الميزانية

رغم جائحة كورونا
موازنة 2021 .. مواجهة المخاطر وتحفيز النمو

الجعفري: الدين العام سيظل في الحدود الطبيعية للناتج المحلي الحقيقي

المغلوث: التحدي الحقيقي استمرار كورونا وتأثيرها على سوق النفط العالمي

الناتج غير النفطي تراجع خلال النصف الأول من 2020 بمعدل %3.3 وهو الأقل بين دول العشرين

باعشن: الاقتصاد السعودي يمر بمرحلة تغير وتطور بعد 8 عقود من الاعتماد الكلي على النفط

عاما بعد عام، تثبت المالية السعودية صلابتها، على الرغم من الأزمة المالية التي ضربت العالم أجمع، جراء تفشي فيروس كورونا الذي تضررت منه حتى كبرى اقتصاديات العالم دون استثناء.

أظهرت موازنة 2021، القوة المالية السعودية رغم التحديات الجمة التي واجهتها، وما شهده الاقتصاد العالمي خلال العام الماضي من آثار سلبية ألقت بكاهلها على النمو الاقتصادي، جراء تباطؤ الحركة الاقتصادية، وانخفاض أسعار النفط.

منذ البداية، سعت السعودية إلى اتخاذ تدابير عاجلة للتعامل مع هذه التداعيات، وقامت بدور رئيسي لإعادة الاستقرار لأسواق النفط، وهو ما انعكس بشكل إيجابي على ملاءتها المالية للأعوام المقبلة.

كشفت موازنة السعودية 2021، عن استهدافها في العام القادم وعلى المدى المتوسط، استمرار الصرف على المشاريع الكبرى، وبرامج تحقيق رؤية 2030، وكذلك استمرار الصرف على منظومة الدعم والإعانات الاجتماعية، وحزم التحفيز، لدعم القطاع الخاص بهدف تنميته وتمكينه، إضافة لدعم الصناديق التنموية، للمشاركة في مشاريع البنية التحتية، وإعادة ترتيب الأولويات ورفع كفاءة الإنفاق.

وحسب تقديرات الموازنة، تم تخصيص 186 مليار ريال لقطاع التعليم، و175 مليارا للصحة والتنمية الاجتماعية، و72 مليارا للموارد الاقتصادية، و51 مليارا للخدمات البلدية، و101 مليارا للأمن والمناطق الإدارية، و185 مليارا للقطاع العسكري، و46 مليارا للتجهيزات الأساسية والنقل، و34 مليارا للإدارة العامة، و151 مليارا للبنود العامة، بمجموع 990 مليار ريال.

نمو أكبر

تتوقع تقديرات الموازنة نمو الإيرادات في عام 2021 لمستوى 849 مليار ريال، مقارنة بـ 770 مليارا في العام 2020، مع انخفاض النفقات لمستوى 990 مليارا مقارنة بـ 1068 مليار ريال في العام 2020، مع نمو الدين العام من 854 مليار ريال إلى 937 مليارا، في المقابل انخفاض العجز لمستوى 141 مليارا، بدلا من 298 مليارا مسجلة في عام 2020، والتي جاء معظمها بسبب حزم الدعم الحكومي للقطاع الخاص والمواطنين لمواجهة أزمة كورونا.

وتشير تقديرات الخبراء الأولية لعام 2021  إلى نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة %3.2، يرتفع في عام 2022 بنسبة %3.4، وبنسبة %3.5 في عام 2023، في ضوء التوقعات باستمرار تعافي الأنشطة الاقتصادية خلال العام2021، وتعافي الاقتصاد العالمي، والأسواق الناشئة بوتيرة أسرع مما كان متوقعاً لها مع بداية الأزمة، إضافة إلى مواصلة الحكومة تعزيز دور القطاع الخاص، في إطار السعي إلى أن يكون المحرك الرئيسي للنمو الاقتصادي، مع التوجه لرفع كفاءة الإنفاق، بالتزامن مع مواصلة الحكومة تنفيذ الإصلاحات الهيكلية لتنويع الاقتصاد من خلال برامج رؤية 2030، وتحسين بيئة الأعمال، وفتح آفاق جديدة أمام الاستثمار المحلي والأجنبي، ومساهمة الصناديق التنموية، والمشاريع الكبرى، وبرامج التخصيص، الأخرى التي يُتوقع أن تبدأ في تحقيق عوائد متزايدة تدريجياً خلال الفترة القادمة.

