اقتصاد الملف

جسر أخضر.. عابر للقارات والحضارات

ممران شمالي وشرقي يجعلان منطقة الخليج العربي والشرق الأوسط حلقة وصل بين الهند وأوروبا ويدخلان الدول القائــمة عليــه في عصر جديد من الاتصال

احتلت المملـكـــة المركـــز الـ 21 عالميًا في عــــدد الكوابــــل البحرية خلال عام 2021م

خطوة تاريخية تُعزز موقع المملكة في قلب سلاسل الإمداد العالمية ويوفر فرص عمل طويلة الأمد ويدعم التنمية المستدامة للعالم بأسره

 

أصبح العالم بحاجة الآن إلى استحداث أنشطة اقتصادية جديدة ومشروعات ضخمة ومبادرات مبتكرة تُعزز من علاقاته الاقتصادية، وتندمج بواسطتها خطوط الاتصال والتواصل، ويَسهل من خلالها نقل المنتجات والخدمات والبيانات بين البلدان وبعضها البعض، تعطي دفعة للاقتصاديات الوطنية خاصةً في ظل تلك الفترة التي شهدت سنواتها الأخيرة العديد من الأزمات الاقتصادية والسياسية والصحية، كان أبرزها جائحة كورونا والأزمة الروسية الأوكرانية، التي زلزلت تداعياتهما وآثارهما العالم بأسره.

وخلال اجتماعات قمة مجموعة الـ 20 التي عُقدت مؤخرًا بمدينة نيودلهي، أعلن ولي العهد رئيس مجلس الوزراء صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان، عن توقيع مذكرة تفاهم لمشروع إنشاء ممرات خضراء عابرة للقارات، وهي مبادرة جديدة تصبح من خلالها منطقة الشرق الأوسط حلقة وصل بين الهند وأوروبا.

ويسعى المشروع، الذي يضم كلٍ من المملكة والإمارات والهند والاتّحاد الأوروبي وفرنسا وإيطاليا وألمانيا والولايات المتحدة إلى تحقيق عدد من الأهداف في مجالات وقطاعات أمن الطاقة، وتنمية الاقتصاد الرقمي والتبادل التجاري وزيادة مرور البضائع من خلال ربط السكك الحديدية والموانئ، ما يولد الآلاف من الفرص الاستثمارية والوظيفية ويدعم النمو الاقتصادي لكافة البلدان القائمة على الممر.

ووفقًا لوثيقة عرضتها رئيسة المفوضية الأوروبية “أورسولا فون ديرلاين”، يحقق المشروع أهدافه، من خلال ربط ودمج خطوط السكك الحديدية والموانئ البحرية، بدءًا من الهند ومرورًا بالمملكة ومنطقة الخليج العربي، ووصولاً إلى أوروبا، وأنه سيتضمن ممرًا للسكك الحديدية وكابل لنقل الكهرباء وخط أنابيب هيدروجين وكابل بيانات عالي السرعة، وهو ما اعتبرته الوثيقة ذاتها بمثابة “جسر أخضر ورقمي عبر للقارات والحضارات”، وبمعنى آخر، فإنه أكبر من مجرد مشروع للسكك الحديدية والاتصالات، ولكنه يشمل أبعًادًا بيئية واقتصادية واستراتيجية.

أورسولا فون ديرلاين

وبشكلٍ عام، فإن مفهوم “الممرات الخضراء”، انتشر بعد الجائحة عندما شرعت بعض الدول بتدشين اتفاقيات بيئية، تسمح لمن حصلوا على اللقاح والتطعيم المضاد لفيروس كورونا بالتنقل بين الدول الموقعة على هذه الاتفاقيات، وذلك دون إلزام المسافرين بالعزل الصحي، وظهر ذلك بالتزامن، مع ما عُرف بـ “التصريح الأخضر” أو “المرور الأخضر”، والذي سمح للأفراد أثناء الجائحة، بالدخول والتنقل في الأماكن العامة، وكانت تلك الاتفاقيات بمثابة وسيلة انتهجتها العديد من الدول لتعجيل التعافي من آثار الجائحة، خاصةً فيما يتعلق بتسهيل الانتقال والسفر بين الدول بشكل آمن.

