التحدي المناخي

تحدي “المنـاخ”.. المبادرة السعودية حاضرة عالمياً

الطاقة المتجددة التي ستوفر %50 من إنتاج الكهرباء داخل المملكة بحلول عام 2030م

إعادة تأهيل حوالي 40 مليون هكتار من الأراضي المتدهورة

“سابك” أكبر مصنع لجمع وحجز الكربون في العالم

أرامكو  عملت على حقن 800 ألف طن من غاز ثاني أكسيد الكربون خلال عام

يتفق العلماء على أن زيادة درجات الحرارة والتغيرات المناخية المفاجئة لها مخاطر فورية وأخرى مستقبلية على التكوين البيئي والعمراني للمجتمعات، وقد التزمت نحو 200 دولة، وقعت على اتفاقية باريس للمناخ لعام2015م بالحد من ارتفاع درجات الحرارة العالمية إلى أقل من درجتين مئويتين مقارنة بمستويات ما قبل العصر الصناعي 1.5 درجة مئوية.

وكانت دراسة نشرتها مجلة (Communications Earth & Environment) العلمية، قد كشفت أن الدول بحاجة إلى زيادة متوسط معدل الانخفاض في انبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري من %1 إلى %1.8 سنويًا للوفاء بالحدود المنصوص عليها في اتفاقية باريس للمناخ، وهي نفس الأهداف التي جعلت وزارة الطاقة السعودية، تعلن الانضمام إلى جانب الولايات المتحدة وكندا والنرويج وقطر، من أجل تأسيس (منتدى الحياد الصفري للمنتجين)، وهي منصة تُناقش من خلالها الدول المنتجة للبترول والغاز، كيفية دعم تطبيق اتفاقية باريس للتغير المناخي.

التنمية المستدامة

وكان خادم الحرمين الشريفين، الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود، في كلمته بقمة المناخ العالمية التي عقدتها واشنطن مؤخرًا، أكد التزام المملكة واهتمامها بالتعاون لمكافحة التغير المناخي، من أجل إيجاد بيئة أفضل للأجيال القادمة.

وأضاف، أن ظاهرة التغير المناخي التي تهدد الحياة على كوكب الأرض، لا تقف عند حدود وطنية، مؤكدًا أن الغاية هي التنمية المستدامة التي يتطلب تحقيقها منهجيةً شاملةً تُراعي مختلف ظروف التنمية حول العالم، مشيرًا إلى الخطوات الكُبرى التي اتخذتها المملكة ضمن رؤية 2030م، مثل الاستراتيجية الوطنية للبيئة، ومشاريع الطاقة النظيفة، بهدف الوصول إلى قدرة إنتاج من %50 من احتياجات المملكة بحلول عام2030م.

الاقتصاد الدائري للكربون

وتهدف الدول أعضاء المنتدى، الذين يمثلون مجتمعين %40 من الإنتاج العالمي من البترول والغاز، إلى الحد من انبعاثات غاز الميثان، وتعزيز نهج الاقتصاد الدائري للكربون، وتطوير ونشر تقنيات الطاقة النظيفة واحتجاز الكربون وتخزينه، وتنويع مصادر دخل لا تعتمد على إيرادات المواد الهيدروكربونية.

وقد تبنّت السعودية الاقتصاد الدائري للكربون، عبر إعلان في 30 مارس2021م، بعد أن منحت رئاسة المملكة لمجموعة العشرين، في نوفمبر2020م الأولوية لإدارة انبعاثات الغازات وجعلتها محور التحول إلى الطاقة النظيفة.

ويهدف الطرح إلى تحويل الانبعاثات الكربونية إلى مواد أولية أو معاد تدويرها، ببناء نظام اقتصادي مستقل وقائم بذاته، من خلال الركائز الأربع لمفهوم الاقتصاد الدائري للكربون، المتمثلة في (الخفض، وإعادة الاستخدام، والتدوير، والإزالة).

حماية الأرض والطبيعة

وتأكيدًا لجهود المملكة خلال السنوات السابقة ووفق رؤيتها الطموحة2030م، أعلن سموّ ولي العهد محمد بن سلمان،  عن مبادرة السعودية الخضراء، ومبادرة الشرق الأوسط الأخضر، اللتين ترسمان توجه المملكة والمنطقة في حماية الأرض والطبيعة ووضعها في خارطة طريق ذات معالم واضحة وطموحة وستسهمان بشكل فاعل في تحقيق المستهدفات العالمية.

وقال سموّه: (بصفتنا منتجًا عالميًا رائدًا للنفط ندرك تمامًا نصيبنا من المسؤولية في دفع عجلة مكافحة أزمة المناخ، وأنه مثل ما تمثل دورنا الريادي في استقرار أسواق الطاقة خلال عصر النفط والغاز، فإننا سنعمل لقيادة الحقبة الخضراء القادمة).

