رجل وزمان

الحميضي.. يغزل خيوط النجاح من “القصب”

الجفاف أغرقه في الديون فهجر “القصب” إلى الرياض

خوفه من النجاح في الكويت دفعه للسفر إلى الرياض

بيت شعر في مجلس ابن الثنيان نقله من الرياض إلى الخبر

أول من أحضر رافعة للعمل في تفريغ السفن بـ “فرضة” الخبر

مهندس بترول أمريكي أدخله عالم المقاولات في أرامكو لأمانته

قصة المصحف ودفتر التسجيل الذي أنقذه من الديون التي أفلسته

“ردك” الكورية أوقفته عن العمل في موانئ المنطقة الشرقية

حريق الظهران جعل الريالات الفضية تسيل وتخرج من دكانه

العصامي من ساد بشرف نفسه، فهو يعتمد على نفسه حتى ينال الشرف والمجد، العصاميون بشر مثل غيرهم، لكن يميزهم العديد من الصفات والسمات التي تكون بارزة فيهم أكثر من غيرهم، ومن أهمها القدرة على صنع الذات، والاعتماد على النفس، والرؤية وتحديد الأهداف، والقدرة العالية في الإبداع، والمبادرة والمخاطرة، يصاحبها مستوى عالٍ من الطموح، وكذلك التفاؤل وعدم اليأس والقنوط، فإذا اجتمعت هذه الصفات في شخص كانت كفيلة بأن تجعل منه عصامياً ناجحاً يشق طريقه في الحياة بكل يسر وسهولة ويحقق أحلامه وطموحاته، فكل فرصة للفشل تعطيه دافعاً وحافزاً على الاستمرار والمثابرة من أجل الوصول إلى ما يطمح إليه.

إبراهيم بن محمد بن ناصر الحميضي إنسان جبل على حب النجاح والتميز في جميع أموره الحياتية، عاش فترة الفقر التي حلت بمنطقة نجد وعاصر تلك المرحلة التي لا ترحم ولا يخرج منها إلا المكافح الذي ينحت في الصخر، وعندما يجتمع اليتم والفقر، فتلك مصيبة أكبر، وليس أمامه إلا العمل والكد وهو في بداية شبابه، وكغيره من أبناء بلدته “القصب” اعتمد على زراعة الأرض التي تواجه شح المياه وتعتمد على الأمطار الموسمية، وعندما واجه قسوة الحياة حيث استدان ليحرث أرضه، إلا أن الحظ لم يحالفه، فاضطر إلى ترك قريته باحثا عن عمل في الرياض أو مصدر رزق، ورغم الضنك والفقر الذي عاش فيه إبراهيم الحميضي إلا أنه كان شاعرا فذا منذ صغره، لكنه مقل، يقول الشعر في بعض المناسبات والأحداث التي يعاصرها ويعايشها ويرتشف من منهلها ويرتوي من معينها.

ولادته ونشأته

ولد إبراهيم الحميضي عام 1338هـ الموافق 1918م في قرية “القصب” التي تقع في منطقة الوشم وتبعد عن الرياض حوالي 160 كيلو مترا لوالدين هما محمد بن ناصر الحميضي من بني تميم، ولطيفة بنت فهد الجلعود من قبيلة عنزة، وله أخوان أصيبا بمرض الجدري المنتشر وقتذاك، وتوفيا بهذا المرض إلا أن إبراهيم نجا منه. وكانت منطقة نجد تعيش حينها فقرا مدقعا وحياة مليئة بالأمراض ومنها الجدري الذي قضى على كثير من الناس، وكانت والدته حافظة للقرآن الكريم فعلمته أجزاء منه ثم ألحقته بالكتاتيب وبعد أن تعلم القراءة والكتابة اضطر للعمل بسبب الفقر وهو ابن الرابعة عشرة، ولم يكن في قريته عمل سوى الفلاحة، واضطر للاقتراض من تجار شقراء عاصمة الوشم ليستطيع زراعة الأرض وكسب العيش منها، وبسبب الجفاف الذي تشهده منطقته، تكالبت عليه الديون من كل جهة، فقرر أن يترك قريته بحثا عن مصدر رزق في مكان آخر.

