تحقيق

القهوة السعودية.. ثروة تعود إلى الواجهة

إرث متأصل لمورد اقتصادي وثقافي..

مؤشرات بنمو السوق البن السعودي بمعدل سنوي مركب بنسبة %6.2 حتى عام 2027م

مساران متوازيان تنتهجهما المملكة للارتقاء بصناعة البن السعودي

وصلت أعداد أشجار البن إلى نحو 110 ألف شجرة في جميع القطاع الجبلي بالمنطقة الجنوبية

زراعة 400 ألف شجرة في 2021م بزيادة قدرها 250 ألف عن الأعوام الثلاثة الماضية

وحدة أبحاث متخصصة للاقتراب من المزارعين والوقوف على أبرز معوقات زراعة أشجار البن ومعالجتها

مبادرة حصاد مياه الأمطار ساهمت في إعادة تأهيل 114 مزرعة بن بمنطقة الباحة

منذ عصور قديمة وتشتهر المملكة خاصة مرتفعات المناطق الجنوبية منها بأفضل أنواع القهوة في العالم لامتلاكها ثروة من أشجار البن ذات الجودة العالية وغزارة الإنتاج وذلك بحكم خصوبة التربة واعتمادها على مياه الأمطار الموسمية بشكل كامل.

وتُعد زراعة البن إرث متأصل بين أبناء المحافظات الجبلية بالمنطقة الجنوبية في السعودية، وخاصة في منطقة جازان، وتمتد من محافظة العارضة جنوبًا وفيفا والداير بني مالك والعيدابي وهروب إلى الريث شمالاً.

الخصوصية الثقافية

والآن وفي إطار تنفيذ مستهدفات رؤية 2030م بتنوع مصادر الدخل الوطني والاستغلال الأمثل للموارد المتاحة، وأمام توقعات النمو لسوق البن السعودي الذي قدَّره تقرير (Research And Markets)، بأن ينمو بمعدل سنوي مركب بنسبة %6.2 حتى عام 2027م، انتهجت المملكة مساران متوازيان، يرتكز الأول على خصوصيتها الثقافية واعتبارها رمزًا ثقافيًا وطنيًا، حيث تتميز القهوة السعودي بخصوصيتها سواء ما يتعلق بجودتها أو طريقة تحضيرها وتقديمها واختلاف مذاقها من منطقة لأخرى ما يعكس مدى التنوع الثقافي، فكان إطلاق وزارة الثقافة عام “2022م” عامًا للقهوة السعودية.

وكان وزير الثقافة، الأمير بدر بن عبدالله بن فرحان، أعلن مؤخرًا تسمية عام 2022م بـ”عام القهوة السعودية” للاحتفاء بهذا العنصر الثقافي المرتبط بهوية وثقافة المملكة، وذلك عبر مبادرات وأنشطة وفعاليات تُقام على مدار العام.

وأوضح سموه، أن مبادرة “عام القهوة السعودية” ستكون مظلة جامعة لكل مظاهر الاحتفاء بهذا المكون الرئيس في الثقافة السعودية، وأشار إلى أن الاعتزاز بالهوية الوطنية وبما يرتبط بها من عناصر ثقافية، يعد من الواجبات الأساسية التي تعمل على تنفيذها وزارة الثقافة، تحقيقًا لتطلعات القيادة التي لم تدخر جهدًا في دعم الثقافة السعودية بكل مكوناتها الأصيلة.

 

جدواها الاقتصادية

فيما يرتكز الثاني، على أبعاد جدواها الاقتصادية؛ إذ شرعت المملكة ممثلة في وزارة البيئة والمياه والزراعة في تطوير المحاصيل ذات الميز النسبية واستغلال المياه المتجددة (مياه الأمطار)، بهدف دعم المحاصيل ذات العائد الاقتصادي المرتفع ومنها البن.

وتعد زراعة البن في المملكة من أهم المشاريع التنموية، حيث تم تخصيص عدد من البرامج والمبادرات لدعم مشاريع البن ويأتي في مقدمتها، إنشاء مصنع للبن، وتحويل 60 مزرعة بن إلى مزرعة نموذجية، كما تم إطلاق مشروع تأهيل المدرجات الزراعية، ودخول البن ضمن مشاريع الصندوق الدولي للتنمية الزراعية “إيفاد”، إضافة إلى تدشين مشروع مدينة البن التنموية في منطقة الباحة، وإنشاء وحدة أبحاث للبن في مركز الأبحاث الزراعية في جازان.

مهرجان سنوي

وبشكل عام، تنتشر زراعة البن في المرتفعات الجبلية بجازان، حيث يبلغ عدد مزارعي البن في منطقة جازان نحو 800 مزارع في محافظات القطاع الجبلي الداير بني مالك وفيفاء والعيدابي وهروب والرّيث والعارضة، منهم 563 مزارعًا في محافظة الداير بني مالك، فيما وصلت أعداد أشجار البن إلى نحو 110 ألف شجرة في جميع القطاع الجبلي بالمنطقة منها نحو 42 ألف شجرة بن في الداير بني مالك التي تحتضن مهرجانًا سنويًا لتسويق منتج البن، كما أطلقت شركة أرامكو السعودية في نفس العام نفسه ضمن مبادرة لاستزراع وإنتاج البن في جازان والتي تهدف لمساعدة وتدريب أكثر من 500 مزارع وزراعة 9000 شتلة لإنتاج 30 طن من البُن.