إلى ذلك استقر الاحتياطي العام للسعودية عند 420.35 مليار ريال بنهاية نوفمبر 2020، بينما ارتفع الحساب الجاري الحكومة بنسبة %3.76 ليصل إلى 54.6 مليار ريال بنهاية نوفمبر 2020، مقارنة بنحو 52.62 مليار ريال بنهاية أكتوبر 2020، وفقاً للنشرة الشهرية للبنك المركزي السعودي “ساما”.

علي الجعفري

ويصف اقتصاديون الموازنة بأنها موازنة لاستعادة نمو الاقتصاد، خاصة في ظل توقعات وزارة المالية بأن يتراجع العجز في الموازنة لمستوى 141 مليار ريال، ستجري تغطيته عن طريق مبيعات ديون وسحب محدود جداً، من الاحتياطيات وبيع أصول لوزارة المالية إذا دعت الحاجة، مع خطط حكومية لخفض العجز إلى أقل من %1 بحلول 2023.

ويتوقع المحلل الاقتصادي عضو مجلس الشورى السابق فهد بن جمعة، أن يشهد الاقتصاد السعودي تحسنا أكبر من المتوقع، بفضل استمرار تحسن أسعار النفط، وارتفاع الإيرادات غير النفطية، وتحسن إدارة الإنفاق، ويقول لـ “الاقتصاد” إنه “يتوقع أن يستمر تحسن أسعار النفط، وهذا ينعكس بشكل إيجابي على الموازنة السعودية، ويساهم في خفض العجز المتوقع”، ويضيف  أن “السعودية من أقل دول العالم تأثرا بجائحة كورونا، فالإجراءات التي تم اتخاذها أدت لتقليص انتشار الجائحة، وإنهاء الحظر الذي بدأ في أبريل، أدى لزيادة إنفاق المستهلكين في الاقتصاد، وهذا يعني زيادة الطلب على السلع والخدمات، كل هذا كان داعما للاقتصاد”،  ويضيف أن “اتفاق السعودية مع أوبك + لتخفيض الإنتاج، دفع أسعار النفط للارتفاع، ووصلت لمستويات الـ 50 دولارا، والأهم من ذلك الدعم والمحفزات التي قدمتها الحكومة للمواطنين، والقطاع الخاص بأكثر من 200 مليار ريال، كل هذه الأسباب أدت لتقليص الانكماش الاقتصادي، وجاءت أقل بكثير من التي توقعها صندوق النقد الدولي”.

عبدالله المغلوث

ويتوقع بن جمعة أن يواصل الاقتصاد السعودي تحسنه في 2021، متسائلا “ما هو الأهم للسعودية؟ الأهم هو سوق النفط، ويتوقع أن يكون الطلب أكثر من العام 2020 ولكن بوتيرة متباطئة، وإذا حافظ النفط على سعره الحالي 55 دولارا سيكون أمرا جيدا للمالية السعودية”.

