رجل وزمان

محمد الوعيل .. شاهد العصر

رحل وبقي عشقه للصحافة وسما في سماء الإعلام، فعلى مدى أكثر من أربعة عقود تدرج خلالها من محرر مبتدئ حتى وصل سدة رئاسة التحرير، إلا أن المنصب لم يغيره، فهو رئيس تحرير شعبوي، يتعامل مع الصغير قبل الكبير بعفوية وبساطة، فكسب حب واحترام الجميع، وغادر المنصب، لكنه لم يغادر قلوب من عمل معهم، محمد الوعيل الذي أمضى جل عمره بين أروقة صاحبة الجلالة، وقبيل مغادرته لهذه الدنيا غرد في حسابه بتويتر لكل من عمل معه تقريبا ذاكراً محاسن زملاءه وميزة كل واحد منهم وكأنه قد شعر بقرب رحيله.

الوعيل والصحافة

ولد محمد بن عبدالله الوعيل ـ رحمه الله ـ عام 1947م، وعشق الصحافة في سن مبكرة، فاختار صحيفة “الرياض” محطة أولى له، ركض في دهاليزها، وسبر أغوارها، كل ذلك تم في ظل ظروف بالغة الصعوبة وبإمكانيات طباعية وإخراجية بسيطة، مع صعوبة في الحصول على المواد الصحفية والصور ومحدودية المصادر وعدم القدرة على التفاعل مع الأحداث في أوقاتها.

عاش الوعيل مثل كل جيله في المشهد الإعلامي وعمل في بلاط الصحافة بأدوات البدايات محررًا وسكرتير تحرير في صحيفة الرياض، ثم انتقل إلى جريدة الجزيرة وعمل فيها محررًا وسكرتيرًا حتى وصل إلى منصب نائب رئيس تحريرها، كما رأس تحرير صحيفة المسائية وهي أول صحيفة مسائية في السعودية، وصدرت عن مؤسسة الجزيرة للصحافة والطباعة والنشر، وكانت تجربة جديدة وحققت حضورًا في السوق السعودي، لكن ظروفا خاصةً أجبرت الصحيفة على التوقف.

أمير الرياض خلال تدشين أحد إصدارات الراحل

وسطع نجمه مجددا بعد تسلمه رئاسة تحرير صحيفة اليوم، ونقلها خلال 14 عاماً نقلة نوعية، سجلت خلالها حضوراً في السوق السعودي، انتشاراً وأرباحاً، ثم عمل نائبا لرئيس تحرير جريدة عكاظ بالرياض ومستشارًا لرئيس تحريرها.

قدم الوعيل خلال رحلته الطويلة مع القلم أعمالًا صحافية لافتة وضعته أحد رموز الصحافة السعودية إبان عصرها الذهبي، وقبل “ثورة الإعلام الجديد”. ولم ينس الوعيل، واقع العصر التقني الحالي، حيث حول إنتاجه “الورقي” إلى إنتاج “إلكتروني”، تماشيًا مع المشهد الجديد، بعد أن نقل سلسلة كتابه “شهود هذا العصر” الذي جمعه من مواد صحفية له إلى نسخة إلكترونية، وقرر استكمال هذه السلسلة إلكترونيًا عبر موقع خاص يحمل اسم الكتاب، ويحمل الموقع أكثر من 1600 شخصية مختلفة من ساسة واقتصاديين ومؤرخين وشعراء، ومن لهم أطروحات لافتة أو حضور مميز، سبق أن حاورهم الراحل ونشره في جريدة الجزيرة تحت اسم “ضيف الجزيرة”.

وعرف عن الراحل ثقته في قدراته ومهنيته، فبعد تركه رئاسة تحرير صحيفة اليوم عاد للكتابة في عشقه الأول جريدة الرياض من خلال عمود صحفي لم ينقطع عن الكتابة فيه، وتنوعت كتاباته ما بين السياسة والاقتصاد، كما تناول المنجزات الجديدة والتحولات في مجال الحكومة الرقمية. عُرف الراحل محمد الوعيل بدماثة أخلاقه وبابتسامته الصافية الدائمة وقلبه النقي وبوفائه لزملائه وأصدقائه، وكان محبًا ومحبوبًا، عشق مهنة الصحافة وكان حريصا على أن يتعلم الآخرون الذين دخلوا الصحافة بعده وسبقهم إلى ذلك، كما كان يشيع أجواء الحميمية وخلق روح فريق العمل الواحد، كما عرف عنه عدم اعتداده برأيه وعدم فرضه على الآخرين وكان صاحب دعابة، ومقالب غير مؤذية أو صادمة يطلقها ثم يعقبها إطلاق الضحكات.

