رجل وزمان

عبدالرحمن أبالخيل.. نصير العمال، وسند الفقراء!

دعم الملك فيصل مكنه من إصدار نظام التأمينات الاجتماعية

كان يتقدم الاحتفالات لذكائه وجمال صوته وشجاعته

التحق بكلية الآداب بالقاهرة وكانت تقديراته متميزة طوال الدراسة

تفوقه ونبوغه وضعه في الدفعة الثانية للالتحاق بالبعثة السعودية في مصر

أعجب الملك فيصل بإخلاصه وأعاده من بيروت ليعمل داخل المملكة

وزير ودبلوماسي، جمع خبرات كثيرة تراكمت له في مجال التعليم والإدارة والدبلوماسية والعمل الاجتماعي، ولأنه يمتلك عزائم الرجال فقد أثر في كل من قابله، كما أثر فيمن حوله، كل من قابله شهد له بالإخلاص والوطنية والذكر الحسن. ظل وفيا لمسقط رأسه الذي لم يغب عن ذاكرته وحضوره رغم بعد المسافات.

ولد في أسرة موسرة، كان والده وجده يتاجران في العراق، وكان من أثرياء أهل عنيزة، وكان جده لأمه يتاجر في الهند، وكان خاله أول طبيب نجدي تخرج في جامعات الهند العام 1363هـ 1943م. أحب العلم وتشبث به وسافر للحصول على أعلى الشهادات من الخارج.

إنه الوزير والدبلوماسي عبد الرحمن بن عبد الله المنصور أبا الخيل، وقد اشتهر أجداده بتولي القضاء في عنيزة منتصف القرن 12 الهجري، كما اشتهر من عائلته الذين استقر بهم المقام في بريدة ابن عمه ونسيبه محمد العلي أبا الخيل وزير المالية والاقتصاد الوطني السبق.

ولادته ونشأته

ولد عبدالرحمن في عنيزة في رمضان عام 1345هـ 1927م، في منزل جده لأمه عبدالله بن حمد البسام التاجر المشهور بالهند، وخاله الطبيب حمد بن عبدالله البسام، عاش بين أخواله وبين عناية عمه صالح أبا الخيل، لأن والده عبدالله أبا الخيل كان أكثر إقامته هو ووالده منصور بالبصرة.

تعلم عبدالرحمن في عنيزة أبجديات القراءة والكتابة في الكُتاب عند المعلم الشيخ عبدالعزيز الدامغ ـ يرحمه الله ـ لكنه لم يدم طويلاً في الكُتاب، حيث انتقل إلى مدرسة المعلم والمربي الشيخ صالح بن صالح ـ يرحمه الله ـ التي افتتحها وكانت مدرسة حديثة في طريقها وأسلوبها ومنهجها، وفيها تعلّم عبدالرحمن وحفظ القرآن الكريم كاملا وتعلم بعض العلوم الشرعية والعربية على يد المعلم ابن صالح، ووجد المعلم من تلميذه حرصا على التعلم ونباهة، فتبناه معلمه علميا بالتشجيع والدعم المعنوي والتحفيز.

وقد برز عبدالرحمن في مدرسة ابن صالح الأهلية لذكائه وفطنته وحسن تربيته، وقد لاحظ ابن صالح ما يتمتع به تلميذه فكان يقدمه في الاحتفالات، وكذلك تقديم نشيد الصباح لجمال صوته وشجاعته وأداء ما يوكل إليه بحماسة وإتقان وجرأة.

وفي العام 1356هـ 1937م تم افتتاح أول مدرسة نظامية حكومية في عنيزة هي المدرسة العزيزية، وكانت نواتها هم طلاب مدرسة ابن صالح، وكان عبدالرحمن أول الملتحقين بها وقد وضع هو ومن كان معه في أعلى صف في الصف الثالث التحضيري، وكان من زملائه في هذا الفصل عبدالرحمن العليان وعبدالله وعبدالرحمن الشرقي وعلي السليمان الحمدان وعبدالله الحريقي.

وبعدما أنهى عبدالرحمن دراسته في المدرسة العزيزية سافر إلى البصرة حيث يقيم والده، حيث ألحقه والده بمدرسة النجاة بمدينة الزبير وهي من أشهر المدارس النظامية في ذلك الوقت، فدرس فيها 3 سنوات، وهكذا حظي بمدرستين نظاميتين جديدتين تنتهج الطرق الحديثة في التدريس والمقررات الدراسية، إلا أن الحياة لم ترق له في مدينة الزبير حيث لم يطق الابتعاد عن والدته، خاصة أن والده لم يرغب في إلحاقه بأية مدرسة ثانوية، وكانت مدرسة النجاة بقوة مناهجها بمثابة معهد يعادل المرحلة الثانوية أو تزيد، وعاد عبدالرحمن مرة أخرى للعيش مع أمه في عنيزة، وحينما عاد إليها بدأ أول خطوة في حياته العملية، حيث قام بالتدريس في المدرسة العزيزية بعنيزة.