رجل الأعمال الكويتي حمد الحميضي

رحلة العمل والحياة

في بداية رحلته العملية فكر في التوجه للكويت حيث يوجد ابن عمه  حمد الحميضي رجل الدولة عند حكام الكويت آل صباح ووالد سيدة الأعمال والشاعرة سعاد الحميضي رحمهم الله، لكنه فكر وتردد في السفر، وقال إن نجحت سينسب النجاح لابن عمه حمد الحميضي، وإن فشلت فالمصيبة أعظم، فقرر أن يذهب إلى الرياض، وعمل في بناء قصور الطين عند ابن ثنيان المقاول والمتذوق للشعر، حيث كان يجتمع في مجلسه بعض الشعراء كل مساء، ولم يعجب إبراهيم الحميضي العمل في البناء، فطلب من ابن ثنيان أن يعفيه، لكنه لم يوافق، ولأنه يعلم أنه شاعر اشترط عليه مجاراة الشاعر المعروف باسم “بحر” وكان يكبره كثيرا، حيث أن عمره ستون عاما، والحميضي خمسة عشر عاما، ودارت بينهما القصائد في مجلس ابن ثنيان إلى أن قال إبراهيم الحميضي بيته المشهور:

يا بحر ما نت ببحر        حيثك ما تروي ظماي

والذي على إثره انسحب بحر، فتبسم ابن ثنيان وقال له يمكنك الذهاب الآن، فكانت وجهته هذه المرة إلى المنطقة الشرقية، وتحديدا مدينة الخبر فتوجه بناقته إليها، وهناك تعرف على الأمير محمد بن ماضي الذي كان أميرا على مقاطعة الظهران وامتدحه إبراهيم بقصيدة جعلت ابن ماضي يدعوه لمجلسه، ونشأت صداقة بينهما واستمر ملازما له، حتى طلب ابن ماضي من الملك إعفاءه من منصبه، حيث غادر المنطقة الشرقية إلى بلدته روضة سدير بسبب مرضه.

البداية الفعلية للأعمال

بدأ إبراهيم الحميضي يشق طريقه في عالم الأعمال بعد أن رتب أوضاعه، فكانت بدايته العملية في ميناء الخبر، وهي أعمال تفريغ السفن من البضائع مستعينا بالعمالة المتواجدة آنذاك في الخبر، واستمر في تفريغ السفن يدويا بواسطة العمالة، وبعد أن جمع مبلغا من المال سافر إلى البحرين لشراء رافعة لتفريغ السفن بشكل أسرع وأكثر حداثة، وعندما وصل البحرين انبهر بالحضارة والنظام الإنجليزي في تلك الفترة، وتعرف على تاجر هندي اشترى منه رافعة صغيرة، أحضرها لميناء الخبر والذي كان يسمى حينها فرضة الخبر.

وقام إبراهيم بقيادة الرافعة أو ما يعرف بالكرين وتفريغ السفن الصغيرة وعمل فترة، حتى جمع مبلغا من المال، وفي تلك الأثناء كانت شركة أرامكو قد بدأت أعمالها فقام بافتتاح محل تجاري صغير لبيع المواد الغذائية، ونظرا لأمانته وحسن معاملته أصبح موظفو أرامكو يودعون عنده رواتبهم التي كانت بالريال الفضة لعدم وجود بنوك وقتها، وفتح إبراهيم لكل واحد منهم حسابا يخصم منه مشترياته ويقفل الحساب إما دائنا أو مدينا، وذاع صيته لدى جميع موظفي أرامكو.

إحدى بوابات القصر القديمة

حريق الظهران

في عام 1939م شب حريق كبير في المجمع السكني بالظهران، وكان محل إبراهيم الحميضي التجاري ضمن المحلات التي احترقت، حيث احترق محله ببضاعته وأموال المودعين ودفاتر الحسابات، وسالت الفضة خارج المحل، وسرق جزء منها، وبعد أن تمت السيطرة على الحريق حصل على ما تبقى من الفضة وحمله في شاحنة وتوجه به إلى الأحساء مع صديقه إبراهيم الموسى ليبيع الفضة، ويقترض مبلغا من أهالي الأحساء، وعاد إلى الظهران ليسلم المودعين أموالهم، لكنه لم يكن يعرف كم لهذا الشخص وكم لغيره، فعمد إلى طريقة ليبرئ ذمته، فوضع دفترا وقلما للتسجيل، ووضع مصحفا، وطلب من كل عميل أن يحدد مبلغه ويستلمه بعد أن يقسم على المصحف أن هذا المبلغ صحيح، ومن ثم يستلم حقه كاملا.