الشميمري: انخفاض سعر الفائدة يشجع على تحسن الاقتصاد بشكل أسرع وينعش الأسواق

بن جمعة: توقعات باستمرار تحسن أسعار النفط مما ينعكس بشكل إيجابي على الموازنة السعودية

149 مبادرة دعم حكومية عبر حزم متنوعة تجاوزت 214 مليار ريال وتخفيض الإنفاق التشغيلي

خطط كبيرة

تنوى وزارة المالية الاستمرار في خصخصة العديد من القطاعات الحكومية، خاصة في قطاعات الرعاية الصحية والتعليم وتحلية ومعالجة المياه، وأيضا في قطاع الموانئ، بما تبلغ قيمته 15 مليار ريال في 2021. كما تخطط الوزارة لتوفير نفقات الموازنة من خلال إيرادات النفط، ورفع مستوى الإيرادات غير النفطية، إضافة للسحب من أرباح صندوق الاستثمارات العامة بشكل استثنائي، كإجراء لمرة واحدة، وهو ما كشف عنه وزير المالية محمد الجدعان الذي ذكر أنهم “طلبوا جزءاً من توزيعات الأرباح، لذا من المحتمل أن نتلقى حوالي 15 إلى 25 مليار ريال كتوزيعات أرباح من صندوق الاستثمارات العامة”، مشددا على أن هذا الإجراء كان قراراً استثنائياً، وأن الحكومة لا تخطط بشكل عام لطلب توزيعات أرباح من الصندوق في المستقبل. كما أكد الجدعان أنه ليست هناك خطط حالية لرفع الضرائب، أو فرض ضريبة على الدخل على المدى القريب أو المتوسط.

عبدالله باعشن

وأضاف الجدعان أنه تم توفير أكثر من 350 مليار ريال من خلال رفع كفاءة الإنفاق منذ 2017 من خلال حسن إدارة أزمة الطاقة، كاشفا أن صندوق الاستثمارات العامة سيواصل توسيع نشاطاته في السنوات المقبلة، مؤكدا أن أغلب قطاعات الاقتصاد في البلاد بدأت التعافي من تأثير كورونا، والتعافي في الربعين الأخيرين من العام 2020 يبشر بمؤشرات اقتصادية جيدة في 2021.

محمد الشميمري

ويؤكد المحلل الاقتصادي رئيس مجلس إدارة تيم ون للاستشارات المالية عبدالله باعشن، في حديثه لـ “الاقتصاد” أن موازنة 2021 اعتمدت على ثلاثة عناصر هي الإيرادات، والنفقات، وتحدي العجز المستقبلي، نتيجة استمرار الإنفاق للوصول لأهداف التنمية، إضافة للتحوط وأخذ اعتبارات المخاطر والتغييرات الاقتصادية المحلية والعالمية، وأهم الأرقام التي يجدر الإشارة إليها في موازنة 2021 هي رقم الإنفاق المتوقع عند 990 مليارا وكذلك العجز المتوقع عند 141 مليارا، فيما كان العجز الفعلي لعام 2020 نحو 300 مليار ريال، والملاحظ من هذه الأرقام هو حجم الإنفاق الكبير الذي قدمته الدولة من أجل الحفاظ على مستويات المعيشة، استمر عند مستويات مرتفعة ولم يتم تطبيق الميزانية الانكماشية، مضيفا أن الاقتصاد السعودي يمر بمرحلة تغير وتطور، بعد 8 عقود من صناعة النفط، والاعتماد الكلي عليها، وقد أسهمت رؤية 2030 في تسريع هذا التطور بهدف الابتعاد عن هيمنة النفط على الاقتصاد.

ويضيف باعشن، أن التخطيط المالي، وموازنة الدولة، يعتبر من أهم محركات الاقتصاد، وظلت هذه الموازنة متحولة بهدف التنمية المستمرة، وضخ وإيجاد مناشط تحقق التنوع الاقتصادي، ويضيف أنه لأول مرة منذ عقود بدأت تظهر مناشط اقتصادية يُستثمر فيها بأرقام وموازنات ضخمة، لأن الهدف هو البنية الأساسية للاقتصاد، وتحقيق الكفاءة المالية، وإيجاد أصول جيدة تكون داعما لمسيرة الاقتصاد السعودي الجديد، وبتحليل هذه الأرقام، نجد أن الاقتصاد لم يكن يهدف لتجاوز التحديات فقط، ولكن سار بخط متوازن وبأهداف متحققة، للاستمرار في توجهاته، وأفضل العلامات في ذلك، هو تحسن أداء الأجهزة الحكومية، التنفيذية والتشريعية، لأن الاقتصاد يعتمد على نظريات وأسس، وليس على الفعل وردة الفعل فقط، فما يميز المرحلة القادمة، هو تحديد المشكلة وإيجاد الحلول لها، باستخدام أدوات الهندسة المالية، من تخصيص ومشاركة الاستثمار بمصادر متنوعة، تقدم نفسها بأن هناك فرصا جاذبة، وإمكانيات عالية.