أصدر نظاما متكاملا للعمل والعمال السعودي .. واهتم بإعداد الشباب

أبا الخيل أول وزير يعين عضوا بمجلس الشورى في دورته الأولى

ساهم في تأسيس مؤسسة المدينة للصحافة واختير مديرا لها 3 سنوات

“مؤسسة الرحمانية” تجربة عمل بالقطاع الخاص لم تكتمل فصولها

المدرسة الثانوية أعادته إلى عنيزة ومنها إلى المعهد العلمي بمكة

تدريس الحساب والهندسة

وعن هذه الفترة يقول عبدالرحمن أبا الخيل “بعد أن جئت إلى عنيزة وجدت المدرسة الحكومية قد افتتحت وكان الأساتذة فيها يعرفونني منذ كنت طالباً عندهم، وكانوا يتمنون أن يجدوا أشخاصاً يدرّسون معهم، واعتبروني في ذلك الوقت كخريج جامعة والمعلومات التي كانت لدي جيدة بالنسبة للتدريس سواء كانت دروس رياضيات أو حساب أو هندسة، وأقنعوني بأن أساعدهم في التدريس في المدرسة ووافقت والتحقت بالتدريس في المدرسة العزيزية، وقد قمت بتدريس الحساب والهندسة.

المعهد العلمي

ولحب عبدالرحمن للعلم فقد انتقل إلى مكة المكرمة لمواصلة الدراسة وإكمال مشواره العلمي، فدرس في المعهد العلمي السعودي بمكة المكرمة وانتظم فيه ثلاثة أعوام، وقد صادف أن تغير نظام المعهد فأصبح خمس سنوات بدلا من ثلاثة، وأعطي الطلاب خيارات، أن يستمروا على النظام القديم، أو يكملوا السنتين الباقيتين، وقد اختار عبدالرحمن أن يكمل السنتين مما أسرع بابتعاثه إلى مصر لإكمال تعليمه، وكان عبدالرحمن ضمن الدفعة الثانية التي التحقت بالبعثة السعودية إلى مصر.

وفي مكة اختلط بالمجتمع الطلابي والمكي واستفاد من أساتذة المعهد خاصة مديره أحمد العربي، وكذلك الأديب المشهور المعلم عبدالله بن عبدالجبار الذي كان يقيم مسامرات أدبية بين الطلاب، وقد أصبح بن عبدالجبار فيما بعد مسئولا عن البعثات الطلابية في مصر، وقد توثقت العلاقة بين بن عبدالجبار وبين تلميذه حيث ترك في نفسه أثرا كبيرا.

الرحلة إلى مصر

كانت مصر هي ثاني بلد يضع عبدالرحمن قدمه عليها بعد أن هام بحبها، حيث التحق بكلية الآداب جامعة فؤاد في 1947م، وكان من ضمن أساتذة الكلية في ذلك الوقت الدكتور طه حسين والدكتورة بنت الشاطئ، وتخرج فيها العام 1953م، كانت سنوات الدراسة متوالية ذاخرة بالذكريات والأيام وكانت تقديراته متميزة طوال مدة الدراسة. وبعد تخرّج عبدالرحمن رجع إلى وطنه السعودية.

ويقول عبدالرحمن إنني رجعت حاملا البكالوريوس إلى المملكة والشهادة التي أحملها في ذلك الوقت من الشهادات العليا والكبيرة والنادرة والتحقت بوزارة الخارجية مباشرة، وظللت تقريباً عامين في الخارجية ثم تم إيفادي أنا وبعض الزملاء إلى القاهرة كملحقين سياسيين، ومكثت في القاهرة مرة أخرى بعد دراستي فيها، ثم تم نقلي إلى السفارة السعودية في بيروت بنفس طبيعة العمل، وذلك لمدة ست سنوات تقريبا، ثم عدت إلى وزارة الخارجية بأمر من وزير الخارجية آنذاك الملك فيصل ـ يرحمه الله ـ حينما كان ولياً للعهد ووزيراً للخارجية، إلا أنه جاءه قرار رسمي بالانتقال من الخارجية إلى وزارة المالية مديراً عاماً بالوزارة، ثم عاد مرة أخرى إلى وزارة الخارجية، وفي مرحلة محددة انتقل إلى القطاع الخاص في شركة الإسمنت بجدة إعارة فقط، وكان عضواً منتدباً بالشركة.

