زراعة

السياحة الزراعية .. الكنز الخفي

“الفاو”: تعزيز السياحة الزراعية كفيل بدعم التنمية الريفية

خدمات متعددة تقدمها الهيئة العامة للسياحة والآثار للمزارعين

“أرياف” برنامج للسياحة الزراعية ويسعى إلى تحقيق دخل إضافي للمزارعين وتنمية الحركة السياحية

كان عام 2020 استثنائيا بكل المقاييس، حيث عانى القطاع السياحي من ركود لم يشهده في تاريخه، مع الخسائر الهائلة بسبب جائحة كورونا. وبالرغم من ذلك فإن منظمة السياحة العالمية احتفلت هذا العام تحت شعار “السياحة والتنمية الريفية” وتعزيزهما في جميع أنحاء العالم، ووجهت المنظمة رسالة للعالم سلطت فيها الضوء على الأهمية القصوى للسياحة الريفية وكيفية توفيرها للفرص والتمكين الاقتصادي للجميع.

وفي منطقة الخليج العربي كانت السعودية هي السباقة في هذا المجال حيث أعلنت عن برنامج “أرياف” للسياحة الزراعية الذي يسعى إلى تحقيق عدد من الأهداف، منها توفير فرص عمل ومصدر دخل إضافي للمزارعين وتنمية الحركة السياحية وتمكين المزارعين من تسويق منتجاتهم، حيث تم إطلاق برنامج التنمية الريفية الزراعية المستدامة في السعودية 2020/2026م، بدعم مالي تجاوز 8 مليارات ريال.

ومن أبرز الدعم الذي حظيت به التنمية الريفية في السعودية، إطلاق خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز ـ يحفظه الله ـ برنامج التنمية الريفية الزراعية المستدامة في السعودية 2018/2025م، بدعم مالي سخي بلغ نحو 12 مليار ريال، بالتعاون مع منظمة الأغذية والتجارة للأمم المتحدة “الفاو”، انطلاقا من رؤية 2030 للإسهام في تحقيق تنمية اقتصادية واجتماعية متوازنة من خلال رفع الكفاءة والاستغلال الأمثل والمستدام للموارد الطبيعية الزراعية والمائية المتجددة، إضافة إلى الاستفادة من الميز النسبية في المناطق المختلفة حسب الموارد الطبيعية والإمكانات الزراعية وعدد السكان.

الرهان على مزارع التمور

تراهن السعودية على مهرجان التمور والأسرة في حائل، والسياحة الزراعية بالمدينة المنورة، وأثرها في التحول من الزراعة التقليدية لتحقيق عوائد استثمارية واقتصادية ترفع من مستوى مداخيل المزارع بالاستثمار الأمثل. وتحتل السعودية مكانة مهمة في زراعة النخيل وإنتاج التمور، وتعد من أهم الدول المنتجة للتمور، وتحتل المرتبة الثانية عالمياً في إنتاجه بنسبة %17 من مجمل الإنتاج العالمي.

وتتوفر بحائل أهم مزارع التمور ذات الجودة العالية كتمر “حلوة حائل” وغيرها من الأصناف التي تشتهر بها المنطقة، ويعد مركز القاعد الذي يقام به مهرجان التمور والأسرة من أجمل التضاريس السياحية بالمنطقة التي لديها بنية قوية للإنتاج الزراعي، حيث يتم حاليا العمل على إنهاء إجراءات استخراج التراخيص الزراعية السياحية لـ 14 مزرعة في حائل، وفقا للمشرف العام على القطاع الشمالي والشمال الغربي بوزارة البيئة والمياه والزراعة سلمان بن جارالله الصوينع.

ويقدم برنامج دعم السياحة الزراعية خدمة الإيواء الريفي التي تتميز بالمحافظة على البيئة النباتية والحيوانية ويكون تأثيرها أقل على البيئة الطبيعية خلال فترة الإنشاء وتسهم في رفع معدل السياحة وجذب السياح من خارج منطقة، وقد بلغ عدد أشجار النخيل في منطقة المدينة المنورة ما يزيد على 4 ملايين نخلة بكمية إنتاج سنوي 189 ألف طن، وذلك حسب الإحصائية الأخيرة التي أصدرتها الهيئة العامة للإحصاء.