ويشدد باعشن على أن عام 2020 كان محطة التحدي الأولى، واستطاع الاقتصاد السعودي تجاوزه بأقل الخسائر الممكنة، فقد كان تذبذب أسعار النفط والتغييرات في خارطة صناعته، تحديا حقيقيا، نجح الاقتصاد السعودي في إدارته وأن يعيد هيكلة وهندسة أثر النفط على اقتصاديات العالم ككل، بتكوين تكتل منتجي النفط المهمين من داخل أوبك وخارجها، والالتزام بكمية الإنتاج كوسيلة للوصول لتعافي الأسعار، والتحدي الآخر، كان التحدي الصحي، وانعكاساته الاقتصادية وشل معظم الأنشطة، ليس محليا فقط، بل على المستوى العالمي، وكان هناك تعامل مثالي مع الأزمة.

فهد بن جمعة

عام استثنائي

كان عام 2020 استثنائيا، بسبب تأثير فيروس كورونا وتراجع أسعار النفط العالمية عن أرقام الميزانية، مما أدى لانخفاض الإيرادات العامة النفطية وغير النفطية العام إلى 770 مليار ريال، بينما حصلت زيادة في الإنفاق بنحو %5 مقارنة بالتقديرات الأولية، وهو ما تسبب في ارتفاع العجز في الموازنة بنسبة %12 من الناتج المحلي الإجمالي، بحوالي 298 مليار ريال.

وتتوقع وزارة المالية أن ينخفض العجز عام 2021 ليصل إلى نحو %5.1 من الناتج المحلي الإجمالي، وأظهرت بيانات النصف الأول من العام 2020 وفق ما ُنشر من قبل الهيئة العامة للإحصاء تراجعًا للناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة %4، وشهد الناتج النفطي الحقيقي تراجعا بمعدل %4.9 نتيجة خفض إنتاج النفط بشـكل كبير في الربع الثاني من 2020 التزاما باتفاقية “أوبك بلس، كما شهد الناتج غير النفطي الحقيقي تراجعا خلال النصف الأول من 2020 بمعدل %3.3، وهو أقل انخفاضا من التوقعات المحلية والدولية، كما يعتبر من الأقل تراجعا مقارنة بالدول الأخرى خاصة دول العشرين.

ويؤكد خبراء اقتصاديون أن الوضع كان يمكن أن يكون أكثر قسوة، غير أن الإجراءات التي اتخذتها وزارة المالية منذ مارس 2020، أسهمت في إنقاذ اقتصاد البلاد، وبسببها بدأت غالبية القطاعات في التعافي، وهو ما يبشر بمؤشرات اقتصادية أفضل عام 2021. وأسهم وصول استحقاقات الدعم للقطاع الخاص خلال 4 إلى 5 أسابيع في منح الاقتصاد المحلي زخماً أكبر، وكانت إحدى الاستراتيجيات المستخدمة لاستبقاء نقد نشط لدى القطاع.

وشمل الدعم الحكومي 149 مبادرة، شملت حزم دعم متنوعة تجاوزت 214 مليار ريال، ودعم الإيرادات غير النفطية وتخفيض الإنفاق التشغيلي، إضافة إلى تأخير أو إلغاء بعض المشاريع، وهو ما ساهم في تخفيف وطأة التراجع الاقتصادي العالمي على الاقتصاد السعودي.