بعد أن نفذ إبراهيم طريقته وسدد للكل حقوقه، جلس أياما وحيدا مهموما بسبب هذه المصيبة يفكر في طريقة لإعادة تجارته مرة أخرى، وما هي إلا أيام حتى جاءه مهندس بترول أمريكي من العاملين في أرامكو، وقال له أنه سمع عن أمانته، وأعرف بعض الموظفين والعمال الذين يعملون تحت إدارتي استلموا أكثر من حقهم، وأريد أن أساعدك لإعجابي بطريقة وفائك لحقوق عملائك رغم ظروفك الصعبة، وقدم له نموذج تسجيل كمقاول لدى أرامكو، وقام المهندس الأمريكي بتعبئة النموذج بنفسه وقدمه لمكتب المقاولات بالشركة، وتقدم إبراهيم لأول مناقصة لتوريد مواد غذائية لأرامكو وفاز بالمناقصة، وبعدها دخل عدة مناقصات في توريد المواد الغذائية، وبعد أن جمع من هذا النشاط مبلغا من المال تحول إلى نشاط المقاولات في أعمال الصيانة، وذلك بعد أن تعرف على أحد كبار المقاولين يدعى إبراهيم بن محمد المحيميد فتشاركا في عدة مقاولات، إلا أنه لم يحقق نجاحا كبيرا بسبب تدني الأسعار في تلك الفترة، ونصحه المحيميد بالتوجه إلى العمل في المعدات وأعمالها، وفعلا بدأ العمل فيها حيث توجه للدمام واشترى بيتا في حي العدامة ودخل في عدة مزادات لشراء معدات لشركات تمت تصفيتها واشترى بجميع أمواله معدات مختلفة.

عالم المقاولات

دخل إبراهيم الحميضي عالم المقاولات الإنشائية في أرامكو في مدن الدمام والظهران والخبر وبقيق ورأس تنورة وحقق نجاحات كبيرة في عالم المقاولات خلال الستينات والسبعينات الميلادية، ولم تقتصر أعماله على المقاولات الإنشائية مع أرامكو بل امتدت إلى العمل مع وزارة المواصلات في إنشاء الموانئ والردم البحري، كما اتجه للعمل مع المؤسسة العامة للخطوط الحديدية من خلال أعمال الصيانة في خط الدمام ـ الرياض والورش والمستودعات، وكانت العمالة في غالبها من السعوديين، وكانوا يعملون في الصحراء تحت درجات حرارة تفوق الخمسين على امتداد الخط الحديدي، وكان يعمل بشكل يومي من بعد صلاة الفجر حتى صلاة العشاء، تتخللها ساعة غداء، ومع بداية نمو مدن المنطقة الشرقية وتطورها، شارك الحميضي في تنفيذ مشاريع الطرق والأرصفة والإنارة لشوارع مدن الدمام والخبر والقطيف والجبيل ورأس تنورة إضافة إلى العديد من المشاريع البلدية في تلك المدن.

العمل بالموانئ

في نهاية الستينات الميلادية عرضت عليه شركة يوسف كانو مقاولة لأعمال الشحن والتفريغ والنقل والحراسة في ميناء الملك عبدالعزيز بالدمام وميناء رأس تنورة وميناء الجبيل وميناء الخفجي، حيث كانت شركة كانو وكيلا للبواخر التي تشكل قرابة نصف الواردات السعودية، وتم توقيع الاتفاقية وتوفرت آلاف الوظائف للعمال السعوديين والعمانيين واليمنيين خاصة الحضارم، وتم توفير العديد من الناقلات والمعدات المختلفة واستمر العمل حتى عام 1399م، عندما قررت المؤسسة العامة للموانئ والتي كانت قد أنشئت حديثا في ذلك الوقت لتتولى الإشراف على أعمال الموانئ في المملكة وتسيير أعمالها، وقد طلبت المؤسسة من الحميضي التوقف عن العمل في الموانئ المسندة إليه بعد أن تم إسناد أعمال الموانئ لشركة ردك الكورية.