الحياة الريفية السياحية

تمثل السياحة الزراعية أحد أهم مظاهر جذب المصطافين لمنطقة عسير، حيث ترتبط عادةً بزيارة المدرجات الزراعية التي تعد من أجمل مظاهر الحياة الريفية خاصةً في أوقات الصيف، وتحتضن هذه المدرجات سنابل “البُر” و”الشعير” و”الدخن” و”الذرة البيضاء” وغيرها من المحاصيل التي تشتهر بها المرتفعات الجبلية، وعموما فإن عسير تأسر الأنظار بجمالها، فيها تبرز المزارع الكبيرة التي تتوفر على وسائل الإنتاج الزراعي الحديثة كأحد أهم روافد الأمن الغذائي والجذب السياحي، وإنتاجها غزير من الفواكه الصيفية مثل: المشمش والرمان والعنب والخوخ والتفاح والبرتقال، وأضافت لها السياحة قيمة متفردة، في ظل الإقبال الكبير على هذه المنتجات.

وساهم نشاط الحركة السياحية الداخلية الكبيرة التي شهدتها منطقة عسير في تشجيع أبنائها على التوسع والتطوير في مشاريع سياحية فريدة ونوعية بأيدٍ سعودية بنسبة %100 مقارنة بالعام 2019م، ويعمل أهالي المنطقة وفق المعطيات السياحية بما في ذلك القرى الأثرية والقلاع والمزارع الجبلية لتتحول إلى علامات تجارية، الأمر الذي أسهم في رفع نسبة الإشغال بشكل عزز حضور الاستثمار المحلي وتطوير منظومة العمل في مجال السياحة والفندقة وتعزيز حضور التراث القديم وفق برامج حديثة تتوافق مع متطلبات العصر.

ويعد مشروع “خيرات عسير” الذي أطلقه الأمير تركي بن طلال بن عبدالعزيز أمير منطقة عسير من أهم المشاريع وجعل السياحة الزراعية تلقى دعما كبيرا، ويهدف المشروع إلى تسويق المنتجات الزراعية المحلية التي تعبر عن هوية المنطقة الزراعية وتميزها في هذا الجانب من آلاف السنين، إضافة إلى تعريف زوار المنطقة بأبرز ملامح الإنتاج الزراعي، ودعم المزارعين في جميع المجالات التسويقية وتقنيات تطوير الإنتاج، وتقديم الاستشارات الزراعية والنصائح الإرشادية للمزارعين والزوار، والتعرّف على المبادرات والقروض الزراعية والدعم المستمر الذي توليه حكومة خادم الحرمين الشريفين للمزارعين في السعودية، واشتهرت محافظة بيشة كذلك بمهرجان “الصفري” للتمور، الذي يستقطب الزوار من مناطق المملكة ودول الخليج العربية، ويعرض سنوياً أكثر من 60 ألف طن تمثل تمور “الصفري”.

وتراهن المنطقة على تجربة فتية وهي زراعة الورود لتنمية السياحة الزراعية حيث أصبحت زراعة الورد والنباتات العطرية في المنطقة عامل جذب سياحي مهما، في ظل وجود مزارع في المنطقة تصنف ضمن الأكبر في السعودية مثل: مزرعة الورد الواقعة شمال مدينة أبها على مساحة 250 ألف متر مربع، حيث تُزرع فيها أكثر من 40 مليون وردة في السنة، وتستقبل هذه المزرعة الزوار والسياح من عشاق الورد والمناظر الطبيعية، كما تُنتج العديد من العطور مثل: ماء الورد وعطر ودهن الورد وبعض المنتجات المتعلقة بالورد كالكريمات، كما تضم المزرعة معمل تقطير لاستخلاص الورد ينتج حوالي 120 ألف عبوة سنويا.

الأحساء أكبر واحة قائمة

دخلت واحة الأحساء الواقعة بالمنطقة الشرقية في السعودية موسوعة غينيس للأرقام القياسية، بوصفها أكبر واحة قائمة بذاتها في العالم، فهي تضم 2.5 مليون نخلة تتغذى من طبقة المياه الجوفية الضخمة، عبر 280 بئرا ارتوازية، على مساحة تتجاوز 85.4 كيلو متر مربع، بحسب ما أورده موقع غينيس الإلكتروني.