ومن خلال “الممرات الخضراء الآمنة”، وفي إطار فتح باب الهجرة القانونية، سمحت بعض الدول الأوروبية بدخول المزارعين القادمين من خارج الاتّحاد الأوروبي، وذلك بعد أن أدت الإجراءات الاحترازية لمواجهة كورونا إلى إغلاق الحدود أمام العمالة الموسمية، وأخذ بعدها يتطور مفهوم “الممرات الخضراء”، ولم يعد يتم استخدامه للأفراد والأشخاص فقط، ولكنه أصبح يشمل السلع والخدمات وغيرها، وفي هذا الإطار، فقد سعت العديد من الدول لربط قارات العالم بممرات ومراكز تجارية، على اعتبار أن ذلك يُعد شرطًا أساسيًا لتصدير الطاقة النظيفة، كما يأتي ضمن الجهود الأممية والدولية لخفض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري والحفاظ على البيئة، من خلال مد كابلات تحت البحر وربط شبكات الطاقة وخطوط الاتصالات.

ووفقًا لذلك، تم إطلاق اتفاق “الممرات الخضراء”، لتكون الدول المشتركة في هذا الاتفاق بمثابة ممر استراتيجي لنقل الطاقة وتعزيز التبادل التجاري والأمن الغذائي وسلاسل التوريد، فضلاً عن دور الاتفاق في توطيد العلاقات الاقتصادية والسياسية بين الدول التي سيخدمها هذا الممر.

محاور المشروع

وفي وثيقة نشرتها الإدارة الأمريكية احتفاءًا بالاتفاق، فإن “هذا الممر الكبير بين الهند وأوروبا بمثابة إطلاق حقبة جديدة متصلة عبر شبكة سككك حديدية، وربط الموانئ في أوروبا بالشرق الأوسط وآسيا”، وهو ما يسهم في “تشجيع تطوير وتصدير الطاقة النظيفة” وتنمية العلاقات التجارية، ويُعد مشروع “الممرات الخضراء” أشبه بشراكة عالمية متعددة المحاور، لربط الهند والشرق الأوسط وأوروبا، من خلال إقامة بنية تحتية متطورة، ويتكون المشروع من:

  • الممر الاقتصادي الأول، وهو ممر شرقي يربط الهند بمنطقة الخليج العربي والشرق الأوسط.
  • الممر الاقتصادي الثاني، وهو ممر شمالي يربط منطقة الخليج العربي والشرق الأوسط بأوروبا.

الأهداف والأهمية

من المقرر أن يربط مشروع “الممرات الخضراء” المناطق الثلاث، الهند والشرق والأوسط وأوروبا، من خلال البنية التحتية المتطورة للاتصال، وذلك لتعزيز العلاقات بين دول الممر في شتى المجالات، ولتحقيق عدد من الأهداف، لعل أبرزها ما يلي:

  • التنمية الاقتصادية: تعزيز العلاقات التجارية والاقتصادية، من خلال تسهيل التبادل التجاري والتوسع في الأنشطة الاقتصادية الجديدة ورفع معدلات النمو الاقتصادي في الدول التي سيخدمها هذا المشروع.
  • دعم وسائل النقل واللوجستيات: زيادة فعالية وكفاءة سلاسل الإمداد ووسائل النقل واللوجستيات، التي تُعد بمثابة العمود الفقري للاقتصادات، التي سيربطها مشروع “الممرات الخضراء”، بما يسهم في سلاسة وسرعة وصول السلع والخدمات، سواء للكيانات الاقتصادية والشركات أو حتى للأفراد.
  • تعزيز أمن الطاقة: من المتوقع أن يسهم هذا المشروع في تعزيز أمن الطاقة وتطوير البنية التحتية للطاقة، بما فيها النفط والغاز في الدول المختلفة، كما سيسهم المشروع في دعم ورفع كفاءة نقل الكهرباء واستخدام خطوط الأنابيب في نقل مختلف مصادر الطاقة والهيدروجين النظيف والطاقة المتجددة عبر الكابلات الجديدة وخطوط البنى التحتية.
  • تفعيل الاتصالات والاقتصاد الرقمي: من المستهدف أن يسهم المشروع في تعزيز الاتصالات وتسريع وصول المعلومات ونقل البيانات، من خلال إنشاء كابـــل متطـــور تحت البحر يربط بين دول الممـــــر، وبمعنــى آخــر، فإن هذا سيساعد على تنمية وتطوير الاقتصاد الرقمي عبر الربط والنقل الرقمي للبيانات، من خلال كابلات الألياف البصرية.

ويرى نائب الرئيس لمستشار الأمن القومي الأمريكي، “جون فاينر” أن مشروع “الممرات الخضراء”، يمكن من ورائه تحقيق ثلاثة أهداف رئيسية، أولها تحقيق الرخاء بين البلدان المعنية بزيادة تدفق الطاقة والاتصالات الرقمية، أما ثاني هذه الأهداف، فهو المساهمـــة في مواجهة العجز الحادث في البـنيــــة التحتـيـــة اللازمـــة للنمـــو في الدول ذات الدخل المنخفض والمتوسط، وأخيرًا، فإن الهدف الثالث يتمثل في المساعدة في خفض الاضطراب وانعدام الأمن في الشرق الأوسط.

د. محمد الصبان

الآثار والفوائد

من المؤكد أن ضخ المزيد من الاستثمارات في قطاعات حيوية، مثل الطاقة والاتصالات والبنية التحتية، سيؤدي إلى توسيع تلك القطاعات وزيادة المشروعات بداخلها، وتوليد المزيد من الأنشطة التجارية وجلب المعرفة التقنية، كما سيؤدي ضخ الاستثمارات نتيجة خفض الحواجز أمام عبور الأموال إلى العديد من الآثار الإيجابية على سوق العمل، ومنها ارتفاع معدلات التوظيف وانخفاض معدلات البطالــــة وتعزيـــز مهـــارات القوة العاملة وزيادة الإنتاجية.

ومن المستهدف أيضًا أن يسهم المشروع في تنشيط قطاع السياحة، فبعدما تسببت جائحة كورونا في خسائر فادحة لقطاع السياحة والقطاعات المرتبطة به، بلغت حوالي 4 تريليونات دولار، خلال عامي 2020م و2021م يمكن أن يسهم مشروع “الممرات الخضراء” في انتعاش حركة السياحة الدولية وتدعيم سلاسل الإمداد فضلاً عن رفع مكانة المملكة كموقع استراتيجي مهم، وهو ما أكده وزير الاستثمار “خالد الفالح” بأن إعلان ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، إبرام مذكرة تفاهم لإنشاء ممرات اقتصادية خضراء تربط الهند والشرق الأوسط وأوروبا، يعد خطوة تاريخية تعزز موقع المملكة في قلب سلاسل الإمداد العالمية.

تمهيد وتهيئة

لا شك أن مشروع بهذه الضخامة، يتطلب الاستعداد والتمهيد له ومواكبته، من خلال العديد من الخطط والمشروعات الوطنية، وقد بدأت المملكة بالفعل الاستعداد للدخول والمشاركة في تلك المشروعات العملاقة، من خلال العديد من التشريعات والقوانين، فضلاً عن المبادرات.

وكانت المملكة في عام2021م أطلقت الاستراتيجية الوطنية للنقل والخدمات اللوجستية، والتي تضمنت رؤية استراتيجية متكاملة للقطاع، لتحقيق طموحات وأهداف الرؤية ولتكون تلك الاستراتيجية الوطنية بمثابة هي الموجه والمرشد الرئيس لتطوير استراتيجيات النقل والخدمات اللوجستية، من خلال إدراكها لأبرز المستجدات، وعلى رأسها التسارع التقني فيما يتعلق بمستقبل النقل والتنقل والخدمات اللوجستية، وكذلك التنافس والمتغيرات الإقليمية في هذا القطاع الحيوي، فضلاً عن المستجدات والتطورات والمتغيرات الوطنية، في ظل إطلاق العديد من الاستراتيجيات الوطنية والمشروعات الكبرى بالمملكة.

وتضمن تلك الاستراتيجية أربعة ركائز أساسية، وهي ترسيخ مكانة المملكة كمركز لوجستي عالمي، والارتقاء بجودة الحياة في المدن السعودية، وتحقيق توازن الميزانية العامة، وتحسين أداء الجهاز الحكومي.

ولم تكتف المملكة بتدشين الاستراتيجيات وإطلاق المبادرات، ولكنها قامت بالفعل بضخ استثمارات تبلغ 15 مليار دولار في البنية التحتية المعلوماتية، و18 مليار دولار في مراكز البيانات، وهو ما ساهم في احتلال المملكة المركز الـ 21 عالميًا في عدد الكوابل البحرية خلال عام 2021م.

مبادرات المملكة

وفي مارس 2021م كان قد أعلن ولي العهد الأمير محمد بن سلمان التزام المملكة بمسؤوليتها كمنتج رائد عالمي للنفط في دفع جهود مكافحة تغير المناخ، والتزامها بقيادة “الحقبة الخضراء القادمة”، مؤكدًا أن مبادرة “السعودية الخضراء” ومبـــــادرة “الشرق الأوسط الأخضر”، ستحددان مسار المملكة والمنطقة في الحفاظ على البيئة والطبيعة وستسهمان بفاعلية في تحقيق الأهداف العالمية.