وتشيرالإحصائيات الرسمية الصادرة من وزارة البيئة والمياه والزراعة، إلى أن نسبة زراعة أشجار البن في المملكة منذ عام2017م حتى الآن بلغت أكثر من %166، حيث تمت زراعة 400 ألف شجرة في 2021م بزيادة قدرها 250 ألف عن الأعوام الثلاثة الماضية، وتستحوذ مناطق جازان وعسير والباحة على زراعة أشجار البن في المملكة.

الذهب الأخضر

وتسعى وزارة البيئة والمياه والزراعة، إلى جعل 13 محافظة في الجزء الجنوبي الغربي من المملكة مصدرًا مهمًا لإنتاج البن، خصوصًا البن الخولاني الذي يمتاز بالجودة عن بقية الأنواع، ورفع نسبة إنتاج البن في المملكة دعمًا للاقتصاد الوطني وفق مستهدفات رؤية المملكة 2030م.

وفي هذا الوقت من السنة الزراعية، يبدأ المزارعون في المحافظات الجبلية في الجزء الجنوبي الغربي من المملكة، جمع محصول البن الخولاني أو ما يعرف بـ “الذهب الأخضر” أو الشجرة المدللة، ووفقًا لآخر الإحصائيات بلغ الناتج المحلي من البن في المحافظات الجبلية بمناطق جازان والباحة وعسير 1810 أطنان سنويًا، ونحو 350 طنًا من البن الصافي بعد التقشير، كما بلغ عدد مزارع البن فيها 2535 مزرعــــة، واحتـــوت على 398 ألـــف شجرة بن.

مزارع البن

ويبلغ عدد مزارع البن في منطقة جازان أكثر من 1985 مزرعة تحتوي على 340 ألف شجرة بن في محافظات القطاع الجبلي الدائر، وفيفاء، والعيدابي، وهروب، والرّيث، والعارضة، تنتج نحو 1320 طنًا سنويًا، و785 طنًا من البن الصافي بعد التقشير، وتحتضن مهرجانًا سنويًا لتسويق منتجاته.

ويأتي بعدها، مزارع البن في المحافظات الجبلية بمنطقة عسير، حيث تنتج أكثر من 300 مزرعة احتوت على 40 ألف شجرة 200 طنًا من البن، و100 طن من البن الصافي بعد التقشير، ثم مزارع البن بمنطقة الباحة حيث بلغ إنتاج البن 40 طنًا وكمية البن الصافي بعد التقشير 20 طنًا لأكثر من 250 مزرعة للبن احتوت على 18 ألف شجرة بن .

وتصنف المملكة من أكثر دول العالم استهلاكًا للبن لارتفاع معدل استهلاك الفرد السعودي للقهوة، وتقدر الكميات المستوردة سنويًا للأسواق السعودية من البن نحو 73 ألف طن، ويبلغ معدل إنفاق السعوديين على إعداد القهوة أكثر من مليار ريال بواقع يتجاوز 80 ألف طن.

وحدة أبحاث متخصصة

وفي سبيل استثمار البن “الخولاني” في الجزء الجنوبي الغربي من المملكة التي تتميز بمناخها المناسب لزراعة أهم أصناف البن والتي ثبت نجاحها، أنشأت وزارة البيئة والمياه والزراعة وحدة أبحاث متخصصة في البن، بمركز الأبحاث الزراعية في منطقة جازان، بهدف القرب من مُزارعي البن والوقوف على أبرز معوقات زراعته، وتقديم الحلول والمعلومات المتكاملة لتطوير المنتج، من خلال عقد ندوات علمية يتم التعريف بكيفية زراعة البن وضرورة توفير المياه والسماد والمكان الملائم لينتج بجودة عالية، فضلاً عن توقيع اتفاقية بين المملكة والصندوق الدولي للتنمية الزراعية “إيفاد” في عام 2018م للمساعدة على إحلال التقنية مستردة التكاليف لتحسين سلالة البن.

مدينة البن التنموية

وتعتزم وزارة البيئة والمياه والزراعة، إنشاء مدينة البن التنموية بمعشوقة في محافظة القرى على مساحة إجمالية بلغت 1.600.000 متر مربع وبطاقة تشغيلية تستهدف توفير 1000 فرصــة وظيفيـــة وزراعــة 300.000 شجرة بن.

وستتضمن المدينة كذلك عدة مرافق هامة عبارة مصنع متكامل للبن يشمل الفرز والتجهيز والتحميص والتغليف، ومركز تدريب ومركز أعمال ومعرض دائم، كما يوجد منطقة مخصصة للسكن والضيافة حيث تستهدف الوزارة جعل مدينة البن واجهة سياحية مميزة.

وكم تسعى الوزارة من خلال العديد من البرامج والمبادرات إلى دعم مشاريع زراعة البن ومنها مبادرة إعادة تأهيل المدرجات الزراعية وحصاد مياه الأمطار والتي ساهمت في إعادة تأهيل 114 مزرعة بن بمنطقة الباحة كما تم توزيع 17.000 شتلة مجانًا، وكذلك برنامج التنمية الريفية الزراعية المستدامة (ريف) والذي يقدم دعمًا ماديًا غير مسترد إلى ثمانية قطاعات منها البن حيث يهدف إلى تحسين القطاع الزراعي الريفي ورفع مستوى معيشة صغار المزارعين وزيادة الكفاءة والإنتاجية.