وتعد الأحساء أحد مواقع السعودية المسجلة في قائمة التراث العالمي في الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة “اليونسكو”، بجانب مدينة الحِجر في العُلا، وحي الطّريف في الدّرعية التاريخية، وجدة التاريخية، ومواقع الرسوم الصخرية في جبة والشويمس في حائل.

وتتميز الأحساء بتدفق كميات التمور وتنوعها، إضافةً إلى الجودة النوعية التي تحملها التمور الواردة لمزاد موسم صرام تمور الأحساء 2020 الذي نُظم خلال أكتوبر الماضي. وشهدت ساحة المزاد دخول أكثر من 313 مركبة محملة من التمور، حيث سجل تمر “الخلاص” في منصة التمور المميزة أعلى سعر بقيمة 40 ألف ريال للمن الواحد، والذي يعد الأعلى سعر خلال الموسم الحالي.

وبلغت مبيعات التمور خلال موسم صرام تمور الأحساء 2020 أكثر من 3.5 مليون ريال، حيث يعد المزاد السوق الرئيسية لبيع التمور بعد نضجها في محافظة الأحساء، وقد تم بيع 4183 مَن أي حوالي مليون كيلو جرام من التمور، كما شهد المزاد الاستقرار النسبي في أسعار البيع محققًا متوسطًا سعريًا بـ 900 ريال للمَن.

ونفذت محافظة الأحساء خلال العام 2020 عددًا من المشروعات التنموية والخدمية، توزعت على أرجاء حاضرة المحافظة ومدنها وقراها للارتقاء بخدماتها وفق خطط وإجراءات ومبادرات تلبي احتياجات المواطنين، ومواكبةً لبرنامج التحول الوطني، وتستعد أمانة الأحساء لتدشين 14 حديقة، حسب خطة مشاريع أنسنة المدن، تم تنفيذ 8 حدائق، والبقية في الربع الأول من العام 2021، وتشمل الحدائق الثماني التي يتم تدشينها حديقة الكوت وسط الهفوف التاريخية، وحديقة حي الفيصل، وحي اليرموك، وطريق الملك عبدالله “الضلع الشرقي”، وحي الشروفية، والطرف، وحي البستان.

المشاريع الريفية

وتستفيد مشاريع المزارع السياحية من الدعم الحكومي والقروض من صندوق التنمية الزراعية، والحصول الدعم الفني والإداري بدون مقابل من قبل الهيئة العامة السياحة والجهات المشرفة على السياحة الزراعية، وتساهم القروض في التكاليف الاستثمارية والتشغيلية للمنشآت السياحية داخل المزارع المرخصة بتمويل مباشر من الصندوق بقروض طويلة الأجل.

وقد أعلن فرع وزارة البيئة والمياه والزراعة بمنطقة مكة المكرمة عن بدء قبول طلبات دعم برنامج التنمية الريفية الزراعية المستدامة بالمنطقة خلال الفترة الماضية.

وتعتبر بوابة “ريف” الإلكترونية، التي أطلقتها الوزارة وسيلة لخدمة مستفيدي برنامج التنمية الريفية الزراعية المستدامة، ولتمكينهم من التسجيل وتقديم بياناتهم للحصول على دعم مادي يسهم في تنمية أنشطتهم الزراعية.

ووفقا للوزارة فإن برنامج “ريف” يهدف إلى تحسين القطاع الزراعي الريفي، ورفع مستوى معيشة صغار المزارعين، وزيادة الكفاءة والإنتاجية، وتحسين نمط الحياة، حيث تستقبل البوابة طلبات المستفيدين من القطاعات المختلفة التي يستهدفها البرنامج، من مختصي تربية النحل، ومنتجي البن العربي، والورد، والمحاصيل البعلية والفاكهة المستهدفة بالدعم، ليتم بعد ذلك تقديم الدعم المادي المباشر إلى جانب برامج تطويرية للمزارعين المسجلين بعد مراجعة طلباتهم.

وتسعى الوزارة إلى توفير %43 من الاحتياجات الكلية من الطاقة الغذائية لسكان المناطق المستهدفة، ونحو %19 من الاحتياجات الإجمالية للسعودية، إضافة إلى ضمان سهولة الحصول على الغذاء، واستهلاك غذاء آمن وصحي، وتوفير إمدادات غذائية مستقرة، وفقا لمستهدفات رؤية 2030.