من اليمين الوعيل مع د. سليمان السليم وزير التجارة السابق “رحمهما الله”

ليس إعلامياً فقط

كان الوعيل الذي بدأ تجربته الإعلامية من الإذاعة المدرسية، كما قال في أحد تصريحاته التلفزيونية السابقة، رجلاً مؤرخاً ويحب التوثيق، فكتابه الذي لم يكتمل عن رحلته بين أعلام المجتمع، هو وليد فترة مبكرة، فقد أكد في أحد اللقاءات أنه كان يكتب ويؤرخ لكل شيء في حياته اليومية حتى رحلاته مع أصدقائه، لافتاً إلى أنه كان لبناني الهوية بسبب إقباله على قراءة الصحافة اللبنانية بغزارة في شبابه.

وقال عن رحلة حياته التي مرت بمحطات كثيرة، إنه لعب في مرحلة الشباب بنادي النجمة بالرياض، وقد أدخله الشيخ عبدالرحمن بن سعيد، مؤسس نادي الهلال إلى النادي العاصمي، وطلب منه الإشراف على نشرة الهلال الصحفية.

رياضي من الطراز الأول

كان محمد الوعيل شغوفا بالرياضة، وظلت محبتها تنبض في شرايينه طوال تاريخه. نشر له تركي السديري رئيس تحرير صحيفة الرياض فيما بعد ـ رحمه الله ـ عندما كان رئيسا للقسم الرياضي أول مقال للوعيل في مجلة “دنيا الرياضة” بعنوان “دعاء” بتاريخ 14 رمضان 1388هـ منقول عن نشرة نادي الهلال التي كان الوعيل يساهم في تحريرها آنذاك إبان فترة تمثيله لاعبا بالفريق الأول لنادي الهلال، ثم استمر في نشاطه التحريري الرياضي بجريدة الرياض، وكان يعد زاوية أسبوعية عنوانها “محكمة الرياضة” وتتلخص بحوار مع لاعب توجه له أسئلة على صيغة اتهام، إضافة إلى عمود آخر له بعنوان “لي كلمة” وكل ذلك كان قبل 52 عاما.

الوعيل مع الدكتور عبد الواحد الحميد – رئيس تحرير مجلة الاقتصاد بغرفة الشرقية سابقا

الندوة بداياته الصحفية

قبل ذلك التاريخ كانت بدايات الوعيل الصحفية في جريدة الندوة ويقول في إحدى تغريداته على تويتر: “اجتهدت في أعمال صحفية مازلت أذكرها.. الأول حين تلقيت خطاب تقدير من الأمير نايف بن عبدالعزيز ـ رحمه الله ـ على تحقيق صحفي عن الرياضة في السجون وسجن الرياض نموذجا. أما العمل الثاني فهو لقاء مع الأمير فيصل بن خالد عن الفروسية وكان حديث وسط الفروسية”.

أول بطاقة صحفية رياضية

ويضيف في تغريدة أخرى: “أول بطاقة صحفية رياضية استلمتها من الأستاذ الكبير عبدالله المنيعي صاحب ورئيس تحرير مجلة الرياضي.. هذه المجلة المتخصصة عمل فيها د. هاشم عبده هاشم في بداياته وقد ترك أثرا رائعا. أما صاحب المجلة فهو مُعلم ويعتبر من الرموز الرياضية في الوطن”.

الوعيل خلال حفل زواج ابنه نايف

60 عاما من الرياضة

أما مشوار محمد الوعيل كلاعب فيتحدث عنه شقيقه فهد الذي يكبره بستة أعوام حيث يقول إن أخي محمد تعلق بمزاولة كرة القدم منذ أن كان في العاشرة من عمره مع أبناء الحارة في شارع العطائف، أذكر منهم عبدالله وعبدالعزيز القريشي وعبدالله الحاتم وأبناء الملوحي وكان ذلك في العام 1378هـ وهي الفترة التي كنت ألعب فيها بنادي النصر عندما كان مقره بيتا طينيا في حي الظهيرة قبالة مقر غريمه التقليدي نادي الهلال، وكان رئيس النصر آنذاك أحمد عبدالله بربري ـ رحمه الله.

وبعد انتقالي لصفوف نجمة الرياض مطلع الثمانينات الهجرية، انضم أخي محمد للنجمة في العام 1382هـ وكان يلعب في مركز الظهير الأيسر، وبعد صدور قرار المدير العام لرعاية الشباب الأمير خالد الفيصل بتقليص عدد الفرق وتوحيد مسميات الأندية، انضم فريق المريخ للنجمة بنهاية 1386هـ وبعد أربعة أشهر تقريبا تم دمج المريخ مع النجمة بفريق واحد وبعدها دُمجت النجمة مع نادي الشباب وكان عدد لاعبي النجمة والمريخ الذين استفاد “شيخ الأندية” من انضمامهم إليه ما بين 15 إلى 16 لاعبا، أذكر منهم الصاروخ وسليمان الحسينان “دورو” وحسين العييد والأخوان عبدالرحمن وعبداللطيف وعبدالله بن حسن آل الشيخ ومحمد المسلم وفهد البريك وعبدالرحمن صومالي وفهد بن منيف “سعدة”.