وأسهمت هذه الخطوات بشكل مباشر في تخفيف الاعتماد على النفط والاستمرار في الإنفاق على المشاريع وتنفيذ الإصلاحات وتجاوز آثار وتداعيات الأزمة العالمية، إضافة إلى رفع كفاءة الإنفاق الحكومي والحد من الهدر ومحاربة الفساد.

ويؤكد المحلل الاقتصادي الخبير في الموازنات علي الجعفري أن أول ما يلفت النظر في الموازنة، هو استمرار الإنفاق خاصة على قطاعي الصحة والتعليم، ويقول لـ “الاقتصاد” إن كورونا خلال العام 2020، كلفت الكثير من الإنفاق على الصحة، والتركيز على هذين القطاعين أمر بالغ الأهمية، إضافة للتركيز على البنية التحتية، حيث كان هناك تركيز على مبادرة الأمن الدوائي والأمن الغذائي، مثل هذه الأمور مهمة جدا خلال المرحلة المقبلة، إضافة لاستمرار برامج الابتعاث، والتوجه لدعم الإسكان أكثر، وتدعيم الموارد البشرية، والموازنة كأرقام تعتبر جيدة، وما تزال مرتفعة، وهذا يعكس قوة ومتانة الاقتصاد السعودي، والمتوقع أن ينخفض العجز أكثر رغم الإنفاق العام، صحيح أن الدين العام سيرتفع ولكنه سيكون في الحدود الطبيعية للناتج المحلي الحقيقي.

ويشدد الجعفري على أن هناك توقعات بارتفاع الناتج المحلي أكثر، خاصة مع فتح باب التصدير للعراق، وزيادة الإنتاج في قطاع البتروكيماويات، والتناغم المرتفع بين القطاع الخاص والعام، وهناك توجه نحو دعم البنية التحتية، ورفع الاستثمار في السياحة، وقطاع التعدين، وهو من أهم القطاعات المستهدفة، أيضا هناك استهداف لإنتاج 120 ألف طن من الأسماك، وهذا سيزيد من الأمن الغذائي، فهناك دعم أكبر لتنمية قطاع الثروة السمكية.

الكثير من التحديات

موازنة 2021 أمام عدة تحديات، لن يكون من السهل الوقوف أمامها، أبرزها استمرار الأثر السلبي لجائحة كورونا، ودخول موجات جديدة من الوباء، وانخفاض معدلات نمو الاقتصاد العالمي الذي يؤثر سلبا على الطلب على النفط وأسعاره، ويتسبب في ارتفاع مستوى تقلبات الأسعار، على الرغم من الجهود المبذولة عالميا لتنويع الاقتصاد وتحريك عجلته.

ويؤكد المحلل الاقتصادي عبدالله المغلوث أنه سيكون هناك الكثير من التحديات التي ستواجه الاقتصاد السعودي خلال العام 2021، أهمها مخاطر انتشار موجه ثانية من فيروس كورونا، والذي بدأ يظهر في أوربا حاليا، وهو ما يهدد الاقتصاد العالمي ويلقي بظلاله على الاقتصاد السعودي بالتبعية، إضافة لمخاطر هبوط أسعار النفط بسبب ذلك، ويشدد في حديثه  لـ “الاقتصاد” على أن موازنة 2021 هي الدليل الذي يؤكد أننا على النهج الصحيح لنحقق رؤية 2030، ويقول إن السعودية باتت اليوم مضرب المثل لسرعة التطّور والنجاح الاقتصادي، والتعليمي، والصناعي، وهو ما يؤكد سير البلاد في طريقها الصحيح، والتركيز على توجيه إيراداتها الضخمة لمصروفات تدعم الرؤية، مثل دعم التعليم والصحة وكذلك البنية التحتية الضرورية التي تساعد على النهوض باقتصاد الوطن ليكون في مقدمة العالم، ويضيف أن ما تنتهجه السعودية حاليًا في ظل المكافحة العالمية للجائحة يعتبر مضربا للمثل ودرسا لجميع الدول في كيفية مجابهة مثل هذه المخاطر مع الحفاظ على صحة المواطن والمقيم وإبقائها كأولوية للمحافظة على الأرواح دون النظر لأية عواقب مادية.