وقد جاءت مبادرة السعودية الخضراء في إطار رؤية 2030م التي تهدف إلى تعزيز التنويع الاقتصادي وتقليل الاعتماد على النفط، وتحويل المملكة إلى مركز عالمي للطاقة النظيفة وتوجيه الاستثمارات نحو مشاريع تعزز الاستدامة وتحمي البيئة، وفي هذا الإطار، فقد تضمنت المبادرة مجموعة من البرامج والمشاريع الهادفة للحد من الانبعاثات، ومجموعة استثمارات في مصادر الطاقة الجديدة من أجل زيادة كفاءة الطاقة، وكان من أبرز أهداف هذه المبادرة تقليل الانبعاثات الكربونية بمقدار 278 مليون طن سنويًا بحلول عام 2030م.

وفي إطار مبادرة السعودية الخضراء، اتخذت المملكة التزامًا بحماية 30% من مناطقها البرية والبحرية بحلول عام 2030م من خلال التعاون مع منظمات عالمية رائدة في مجال حفظ التنوع البيولوجي، مثل الاتّحاد الدولي لحفظ الطبيعة، بهدف الحفاظ على التنوع البيئي والحياة البرية في المملكة.

الحياد الصفري

وجاءت مشاركة المملكة الفاعلة في فعاليات مؤتمر COP27 بشأن تغير المناخ، لتؤكد التزامها في مجال العمل المناخي بالسعي لتحقيق الأهداف المحددة في إطار مبادرة السعودية الخضراء، وعلى رأسها التزام المملكة بتحقيق هدف الوصول للحياد الصــفـــري بحـلــــــول عــــــام 2060م بمـــا يتماشى مع خطط التنويع الاقتصادي والتنمية في المملكة.

وكانت المملكة بالفعل قد حظيت بانضمامهــــا إلى الــدول الأعـضـــاء فــي المعهد العالمـــي لاحتجـــاز الكربــون وتخزينه ما يؤكد جهودها في مواجهة التحديات المناخية من خلال التعاون، والابتكار، وتبني التقنيات المؤثّرة.

وقد قامت المملكة بالعديد من المبادرات للحد من الانبعاثات الكربونية، ولزيادة استخدام الطاقة النظيفة والحفاظ على البيئة، ومن هذه المبادرات إعلان المملكة سعيها لزراعة 10 مليارات شجرة في جميع أنحاء البلاد، وزراعة 450 مليون شجرة بحلول عام 2030م، كما سعت المملكة إلى تبوء موقع قيادي عالميًا في سوق الهيدروجين الأخضر؛ ففي عام 2020م ووفقًا لرؤية 2030م؛ بدأت أولى خطوات تحقيق هذا الهدف، من خلال توقيع اتفاقية شراكة بين شركة نيوم وشركتي أكوا باور وإير بروداكتس الأمريكية، لتأسيس شركة “نيوم للهيدروجين الأخضر”، لتكون بمثابة أكبر مصنع لإنتاج الهيدروجين في العالم.

وجاء إنشاء المصنع، والذي يعتمد على طاقتي الشمس والرياح لتوليد الكهرباء ضمن الجهود المبذولة لإمداد مدينة نيوم وتشغيلها بطاقة نظيفة بالكامل، ولتحقيق الوصول إلى الحياد الكربوني، فضلاً عن إنتاج وقود نظيف لقطاع النقل والمواصلات ولاستخدامه في صناعة الكيماويات، وبجانب إعلان المملكة سعيها لتحقيق “صفر” انبعاثات صافية قبل عام 2060م فقد أكدت التزامها بالقضاء على التلوث والمساهمة في جهود العالم للتصدي لتغير المناخ وتحقيق استدامة البيئة.

ترحيب رسمي

بعد توقيعه اتفاقية الممرات الخضراء، أكد ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، إن الممر الاقتصادي سيسهم في زيادة التبادل التجاري بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا، كما سيوفر فرص عمل طويلة الأمد وسيسهم في ضمان أمن الطاقة العالمي، فضلاً عن أنه سيحقق المصالح المشتركة للدول المشاركة في المشروع ويعزز الترابط الاقتصادي بينها، وهو ما ينعكس إيجابًا على اقتصاداتها الوطنية وعلى الاقتصاد العالمي.