فضّل الهلال على الشباب

ويضيف فهد أن شقيقي محمد اعتذر عن الانضمام للشباب مفضلا الالتحاق بصفوف الهلال نزولا عند رغبة “شيخ الرياضيين” ومؤسسه الشيخ عبدالرحمن بن سعيد ـ رحمه الله ـ الذي كان له تأثير كبير في إقناع محمد بالانضمام إليه، وكان ذلك أواخر العام 1386هـ ومثل الهلال على مدى ثلاث سنوات، آخرها لاعبا احتياطيا معه بنهائية كأس الملك أمام الاتفاق 1388هـ وتخللتها مساهمته في دعم النشاط الثقافي بأروقة النادي في تلك الحقبة مع كوكبة النقاد تركي السديري وعثمان العمير ومحمد الجحلان.

الوعيل والجحلان

بعد ترك السديري الإشراف على مجلة “دنيا الرياضة” مطلع التسعينات الهجرية تولى المهمة الثنائي المتناغم محمد الوعيل مع محمد الجحلان ـ رحمهما الله ـ وساهما بدورهما في إثراء النشاط الثقافي الهلالي من خلال تحرير نشرة النادي. ومن الذكريات الزرقاء أن الوعيل هو أول من لقب الهلال بـ “الموج الأزرق” وكان لابن سعيد تأثير تربوي قوي عليه وبقية زملائه اللاعبين في تلك الفترة بتعميق قوة الانتماء والوفاء للنادي وحفظ أسراره إضافة إلى حثهم على البعد عن السهر ومراقبتهم عن بعد.

دعم النشاط الثقافي الهلالي

وذكر فهد الوعيل أن أخاه قبل فترة عمله بالنشاط الثقافي الهلالي، كانت له إسهامات تحريرية من خلال إصدار نشرة نادي النجمة الإعلامية تحت اسم “مرآة النجمة” العام 1384هـ. وأضاف أن “المجلة كانت حافلة بالكلمات القيمة والأخبار الخارجية والتحقيقات البناءة ويقوم على تحريرها معه زملاؤه اللاعبون سعد بن خليف ومحمد بن مسلم وفهد بن بريك وكانت تنسخ بالآلة الكاتبة ثم يتم سحبها بالاستنسل وتوزع داخل النادي وعلى بقية أندية العاصمة”.

وفاءه لقدامى الرياضيين

وكان محمد الوعيل وفيا بقلمه مع رموز الرياضة وقدامى الرياضيين الذين كان يتحدث عن مآثرهم وعطاءاتهم المخلصة وفي أكثر من تغريدة طرحها من خلال حسابه على شبكة التواصل الاجتماعي تويتر. تلك التغريدات أشبه ما تكون بلمسة وفاء ولفته تقديرية منه ـ رحمه الله ـ تجاه كل الأسماء التي ذكرها في تغريداته ودعمها بنشر صورهم معها، لتقف اليوم شاهدة على نبل ومحبة ووفاء هذه القامة الإعلامية العملاقة لرموز رياضة وطنه وتقديره لكل من عمل في ميادينها طوال العقود الماضية.

الصحافة الخليجية

وقد عبّر رئيس هيئة الصحفيين السعوديين رئيس تحرير جريدة الجزيرة خالد المالك عن بالغ حزنه على رحيل الوعيل، وقال “أسأل الله أن يرحم أخي وصديقي وزميلي محمد الوعيل الذي بوفاته تكون الأسرة الصحفية قد فقدت أحد رجالاتها المخلصين. أحر التعازي لأسرته ومحبيه. إنالله وإنا اليه راجعون”.

وقدّم اتحاد الصحافة الخليجية العزاء والمواساة في الفقيد الإعلامي الكبير عضو الأمانة العامة للاتحاد، وقال الاتحاد إن “المملكة العربية السعودية فقدت قامة إعلامية وثقافية رفيعة أمدت بعطائها وإبداعها الساحة الخليجية والعربية، وفقد اتحاد الصحافة الخليجية عضوا نشطا فاعلا ومؤثرا”. وأشاد العديد من الإعلاميين والمثقفين بما قدمه الراحل خلال مسيرته المهنية الحافلة بالنجاحات في الصحافة السعودية، وبمؤلفاته ومنها كتابه “شهود هذا العصر”.

وفاته

وفي صباح يوم الأحد 21 مارس 2021م أسلم محمد الوعيل الروح عن عمر يناهز الـ 74 عاماً، في أحد المستشفيات في الرياض بعد صراع طويل مع المرض، وتمت الصلاة عليه في نفس اليوم الساعة 4 عصراً في مقبرة الشمال، تغمده الله بواسع رحمته وأسكنه فسيح جناته.