نافذة

سبيل الناجحين!

الأكثر نجاحًا اليوم هو من يستطيع استيعاب الواقع والقفز إلى ما وراءه، ومن لديه قدرة على طرح البدائل بغية حل المشكلات إن وجدت.

في مجال الاتصال نجحت الحكومات التي استطاعت الانتقال من رسم الصورة الإيجابية المطلقة عبر الإعلام التقليدي والرسمي إلى صناعة صورة حقيقية بسلبياتها وإيجابياتها عبر لغة ووسائل العصر الجديدة.

لقد عانى الخطاب الإعلامي العربي في وسائل الإعلام الرسمية والتقليدية لفترة معينة من تقديم المحتوى المثالي الذي لم يكن في بعض الأحيان ملامسًا للواقع المعيش فيما يتعلق بالخدمات المقدمة للمواطنين، وبالأداء العام لكثير من الجهات مما قاد بشكل أو بآخر إلى فشل هذا الخطاب في إقناع الناس وإلى إضعاف مصداقية وسائل الإعلام وبالذات المقروء منها وشيوع المصطلح العربي الشعبي “كلام جرايد”.

اليوم يُسجل النجاح للحكومات التي أدركت أن تحقيق الاصلاحات التي تريدها يحتاج إلى تغيير الخطاب، وبالتأكيد تطوير وسائله، ليصبح هناك تفاعلية أكثر مع مجتمعات شابة منفتحة على العالم، بات كثير من أفرادها يحمل وسيلته الإعلامية في يده، سواء كانت وسيلته التي يتلقى منها، أو تلك التي يبث من خلالها أحلامه ورغباته وانتقاده لأداء أي جهة حكومية أو شركة أهلية يرتبط أداؤها بحياته ويؤثر عليها.

لقد أسهم التواصل الاجتماعي في تسريع وصول فكرة الأولويات الحقيقية للناس، حسنا، بعض الأولويات الحقيقية لأن خارطة الأولويات تتغير من جيل لآخر، وهي وأن كانت معلومة للحكومات، إلا أن هذه المعرفة كانت حبيسة أنظمة بيروقراطية وخطاب رسمي جعلها قبل ثورة التواصل تتقدم ببطء.

بالنسبة إلينا في المملكة فقد نجحنا في صُنع خطاب اتصالي حديث ومتحضر باتت بعض الجهات تتبعه، والحاجة أن تتخلى جهات أخرى عن حساسيتها وتتبعه أيضًا ليكتمل النجاح.

حققت الرؤية تغيرًا جوهريًا في ثقافة الأداء الحكومي، وتمحورت النقاشات والمطالب والثناء أو عدمه، أي الخطاب الاتصالي إجمالاً على تلك الأحلام التي رسمتها الرؤية، وعلى خطط التحول التي انبثقت منها وبات الناس شركاء في تقييمها ومتابعتها من خلال هذا الزخم التواصلي العالي الذي لم يستخدموه فقط في دعم الرؤية، لكن أيضًا في تفنيد من وما يقف ضدها، أو ضد بلادهم للتقليل من شأنها، أو من شأنهم، أو التشكيك في إمكانية التنفيذ.

الأمر ينطبق أيضًا على قطاعات الأعمال والشركات، ما كبر منها وما صغر، فالخطاب الناجح لصنع الهوية المؤسسية، أو الخطاب الاتصالي التسويقي يجب أن يعي “سبيل الناجحين”، فالمتلقي اليوم الذي هو بمثابة عميل أو مستهلك السلعة التي تنتج أو الخدمة التي تقدم لديه النفاذ والتأثير، ولأن بعض وسائل التواصل الاجتماعي ضعيفة الضبط، وسهلة التأثر بما اسميه “الفقاعات الوقتية” التي تصنع انطباعات عابرة أو تمرر رسائل مغرضة، تصبح مهمة الاتصال والتواصل أصعب لمن يريد تحقيق أفضل النتائج.

الخبراء والمتخصصون في الاتصال المؤسسي لا زالوا -كما قرأت غير مرة وأنقل هنا- يتناقشون ويختلفون ويتفقون حول المنصات الجديدة، هل هي “وسائط تواصل اجتماعي”؟ هل هي “وسائل إعلام”؟ هل لديها “سياسة تحريرية” معلنة ومستقرة؟ هل تخضع لنوع من المحاسبة والضبط؟ هل تملك صلاحية حجب مواد معينة؟ هل تدفع مقابلاً للمحتوى الذي ينتجه آخرون وتتكسب من عرضه عبر أقنيتها؟ هل توظف مسؤولي تحرير بما يكفي لضبط المحتوى الذي يبث عبرها؟ كيف تختار هؤلاء المسؤولين؟ وكيف تدربهم؟ وكيف تحدد لهم نطاق عملهم؟

وسواء توصلوا لإجابات أو نتائج أو لم يفعلوا تبقى هذه الوسائل واقعًا معيشًا يجب استثماره أو استثمار المتاح منه قدر الإمكان.

لا نعرف يقينا إذا ما كان المستقبل القريب هو عصر سيطرة منصات التواصل على توجهات الناس واختياراتهم وحتى رغباتهم وأهوائهم، لكننا نعرف أن صدق الخطاب، وجودة ما يُقدم للناس يفرضان النجاح في نهاية المطاف الاتصالي.