المناطق المحمية

ستتضمن مبادرتي السعودية الخضراء  والشرق الأوسط الأخضر، عددًا من المبادرات الطموحة من أبرزها زراعة 10 مليارات شجرة داخل المملكة العربية السعودية خلال العقود القادمة، ما يعادل إعادة تأهيل حوالي 40 مليون هكتار من الأراضي المتدهورة، الأمر الذي سيؤدي إلى زيادة في المساحة المغطاة بالأشجار الحالية إلى 12 ضعفًا، وتمثل إسهام المملكة بأكثر من %4 في تحقيق مستهدفات المبادرة العالمية للحد من تدهور الأراضي والموائل الفطرية، و%1 من المستهدف العالمي لزراعة تريليون شجرة، كما ستعمل على رفع نسبة المناطق المحمية إلى أكثر من %30 من مساحة أراضيها التي تقدر بـ (600) ألف كيلومتر مربع، لتتجاوز المستهدف العالمي الحالي بحماية %17 من أراضي كل دولة، إضافة إلى عدد من المبادرات لحماية البيئة البحرية والساحلية.

ثاني أكبر مبادرة إقليمية

وستعمل كذلك على تقليل الانبعاثات الكربونية بأكثر من %4 من الإسهامات العالمية، وذلك من خلال مشاريع الطاقة المتجددة التي ستوفر %50 من إنتاج الكهرباء داخل المملكة بحلول عام 2030م، ومشاريع في مجال التقنيات الهيدروكربونية النظيفة التي ستمحو أكثر من 130 مليون طن من الانبعاثات الكربونية، إضافة إلى رفع نسبة تحويل النفايات عن المرادم إلى %94.

وتسعى المملكة بالشراكة مع الأشقاء في دول الشرق الأوسط لزراعة 40 مليار شجرة إضافية في الشرق الأوسط، وفق المستهدف العام لزراعة (50 مليار) شجرة وهو أكبر برنامج إعادة تشجير في العالم، ويشكل ضعف حجم السور الأخضر العظيم في منطقة الساحل (ثاني أكبر مبادرة إقليمية من هذا النوع).

 

نقل المعرفة ومشاركة الخبرات

وسيمكّن المشروع في استعادة مساحة تعادل 200 مليون هكتار من الأراضي المتدهورة مما يمثل (%5) من الهدف العالمي لزراعة (1 تريليون) شجرة، ويحقق تخفيضاً بنسبة %2.5 من معدلات الكربون العالمية، في الوقت الذي لا تتجاوز حصة إنتاج الطاقة النظيفة في الشرق الأوسط %7، بالإضافة إلى أن التقنيات التي تستخدم في إنتاج النفط بالمنطقة ليست ذات كفاءة، فيما ستعمل المملكة مع هذه الدول على نقل المعرفة ومشاركة الخبرات مما سيسهم في تخفيض انبعاثات الكربون الناتجة عن إنتاج النفط في المنطقة بأكثر من %60، فضلاً عما ستحققه الجهود المشتركة من تخفيض في الانبعاثات الكربونية بنسبة تتجاوز %10 من المساهمات العالمية.

مجلس للمحميات الملكية

وفي سياق متصل، أصدر خادم الحرمين الشريفين أمرًا  بإنشاء مجلس للمحميات الملكية تشمل 6 مواقع بالمملكة، وشكل لكل محمية ملكية مجلس إدارة وجهازًا يتولى الإشراف على تطويرها، يتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي والإداري، بهدف الحفاظ على الغطاء النباتي وزيادته، وتنظيم الحركة في داخل المحميات بما لا يضر بالقرى والهجر وأملاك المواطنين داخل نطاقها.

وإسهامًا من “سابك” في مشاركة طموح المملكة تتجه إلى جمع وتخزين الكربون من خلال مبادرات نوعية متكاملة، بإنشاء أكبر مصنع لجمع وحجز الكربون في العالم في شركة (المتحدة) التابعة لها، من خلال تشييد مصنع لجمع وتنقية ما يصل إلى 500 ألف طن متري من ثاني أكسيد الكربون الناتج من عمليات إنتاج جلايكول الإيثيلين كل عام، ويتم ضخ ثاني أكسيد الكربون المنقى من خلال شبكة أنابيب لاستخدامه في إنتاج منتجات عظيمة الفائدة، بما يلبي حاجات قطاعات الأغذية والمشروبات والصناعات الطبية وغيرها.

أكبر مشروع للاستدامة

ويُعد المصنع الجديد أكبر مشروع للاستدامة يُنفَّذ من خلال التعاون المشترك بين مواقع “سابك” التصنيعية العديدة، وتمثلت الخطوة الثانية في تمكين المواقع التصنيعية القريبة من المشاركة والاستفادة عبر بناء شبكة لنقل ثاني أكسيد الكربون النقي إلى مواقع الشركات التابعة القريبة، لاستخدامه في تصنيع منتجات متنوعة مثل اليوريا، والميثانول الكيماوي، والهكسانول الإيثيلي وغيرها.

ويسهم المشروع في تحقيق تحسن كبير في كفاية استخدام الموارد، ويؤدي في الوقت ذاته إلى خفض كثافة غازات الدفيئة المصاحبة للعمليات، علاوة على تحسين الأداء الاقتصادي، ويحفز على تقديم حلول مماثلة يمكنها المساعدة في بناء مستقبل مستدام لكوكب الأرض، ويحد في ذات الوقت من التأثيرات البيئية.

أنظف الصناعات النفطية

وكذلك شركة أرامكو التي نفذت أحد أكبر المشاريع التجريبية لاستخلاص غاز ثاني أكسيد الكربون وتخزينه على مستوى منطقة الشرق الأوسط لتصبح واحدة من أنظف الصناعات النفطية على مستوى العالم، حيث عملت على حقن 800 ألف طن من غاز ثاني أكسيد الكربون خلال عام، تُنقل عبر خط أنابيب، على مدى 85 كيلومتراً، إلى مرافق إنتاج البترول في معمل العثمانية لتُستخدم في تعزيز الإنتاج، ضمن خطتها لاستخلاص ثاني أكسيد الكربون الذي ينبعث من المرافق الصناعية الكبرى مثل محطات الطاقة الكهربائية، وتخزينه واحتجازه تحت الأرض بدلا من انبعاثه إلى الغلاف الجوي.

وتعمل الشركة على تطوير أعمالها لتصبح واحدة من أنظف الصناعات النفطية في العالم، واستثمرت في استرداد الغاز الطبيعي بدلا من هدره، وفي تطبيق التقنيات الفعّالة للحدّ من حرق الغاز في الشعلات وتحسين كفاءة استخدام الطاقة، وبذلك تعد المملكة من الدول المتقدمة من حيث انخفاض الانبعاثات الكربونية من الصناعات النفطية.

الأمن المائي والغذائي الشامل

ولتنمية بيئية مستدامة، وتحقيقًا للأمن المائي والغذائي الشامل للمملكة وتنمية زراعية مستدامة، ضمن أهداف رؤية 2030، تضمنت الاستراتيجية الوطنية للبيئة 64 مبادرة، بتكلفة تجاوزت 50 مليار ريال بهدف إعادة هيكلة قطاع البيئة ليتواكب مع اتساع المملكة وتنوع بيئتها ومواكبة النمو الكبير في القطاعات المؤثرة في البيئة من خلال إطلاق خمسة مراكز بيئية متخصصة وممكنة وهي : المركز الوطني للالتزام البيئي، والمركز الوطني لتنمية الغطاء النباتي ومكافحة التصحر، والمركز الوطني لإدارة النفايات والمركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية، والمركز الوطني للأرصاد، لتعزيز الالتزام البيئي وخفض تكلفة التدهور البيئي وخلق فرص وظيفية للمواطنين وتعزيز مشاركة القطاع الخاص، إضافة إلى إنشاء صندوق البيئة لدعم استدامة قطاع البيئة والعمل مع وزارة الداخلية لتأسيس القوات الخاصة للأمن البيئي، كما اعتُمد نظام بيئي جديد متوافق مع أفضل الممارسات والمعايير العالمية وإعداد نظام جديد لإدارة النفايات ونظام للأرصاد.

ويعد مشروع محطة سكاكا للطاقة الشمسية، وتوقيع اتفاقيات شراء سبعة مشروعات أخرى للطاقة المتجددة في مختلف مناطق المملكة، تطبيقاً عملياً على أرض الواقع، لرؤية 2030م، والإسهام في الوصول إلى مزيج الطاقة الأمثل، وتحوّل المملكة من استهلاك الوقود السائل إلى الغاز والطاقة المتجددة.

خفض استهلاك الوقود السائل

وتقع المشروعات الجديدة في المدينة المنورة، وسدير، والقريات، والشعيبة، وجدة، ورابغ، ورفحاء، ويبلغ إجمالي طاقة هذه المشروعات، إضافةً إلى مشروعي سكاكا ودومة الجندل، 3670 ميجاوات، وستوفر الطاقة الكهربائية لأكثر من 600 ألف وحدة سكنية، وستخفض أكثر من 7 ملايين طن من الانبعاثات المسببة للاحتباس الحراري.

ويمثل استغلال الطاقة المتجددة جزءًا مهمًا في السعي إلى خفض استهلاك الوقود السائل في إنتاج الكهرباء، للوصول إلى مزيج الطاقة الأمثل، الذي يهدف إلى أن تُصبح حصة الغاز ومصادر الطاقة المتجددة في هذا المزيج حوالي %50 لكلٍ منهما بحلول عام 2030م، وذلك بإزاحة ما يقارب مليون برميل بترول مكافئ من الوقود السائل يومياً، تُستهلك كوقود في إنتاج الكهرباء وتحلية المياه وفي قطاعات أخرى.