وكان نتيجة ذلك أن قام الحميضي بتسريح جميع العمال السعوديين والعرب، وقام بزيارة للرياض التي لم يرجع إليها منذ أن كان عمره خمسة عشر عاما، وخلال هذه الزيارة قابل وزير الشئون البلدية والقروية صاحب السمو الملكي الأمير متعب ين عبدالعزيز ـ يرحمه الله ـ بخصوص أعمال البلديات التي يقوم بها في مدن المنطقة الشرقية، وقد وصف الحميضي هذه الزيارة بالناجحة بامتياز، حيث دهش من استقبال الأمير متعب له، ووصفه بالتواضع قليل الحديث والمتفهم للمشاكل.

مشاريع متنوعة

بعد توقف أعمال الموانئ، ركز إبراهيم الحميضي على العديد من الأعمال الأخرى حيث نفذ مشاريع مختلفة في الطرق وتطوير المواقع، ومن أبرزها تطوير موقع المدينة الصناعية الأولى بالدمام على مساحة أربعة ملايين متر مربع، إضافة إلى تطوير وصيانة الدمام وشوارع عدد من مدن حاضرة الدمام كالخبر، والظهران، والقطيف، وقد عاصر الحميضي العديد من رؤساء بلدية الدمام بدءا من شاهين الدوسري حتى زايد السكيبي، وكذلك مدير عام الشئون البلدية والقروية سابقا المهندس عبدالرحمن الشهيل الذي وصفه بنظيف القلب واليد، ونوع الحميضي من أنشطته التجارية لتشمل الاستثمارات العقارية والعملات.

أعماله الخيرية

معاناة الفقر وضنك العيش التي عاشها في شبابه جعلته يحس بحاجة الفقراء ويكثر من أعمال الخير والتي تمثلت في بناء المساجد وترميم وتكييف وفرش مساجد قائمة، ومنح قروضا لأقاربه وأصدقائه للعمل بها في العقار أيام الطفرة الاقتصادية الأولى، وبنى مساكن للكثير من الأسر المتعففة في منطقة الدمام والرياض وبلدته القصب وأنشأ مشروعا متكاملا لحفر الآبار وجلب المياه لأهالي القصب، وكان يساعد كبار السن ممن كانوا يعملون معه من الجاليات الفلسطينية والسورية والأردنية واللبنانية بمنحهم محلات تجارية وشققا سكنية وتحمل نفقات علاجهم في المستشفيات الخاصة، إضافة إلى التبرعات النقدية التي لا يعلمها إلا الله مبتغيا بها وجه الله، جعلها الله في ميزان حسناته.

حالته الاجتماعية

من خلال صديقه عبدالعزيز المعجل تزوج إبراهيم الحميضي منيرة بنت عبدالله العيسى إحدى عائلات شقرا التي تسكن الجبيل حيث كان والدها أحد تجار الأرزاق بالجبيل ورزق منها بسبعة أبناء أربعة ذكور وثلاث بنات.

وفاته

في التاسع من شهر ذي القعدة عام 1408هـ أحس إبراهيم الحميضي بألم بسيط في كتفه الأيسر واشتد عليه الألم وأشرف على علاجه طبيب قلب لبناني ذكر أنه أصيب بجلطة حادة في القلب وبقي معه الطبيب في تلك الليلة يتبادل معه الحديث، ويعطيه مذيبات وموسعات الشرايين حتى تحسن، وطلب منه الطبيب عدم مغادرة السرير أبدا، لكنه حينما أحس بالتعافي قام وتوضأ وصلى الفجر متأملا أن يعود لعمله إلا أن حالته انتكست ودخل في غيبوبة حيث فارق الحياة في يوم 10 من ذي القعدة 1408هـ ليدفن في مقبرة الدمام ويطوي صفحة مشرقة من الكفاح والعطاء، وودعه الآلاف من محبيه ومعارفه من مدن المنطقة الشرقية والرياض والقصب، رحمه الله رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته.