئيسى لتنشيط حركة التجارة، ومن أهم أسباب قوة الاقتصاد وتعدد مصادره كما حددتها رؤية 2030 وجعلتها على رأس الأولويات.

عناصر المعرض

الجهة المنظمة: سواء أكانت جهة حكومية أو شركة متخصصة في تنظيم المعارض، لابد وأن تتحلى بالعديد من المقومات الإدارية والعلمية، ذلك أن عملية تنظيم المعارض وإن كانت تبدو سهلة لغير المتخصص، إلا أن بها الكثير من الأسرار، ولها جوانب متعددة مثل اختيار النشاط الذى سيقام المعرض من أجله، سواء كان عقاريا أو طبيا أو زراعيا، ثم اختيار مكان إقامة المعرض من حيث المدينة التي سيقام بها، ومدى اهتمام المواطنين بهذا النشاط حتى يحقق المعرض أهدافه، وينجح بل ويستمر نشاطه لدورات عديدة ولا يتوقف عند الدورة الأولى فقط، كما يجب على جهة التنظيم حسن اختيار التوقيت، وأقصد هنا نوعين من التوقيت، التوقيت الأول هو موعد إقامة المعرض والحرص على ألا يكون متعارضا مع أية معارض دولية أخرى في نفس التوقيت وبذات النشاط، أما التوقيت الآخر الذى أقصده هنا من واقع خبرتي في تنظيم المعارض الدولية، حيث أن معظم الشركات العالمية التى تشترك بالمعارض الدولية تكون أجندة معارضها جاهزة للعام القادم حتى تستعد لعرض منتجاتها بصورة مثالية، وتقوم بترتيب كافة إجراءات شحن المعروضات والحصول على التصاريح اللازمة والتأشيرات لفريق العمل، لذلك على كل من يريد تنظيم معرض دولي أن يبدأ بتسويقه خارجيا قبل سنة من موعد إقامته حتى يعطي الفرصة للشركات الكبرى للمشاركة في المعرض.

الشركات العارضة: هي العنصر الثاني من عناصر المعرض، وعلى جهة تنظيم المعرض أن تحسن اختيار الشركات المشاركة، بأن تكون شركات ذات سمعة طيبة وخبرة جيدة بمجال عملها مع ضرورة التأكد من التزام هذه الشركات بتعهداتها وتنفيذ بنود عقودها دون تأخير أو تلاعب.

ومن أهم مظاهر احترافية الشركة المنظمة للمعرض حسن توزيع الأجنحة، طبقا للتخصصات المختلفة، مثل أن تكون هناك منطقة كاملة لأجنحه السيراميك والبورسلين وأطقم الحمامات وإكسسواراتها على سبيل المثال، وبذلك يجد الزائر سهولة في الوصول لهدفه دون إرهاق أو تشتيت.

الزائر: هو العنصر الثالث من عناصر المعرض، ووجوده دليل نجاح للمعرض، وعلى جهة التنظيم الوصول له بشتى الطرق من إعلانات الطرق، والصحف والإنترنت أو بالدعوات الشخصية، وربما كان على منظم المعرض تنظيم رحلات مجمعة من النقابات أو الجمعيات الأهلية أو الوزارات المعنية بنشاط المعرض، كما أن على الجهة المنظمة ألا تتجاهل أي زائر، وعليها أن تستغل وجوده أفضل استغلال وذلك بعمل حصر لأعداد الزوار على بوابات الدخول وكتابة ذلك فى كتيب المعرض بعد نهايته وتوزيعه على كل الشركات المشاركة لتعلم مدى نجاح المعرض، وأيضا يمكن استغلال هذه المعلومة للتسويق للدورات القادمة من المعرض، ومن المفيد أن يقوم الزائر بكتابة استمارة تعارف معدة مسبقا من المنظمين وبها بعض المعلومات عن الزائر مثل الاسم والعنوان وجهة العمل والإيميل الخاص ورقم التليفون والأنشطة والشركات التى يرغب فى زيارة أجنحتها ولا مانع من كتابة ملاحظاته عن المعرض وتقديم اقتراحات يرى أنها سترفع من مستوى المعرض.

المؤتمر المصاحب

بعض المعارض يصاحبها مؤتمر علمى يقدم فيه الخبراء والعلماء عصارة فكرهم، وأحدث أبحاثهم كالمجال الطبى على سبيل المثال، حيث يقدم العلماء أهم الأبحاث عن الأمراض والعلاجات الحديثة، حيث يقوم منظم المعرض والمؤتمر بجمع هذه الأبحاث فى كتاب يكون ضمن مجموعة من الأدوات والهدايا العينية ويضعها فى حقيبة عليها شعار المؤتمر وتوزع على جميع المشاركين فيه لتعم الفائدة.

وأتذكر أن معرض Inter Build Egypt عام 1994م، قد جاء بعد الزلزال الشهير الذي ضرب مصر في أكتوبر عام 1992م، وقد قررنا كشركة منظمة أن يكون موضوع كود الزلازل في المباني هو محور المؤتمر، وقمنا باستضافة خبراء فى هذا العلم من عدة دول، وكانت للأبحاث التى قدمت في المؤتمر الدور الواضح في خروج كود الزلازل المصري الذي مازال يطبق حتى الآن.

وقد جاء الأمر الملكى الكريم بإنشاء هيئة عامة للمعارض والمؤتمرات، لتبدأ مرحلة جديدة ولتكون الاحترافية في العمل هي المعيار الذى لن تتنازل عنه المملكة، فالمنافسة في هذا المجال عالميا شرسة، وفيها الكثير من الأسرار والخبرات، ونحن لسنا أقل من أحد، فقط نحتاج إلى الاعتماد على الخبراء وتوظيف أفضل الكفاءات وما أكثرها في جيل الشباب السعودي الذي حصل على تعليمه في أفضل الجامعات الدولية، ولديه الحماس، وله أيضا الحق فى العمل والإبداع، وأنا علي يقين أن هيئة المعارض السعودية لديها رؤية واضحة تهدف من خلالها إلى نشر ثقافة المعارض والتشجيع على إقامة العديد منها في مدن المملكة المختلفة، ولكافة الأنشطة والمجالات التي يحتاجها السوق السعودي، والتى تعود بالنفع على المواطن السعودي، فالجميع يعمل من أجله، وبالفعل فقد قامت هيئة المعارض برسم خريطة سنوية للمعارض، وأقامت العديد من المعارض المتخصصة بالمشاركة مع شركات تنظيم المعارض مثل معرض SAUDI EXPO والمعرض السعودي الدولي للبناء والتصميم الداخلي بمركز الظهران الدولي، ومعرض ريستاتكس بمدينة جدة، والمملكة في طريقها لأن تصبح مركزا للمعارض الدولية الكبرى في جميع المجالات، مستغلة موقعها الجغرافي المميز وقدرتها التنافسية واستيعاب السوق لمنتجات الشركات العالمية، وقدرة الاقتصاد السعودي على التقدم للصفوف الأولى تحقيقا للرؤية الثاقبة لخادم الحرمين الشريفين وسمو ولى العهد ـ حفظهما الله.

ثقتي كبيرة في هيئة المعارض السعودية، أن لديها رؤية ولها أهداف واضحة ستتحقق بما يتوافق مع رؤية 2030 وكل الدعم لأصحاب القرار لما فيه الخير للسعودية وأهلها.