نافذة

تاريخ تجارة.. سلَع الترف

دعونا نؤمن بالقول الاقتصادي إن الحاجة والندرة كانتا وما تزالان عماد التبادل التجاري بين البلدان. وبإمكاننا القول إن الترف والبذخ والرغد والتنعّم جاءت لاحقا. همّ قاطن جزيرة العرب في وقت مضى هو الحصول والحفاظ على ما يسدّ به رمقه من مطعم ومشرب وسهولة اتقاء البرد بالملبس. ومن تلك الناحية التقط سكان الجزيرة ما يكفي من الزرع والمرعى. قال شاعر ذلك الزمن:

انا لي ديرةٍ أخصّها عن ساير الأوطان

إلا شان الزمان يْموّنهْ ماها ومرعاها

والبيت واضح المعني، وهو ضمن قصيدة يريد الشاعر أن يقول الماء يأتي بالتمر والحنطة، بينما يأتي من المرعى سلع غذائية، الحليب والزبد والسمن، وسلع تدفئة كالوبَر والصوف.

وأزعم أن بدايات البحث عن سلع الترف والتنعّم لم تأتِ في عهد النفط، بل أحضرها التجار من الشام وبلاد فارس، فالأولى مدتنا بكل أدوات صنع القهوة كالنجر والمحماسة ودلال القهوة التى توحي بالمقام الرفيع لمستعملها، “دلال رسلان” وقد وردتْ أسماء الماركة في قصائد شعر نبطي، عندما يريد الشاعر مدح المضيّف.

ثم استوردنا من إيران مخلتف أصناف السجاد والبُسُط ذات التطريز النادر، وكانت الحكومة السعودية تستحصل الجمرك على السجادة أو الزولية حسب نوعها. وتعمد المنافذ إلى ختم الزولية بواسطة رصاص مُذاب ومختوم على الخيوط المتدلية، لكي يستطيع التاجر أن يعرضها في السوق.

السجاد سلعة رخاء وسعة، ويحرص ذوو الجاه والمكانة المالية والاجتماعية على اقتناء أفضل أنواع السجاد “الزّلّ” وفرشه في القسم الرجالي “القهوة” من منزله، لكي يراه الضيوف ويجلسون عليه، قبل أن نهتم بأنواع الساعات فى نهايات الأربعينات من القرن الميلادي الماضي انجذبنا وأعتقد أننا ما نزال.

ولا أراني دقيقا لو اعتقدت أن سلع الترف جاءت إلى بلادنا مع سعة العيش، فقد اشتهرت المناطق الجنوبية من المملكة منذ آلاف السنين بإنتاج العديد من السلع الاقتصادية التي لبت حاجات المجتمع والحضارات القديمة في ذلك الزمن، ومن ذلك صناعة البخور والعطور التي أعد لها الأهالي وسائل نقل بدائية لإيصالها إلى العالم عبر قوافل تجارية رسمت طرقها في جنوب الجزيرة العرب ممتدة ما بين مكة المكرمة والمدينة المنورة، وصولًا إلى الشام شمالاً، والأحساء والبحرين شرقاً، ومنها إلى مناطق أبعد، وبرز من هذه الطرق ما يسمى بطريق “درب البخور”.

وعُرف “درب البخور” في رحلات الأبحاث والتنقيب عن آثار جزيرة العرب، وأشغل هذا الطريق الكثير من الباحثين باعتباره شرياناً اقتصادياً، وعلامة حضارية تدل على القرون الميلادية الأولى في أرض شبه الجزيرة.