ويبين المغلوث أن السعودية شهدت تطورا ملحوظا من خلال تنويع مصادر الدخل للدولة والابتعاد عن التركيز على النفط كمصدر رئيسي للدخل، مضيفا أن الاقتصاد السعودي مرتكز على أساسات صلبة تمكّنه من تجاوز أية أزمات سواء كانت مالية أو اقتصادية، وتملك السعودية كل المقومات التي تجعلها تتصدر قوائم الدول المتقدمة صناعيًا واقتصاديًا وسياحيًا، وقد عززت السياسة المالية التي اتبعتها وزارة المالية وحسن إدارتها من دور صندوق الاستثمارات العامة وصندوق التنمية الوطني وبقية الصناديق التنموية في تنويع القاعدة الاستثمارية من أجل دعم الاقتصاد الوطني، لأن هناك فرصاً استثمارية مالية واعدة تسهم في الارتقاء بالاقتصاد الوطني، وهو ما يزداد أهمية في أوقات الأزمات.

من جانبه يؤكد علي الجعفري أن وزارة المالية ستكون أمام تحديات كثيرة خاصة عدم استقرار أسعار النفط جراء استمرار جائحة كورونا وتأثيرها على النمو الاقتصادي العالمي، ويقول إن هناك انخفاضا في نمو الاقتصاد العالمي، وهذا بلا شك سيلقي بظلاله على السعودية، وعلى الدول المعتمدة على تصدير النفط والبتروكيماويات، مشيرا إلى أن تقلبات أسعار النفط قد تستمر رغم التوقعات بأن تكون الأسعار جيدة في العام 2021.

ارتفاع كبير

فور الإعلان عن الميزانية، ارتفعت الأسهم السعودية بنحو %0.7 لتغلق عند 8721 نقطة، رابحة 61 نقطة، بينما زاد مؤشر إم تي 30 الذي يقيس أداء الأسهم القيادية تسع نقاط بنحو %0.86، ليغلق عند 1164 نقطة، ليظهر دعم الأسهم القيادية للتحرك الإيجابي للسوق، وتفاعلا مع تصريحات المسؤولين المصاحبة للميزانية، حيث تم تأكيد رفع مساهمة الصناعة والتعدين في الناتج المحلي الإجمالي إلى 400 مليار ريال في 2025، واستمرار دعم القطاع الخاص وتمكينه لقيادة النمو الاقتصادي، إضافة إلى استمرار الإنفاق العام بشكل مباشر وغير مباشر عن طريق الصناديق.

ولم يكن تحرك السوق حادا نتيجة الإعلان الربعي للميزانية والإعلان التمهيدي للموازنة، ما يساعد السوق على توقعاته، ويؤكد المحلل المالي المختص في سوق الأسهم السعودية محمد الشميمري أن الأسواق تتفاعل عادة مع جميع العوامل الاقتصادية المباشرة، وغير المباشرة، مشددا على أن الموازنة القياسية لعام 2021 كان لها دور بالتفاؤل في المستقبل، خاصة أن العجز المتوقع محدود. ويقول لـ “الاقتصاد” إن الأوضاع في السياسة النقدية السعودية، التي يصدرها البنك المركزي السعودي “ساما” مازالت ملائمة، لأن الفائدة سواء معدل الشراء المعاكس “الريبو”، عند أدني معدل تاريخي له عند %1، وأيضا “السيابور” وهو معدل القروض بين البنوك مازال منخفضا عند 81 نقطة أساس، هذه العوامل تجعل السيولة تتجه لسوق الأسهم، لأنها تعطي عوائد حتى مع ارتفاع المخاطر، تكون أعلى من قليلة المخاطر، وتوجد توزيعات مجدية في سوق الأسهم السعودية حتى مع أزمة كورونا، ثم إن انخفاض معدل تكلفة الإقراض يدفع الشركات للتوسع في الإقراض لاستغلال النسبة المتدنية حاليا، ولهذا ستستمر الإيجابية في السوق في عام 2021، وإعلان الموازنة كان حافزا كبيرا لمساندة هذه الإيجابية.