وزيراً للعمل

في العام 1381هـ صدر القرار الملكي بتعيين عبدالرحمن أبا الخيل وزيراً للعمل والشئون الاجتماعية، وكانت وزارة جديدة حيث أنشئت 1380هـ 1960م وقد تولاها قبله وزيران، حيث كان أول وزير لها صاحب السمو الملكي الأمير فيصل بن تركي “الأول” بن عبدالعزيز ـ يرحمه الله ـ ثم ناصر المنقور، ثم عبدالرحمن أبا الخيل الذي ظل في هذه الوزارة مدة طويلة زادت على خمسة عشر عاما، وكان عدد العاملين في جهازها الإداري حين تولى مسئوليتها لا يزيد على 20 موظفا، وإبان توليه مسؤوليّة الوزارة دفع باتجاه إصدار أنظمة تحمي العمال خلال العمل وبعد التّقاعد، وافتتح إدارات للضّمان والرعاية الاجتماعيّة.

ويتحدث عبدالرحمن عن هذه المحطة المهمة في حياته ويقول “جئنا للوزارة وكانت فتية ولم تنتظم، لأنها كانت عبارة عن شعبة من وزارة المالية تشرف على أرامكو وعمالها، وكان كل عملها منصباً على العمل والعمال، وبعد أن توليت العمل فيها رغب سمو الأمير فيصل ـ الملك فيصل فيما بعد ـ أن تكون وزارة متكاملة، وتكوّنت بمساندة الأمير فيصل، الذي أمرنا أن نحضر خبراء سواء من داخل المملكة أو خارجها وإيجاد نظام شامل للعمل يلغى النظام القديم الخاص بأرامكو”.

ويتذكر عبدالرحمن مواقف كثيرة مع الملك فيصل، ويبدو أنّ الملك أعجب به خلال زيارته لبيروت وهو ضمن فريق السّفارة هناك، فقال له: تتعلّمون ثم تحرصون يا عبدالرّحمن على العمل خارج المملكة وتتركون أوطانكم! واستدعاه الملك للعمل داخل البلاد فور عودته من رحلته، وبعد أن اختاره وزيرًا في عهد الملك سعود، اقترح عليه تغيير أسماء دور وزارته إلى ألفاظ إيجابيّة تنفي عنها الحرج.

ويتذكر عبدالرحمن إنشاء مكاتب للضمان الاجتماعي في مدن المملكة ويتم الصرف عليها من الزكاة التي تُحصل وتُؤخذ من الأغنياء وتصرف على مصارفها، ويذكر أنه تم افتتاح 25 مكتباً للضمان الاجتماعي عُيِّن فيها 125 موظفاً، وبدأ العمل في هذه المكاتب عن حالات الفقراء والمطلقات والأرامل، وبدأت تصل هذه الحالات إلى المكاتب.

نظام التأمينات

ومن الأنظمة التي استحدثت في وزارة العمل كذلك نظام التأمينات الاجتماعية، ويذكر عبدالرحمن أنه اكتمل في مدة قصيرة بواسطة خبراء بمواد مريحة وممتازة، واستقدم الخبراء كذلك لأجل هذا النظام ونظام العمل، وهؤلاء الخبراء من منظمة العمل الدولية ومنظمة العمل العربية، ومن الخبراء في ديوان مجلس الوزراء وفي وزارة العمل، وتكوّنت لجنة تضع مواد وأسس هذا النظام، وبعد الدراسة الشرعية والنظامية أُقر، وصدر القرار الملكي للنظامين.

وعن نظام التأمينات الاجتماعية يقول وزير العمل والشؤون الاجتماعية السابق الدكتور يوسف العثيمين إن عبدالرحمن أبا الخيل استطاع أن يُصدر هذا النظام مع أنه كان محفوفاً بحساسيات شديدة، ولكن الحكمة والهدوء مع دعم “الفيصل” مكنته من إقراره، فكان منتجاً عظيماً في حينه، ثم استصدر نظاماً جديداً متكاملاً للعمل السعودي وما زالت أغلب نصوصه ومواده معمولاً بها حتى اليوم مع ما طرأ عليها من تعديلات، ويذكر د. العثيمين أن عبدالرحمن اهتم بإعداد الكوادر البشرية حيث جعل الوزارة تستقطب وتبتعث العشرات من الشباب للدراسات العليا خارج المملكة.

من سمات عبدالرّحمن أبا الخيل صناعة الرّجال، فتحت إدارته عمل وزراء وسفراء وشخصيّات تبوأت مناصب عليا، وأعظم القادة والإداريين هم أولئك الذي يغرسون المآثر ويصنعون التّعاقب الرّشيد، فكلّ عمل وقتي سيزول، ولن يُكتب البقاء إلا لمنجزات مفصليّة، ولمنتجات بشريّة من طراز رفيع، وقد نالهما عبدالرحمن في أعماله الحكوميّة ورجاله، كما نالهما بأعماله الخيريّة، وتربيته الكريمة لأبنائه وبناته، كما أن له على الرّياضة والشّباب يد إذ جمع شتاتهما في وزارة واحدة بالتّعاون مع إلفه الوزير الرّاحل الشّيخ حسن آل الشّيخ.

