نافذة

غرفة الشرقية وكلمة (أول)

في منتصف العام 2000م، التقيت بمدينة القاهرة بالدكتور إبراهيم المُطرف الأمين العام لغرفة الشرقية في ذلك الوقت، وطلب مني الانضمام لفريق عمل الغرفة لإنشاء وإدارة “أول” مركز لتنمية المنشآت الصغيرة والمتوسطة بالسعودية. هكذا كانت غرفة الشرقية رائدة وسباقة بمبادرات وتطلعات جديدة لخدمة المجتمع الاقتصادي بالمملكة.

وبعد أن كان الاهتمام محدودًا بالمنشآت الصغيرة في ذاك الزمان، صار هناك مركز منشآت صغيرة مماثل في كل غرفة تجارية أخرى، حيث كلفني مجلس الغرف بهذه المهمة لأطوف كافة مناطق المملكة لهذا الغرض. بالصباح الاجتماع بمنسوبي الغرفة بكل منطقة وتزويدهم بكافة تفاصيل إنشاء المركز، وبالمساء إلقاء محاضرة عامة للشباب وتحفيزهم نحو الانخراط بعالم ريادة الأعمال.

بعد فترة قصيرة، تم استحداث “أول” زاوية بمجلتنا العريقة “الاقتصاد” تحت مُسمى “منشآت صغيرة ومتوسطة”، نُشرت فيها العديد من الموضوعات مثل: أهمية المنشآت الصغيرة والمتوسطة، الإنترنت للمنشآت الصغيرة، دور البنوك في تمويل المنشآت الصغيرة والمتوسطة، كيف تبدأ مشروعك الخاص؟، تسعير المنتجات والخدمات، إدارة الوقت للمنشآت الصغيرة والمتوسطة، وسلسلة “ابدأ العمل ولا تتردد” والتي تهدف إلى تعميق فكر ريادة الأعمال وتشجيع المبادرات الفردية والمساهمة في صناعة التغيير الإيجابي، إضافة إلى مقالات عن تبني الابتكارات والاختراعات، والفرص الاستثمارية للصناعات المُغذية والتكاملية مع الشركات العملاقة بالمملكة، ومقالات أخرى متنوعة تهم هذا القطاع الحيوي.

نظمت الغرفة و”لأول” مرة بالمملكة، الملتقى الأول لفرص الاستثمار للمنشآت الصغيرة والمتوسطة، والذي أتاح الفرصة لأكثر من مائة وستين اختراعًا وابتكارًا من أصحاب الأفكار الواعدة والمبتكرين والمخترعين بكافة أرجاء المملكة. عُرضت هذه الابتكارات جنبًا إلى جنب مع المؤسسات والجهات التمويلية والداعمة للابتكارات وقطاع المنشآت الصغيرة والمتوسطة داخل وخارج المملكة، حيث كانت فرصة جيدة لاستثمار هذه الأفكار وتحويلها لمشروعات واعدة والتعرف على الابتكارات المحلية وتوطين ونقل التقنية وتشجيع المبادرات الفردية ونشر الوعي الإبداعي وتسليط الضوء على شريحة المبتكرين والموهوبين بالمملكة، كما تم إصدار “أول” دليل يضم بيانات ومعلومات الاختراعات إضافة إلى معلومات تفيد المخترعين وأهم المواقع على شبكة الإنترنت المتعلقة بدعم المخترعين.

أذكر ولادة “أول” برامج تدريبية غير مسبوقة بعنوان “برامج غرفة الشرقية لتأهيل المستثمر الصغير”، حيث تحمس لدعمها البنك الأهلي التجاري عبر دائرته للمسؤولية الاجتماعية، وتم تنفيذها بعدد قياسي من الدورات، عبر ثلاثة نماذج هي: كيف تبدأ وكيف تدير وكيف تطور مشروعك الصغير، تلاها كيف تبدأ مشروعك السياحي الصغير لمتدربين من كافة أرجاء المملكة. تخرج من هذه الدورات المئات من السعوديين الذين أصبح معظمهم من رجال الأعمال الناجحين، وتم تسليط الضوء عليهم في “أول” نشرة بعنوان “دُلني” لرواد الأعمال وللمنشآت الصغيرة والمتوسطة.

كما أطلقت غرفة الشرقية “لأول” مرة بالمملكة جائزة التصدير منذ أكثر من عشرين عامًا، إيمانًا منها بأهمية تنمية الصادرات الوطنية والخروج بالمنتجات المحلية إلى الأسواق العالمية، وقامت الغرفة بتصميم “أول” جائزة للمنشآت الصغيرة بالمملكة في العام 2005، بمسمى جائزة أفضل منشأة صغيرة، ثم تبين لنا أن الفائزين بها يُخفون كلمة “صغيرة” للحفاظ على صورتهم أمام عملائهم، فتغير مُسمى الجائزة إلى جائزة أفضل منشأة “واعدة”، قدمتها الغرفة بكل فخر لتعزز ريادتها في هذا المضمار، وصارت تُعرف الآن بجائزة الوزير الراحل غازي القصيبي ـ يرحمه الله. حتى “أول” دراسة جدوى عربية متكاملة لمشروع حاضنة أعمال للمشروعات الصغيرة، خرجت من رحاب غرفة الشرقية.

وقد كان مجلس شباب أعمال الشرقية ومجلس شابات أعمال الشرقية، هما “أول” كيانين يختارهما ويديرهما الشباب بفكرهم وإبداعاتهم بالمملكة، ببرامج متفردة ومميزة لهذه الشريحة الغالية، برعاية واحتضان غرفة الشرقية.

وبتأمل كلمة “أول” بالمقال، تكتشف شغف منسوبي الغرفة، أو بالأحرى قدَر الغرفة ـ بتاريخها ومسؤوليتها ـ كقائدة لغيرها بمجتمع الغرف والأعمال. كل ما سبق هو ما أسعفتني ذاكرتي به، وما شهدته بنفسي، وأردت أن أؤرخ له وأُعرف به الأجيال الحالية التي لم تسنح لها الفرصة لمعرفة جانب من تاريخ هذا الصرح العريق، وكلي يقين أن الأنشطة والمبادرات ستستمر، وكأن كل جيل من العاملين بغرفة الشرقية يورث ما بعده جينات وكروموسومات الريادة والسبق والإبداع في التخطيط والتنفيذ.