ويشدد الشميمري على أن الارتفاع لم يكن حادا، بل كان متوقعا، خاصة أنها جاءت في نهاية السنة، وفي هذا الوقت تبدأ الصناديق في إعادة ترتيب أوراقها بعضها يزيد من مكاسبه بجني الأرباح، وبعضها ينتظر نتائج الربع الرابع، الارتفاع بشكل عام كان جيدا، والتذبذب كان في قطاع محدود، والعوائد كانت مميزة، وعموما هناك تحسن في أداء الاقتصاد السعودي، وبالمعطيات الحالية نتوقع أن يكون عام 2021 عاما إيجابيا، خاصة على سوق الأسهم. في ظل الإجراءات التي قامت بها وزارة المالية لتحفيز الاقتصاد، ومع توفر اللقاح سيكون هناك رجوع كامل للنشاط الاقتصادي مما يدعم أداء الشركات، وهناك ارتفاع في أسعار النفط، وتوقعات أن يصل لمتوسط 60 دولارا، إضافة لارتفاع صادرات البتروكميكال.

استدامة وتمكين الاستثمار

وقد ناقشت جلسة استدامة وتمكين الاستثمار في دعم الاقتصاد المحلي ضمن جلسات منتدى الميزانية، مستقبل الاستثمارات في المملكة بعد جائحة كورونا، والاستثمار في المملكة ومحفزات المستقبل، وأدوار الصناديق الحكومية في تحفيز الاستثمار بالقطاعات الجديدة، وتعزيز دور الصناديق في دفع التنمية الاقتصادية فيما بعد الجائحة والإنفاق على المشاريع الكبرى.

خلال الجلسة، أكد وزير الطاقة الأمير عبدالعزيز بن سلمان، أن تنويع الدخل وعدم الاعتماد بشكل كبير على إيرادات النفط، هو ما ينسجم مع رؤية 2030 التي تستهدف التنويع، مشددا على أن السعودية لم تعد الآن عرضة للمراهنات على أسعار النفط، لافتا إلى أن حالة السوق البترولية، تحسنت بشكل كبير كنتاج لقدرة قيادة السعودية، التي قامت بعمل جبار وكبير باستخدام الأدوات المتاحة لها.

من جانبه أكد محافظ صندوق الاستثمارات العامة ياسر الرميان أن الصندوق سيلتزم باستثمار 150 مليار ريال في عامي 2021/2022 داخل الاقتصاد المحلي، وسيزداد المبلغ سنوياً حتى عام 2030، مشيراً إلى أن الصندوق نظر خلال جائحة كورونا إلى الأسواق العالمية كفرصة مميزة للاستثمار مما نتج عنه عوائد مالية مجزية، معتمداً على ثلاثة محاور أساسية تتمثل في اقتناص الفرص، والاستثمار الاستراتيجي والدولي.

في الجلسة ذاتها أكد وزير التعليم حمد آل الشيخ، أن وزارته جعلت من كفاءة الإنفاق هدفاً استراتيجياً في عملها، مؤكدا أن قطاع التعليم في المملكة يأتي ضمن أولويات القيادة بما خصص له من ميزانيات بلغت 186 مليار ريال، لمواكبة التطلعات المستقبلية في تمكين هذا القطاع من دوره التنموي والاقتصادي، بما يتفق مع رؤية 2030.

فيما كشف وزير الصناعة والثروة المعدنية بندر الخريف، أن السعودية أصدرت 800 رخصة صناعية خلال الأزمة رغم التحديات، مشيرا إلى أن القطاع الصناعي مؤهل لانطلاقة جديدة مبنية على ما جرى تحقيقه في الماضي، موضحا أن الوزارة تلقت 500 طلب للاستفادة من فرص نظام التعدين المتاحة.