سفير في مصر

بعد رحلة وزارة العمل عُيِّن عبدالرحمن سفيراً للمملكة في مصر، بعد عقدين من الزمان أو أكثر منذ أن تركها بعد عمله في سفارتها ملحقا سياسيا، لكنه عاد ليمثل المملكة سفيرا حتى العام 1398هـ 1978م، وليست الدبلوماسية شيئا جديدا عليه، بل هو يعرف الدبلوماسية منذ وقت مبكر بعد تخرجه تعين في الخارجية ثم ملحقاً سياسياً في القاهرة وبيروت.

بعد ذلك عاد عبدالرحمن إلى العمل في القطاع الخاص حيث اختارته مؤسسة المدينة للصحافة ـ وهو أحد مؤسسيها ـ مديرا عاما لها 3 سنوات، كما جرب العمل في القطاع الخاص وافتتح مكتبا باسمه “مؤسسة الرحمانية” بجدة.

عضو شوري

في أوّل تكوين لمجلس الشورى الجديد عام وفي دورته الأولى 1414هـ 1993م اختاره الملك فهد بن عبدالعزيز ـ يرحمه الله ـ عضوا بالمجلس لمدة أربع سنوات، وغدا بذلك أوّل وزير يسمّى عضوًا في مجلس الشّورى، حيث وضع خبراته وتجربته في خدمة المجلس حتى انتهت عضويته.

حالته الاجتماعية

تزوج عبدالرحمن أبا الخيل ثلاث زوجات، وله من الأولاد عشرة، سبعة أبناء وثلاث بنات، كانت زوجته الأولى حصة الخليف، إلا أن هذه الزيجة لم تدم طويلا، وكانت زوجته الثانية صفية عبدالسميع وأنجب منها أيمن وبسام وبهاء وإيمان، وكانت زوجته الثالثة مها الجدعان وأنجب منها فيصل وفواز ومهنا ونجود والهنوف.

وفاته

في السابع والعشرين من شهر جمادى الأولى عام 1442هـ الموافق 11 يناير 2021م أسلم وزير العمل والشؤون الاجتماعية الأسبق عبدالرحمن بن عبدالله أبا الخيل الروح إثر أزمة قلبية ألمت به، عن عمر يناهز 97 عاما، ليطوي صفحة مشرقة من الكفاح والعطاء، وودعه الآلاف من محبيه وتلاميذه ومعارفه من كافة مدن المملكة، رحمه الله رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته.

قالوا عن عبدالرحمن أبا الخيل

عبدالله النعيم:

“في جميع أطوار حياته مدرساً في عنيزة وطالباً في مكة المكرمة والقاهرة وموظفاً في وزارتي الخارجية والمالية كان مجداً في عمله ودراسته، محبوباً من زملائه طلاباً أو موظفين، لدماثة أخلاقه وشفافية نفسه، وهو ممن يحاربون المركزية في العمل ويشجعون على إتاحة الفرصة للعاملين معه على الإنتاج، لذا فقد قدّم خطوة لم يسبقه إليها أحد وهي إعطاء صلاحية كاملة لكل وكيل”.

جميل الحجيلان:

“التقيت به عرضاً في دار البعثات السعودية في القاهرة، ما إن عرف مدينة الانتماء حتى كانت استجابته لذلك اللقاء حفية مفعمة بمشاعر الطيبة والترحيب الطيبة العفوية المتأصلة فيه، سمة بارزة من مكونات شخصيته”.

الدكتور رضا عبيد:

“الكتابة عن عبدالرحمن أبا الخيل يغلب عليها الحب والتقدير، هذه الشخصية الكبيرة في مقامها المتواضعة في سلوكها، الوفية لأصدقائها ومحبيها لا أجد ما أسميه إلاّ بالصديق الوفي، لأنه يدخل القلوب بحبه وتواضعه وكرمه ونبل أخلاقه، في كل مرة نجلس إليه نستفيد من خبراته الطويلة في خدمة الدولة في مختلف المجالات، وزيراً وسفيراً ومديراً عاماً، وعضواً بمجلس الشورى في دورته الأولى”.

تنويه

تم الاستعانة بكتاب الدكتور عبدالرحمن الصالح الشبيلي في إعداد هذا الموضوع والذي حمل عنوان “عبدالرحمن العبدالله أبا الخيل .. وفاء لوفاء