ومن جانبه، وصف الرئيس الأمريكي “جو بايدن”، اتفاق الممرات الخضراء بأنه “اتفاق تاريخي” و”مهم”، داعيًا إلى ما أسماه انتهاز الفرصة والتعظيم من الاستثمارات الجماعية، وهو ما يسهم في إيجاد شركاء جدد، ويفتح المجال أمام رؤوس الأموال الجديدة، كما أعلن البيت الأبيض، في بيان له، إن “هذا الممر التاريخي، سيُدخل الدول القائمة عليه في عصر جديد من الاتصال من خلال السكك الحديدية والموانئ، التي تربط أوروبا والشرق الأوسط وآسيا، أما رئيس الوزراء الهندي “ناريندرا مودي”، والذي استضافت بلاده القمة، فقد اعتبر أن الممر سيعطي اتجاهًا جديدًا للاتصال والتنمية المستدامة، قائلاً “أنه بالشروع في مبادرة الربط الكبيرة هذه، فإننا نضع بذورًا تجعل أحلام الأجيال المقبلة أكبر.

توقعات إيجابية

بعد الإعلان الرسمي عن مشروع الممرات الخضراء وتوقيع الاتفاقية في نيودلهي، أعلن العديد من الخبراء والمسؤولين عن تفاؤلهم وترحيبهم بمثل هذه المشروعات، باعتبار أن فوائدها من المتوقع أن تعود بالنفع على الاقتصاديات الوطنية، وعلى الأجيال الحالية والمقبلة، كما أكد الخبراء أن الممر بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا ليس بالضرورة بديلاً لمبادرة الحزام والطريق، بل قد يكون مكملاً لها.

وفي هذا الإطار، أكد الخبير في شؤون جنوب آسيا بمركز ويلسون في واشنطن، “مايكل كوجلمان، أنه إذا تم تنفيذ اتفاق “الممرات الخضراء”، فإن ذلك الاتفاق سيغير قواعد اللعبة عبر تعزيز الروابط بين الهند والشرق الأوسط”، كما أنه سيكون منافسًا فعالاً لمبادرة الحزام والطريق”.

وصرح الرئيس التنفيذي لشركة “سكاي تورز”، “إريك فانج” أن الإعلان عن ممرات خضراء عابرة للقارات يعني أن العالم أمام مشروع تنموي نهضوي لا يستثني مكانًا جغرافيًا في العالم، متوقعًا أن يضاعف مشروع “الممرات الخضراء” حجم الزيادة في التجارة والنقل وأن يؤدي إلى تحسين حجم التجارة إلى أربعة أضعاف، فضلاً عن مساهمة المشروع في دفع تطوير البنية التحتية للنقل الأخضر وتحسين البيئة وظروف المعيشة.

أما كبير مستشاري وزارة الطاقة السعودية، الدكتور “محمد الصبان”، فاعتبر أن مشروع الممرات الخضراء، له أهميته الاقتصادية لجميع الدول، التي سيمر بها، سواء كانت الهند أو دول الشرق الأوسط أو حتى بالنسبة لدول الاتّحاد الأوروبي، خاصةً أن هذا المشروع لن يسهم فقط في ربط التجارة وتعزيز التبادل التجاري بين تلك المناطق والدول فقط، ولكنه أيضًا سيسهم في تنشيط واستحداث أنشطة اقتصادية جديدة، كما أن ما يتضمنه هذا المشروع، من تحول إلى الطاقة المتجددة ودعم القطاع الخاص، سيرفع من الجدوى الاقتصادية في تلك المجالات، وسيسهم في خلق فرص جديدة تصب في اتجاه الاستدامة والتنمية وتعزيز التعاون الدولي.

ويرى الباحث في الاقتصاد السياسي، الدكتور “عبد السلام القصاص” أن الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة تسعى منذ فترة إلى إقامة العديد من الشراكات والاتفاقيات الاقتصادية، من أجل تحقيق العديد من المصالح المشتركة والاستراتيجية في ظل تزايد الجهود، التي تبذلها الصين تجاه العديد من دول العالم، وأضاف أن مشروع الممر باعتباره يعزز التجارة وسلاسل التوريد ونقل الطاقة والاتصالات الرقمية، سيعمل على تسريع التبادل التجاري بين الشرق والغرب؛ حيث تشير التقديرات إلى أن المشروع سيوفر مسافات كبيرة ذات أبعاد كبيرة بين القارات، كما أن ذلك المشروع الاستراتيجي سيعزز تقارب وجهات النظر السياسية في المنطقة، فضلاً عن مردوده التنموي ومساهمته في النمو الاقتصادي ببلدان المشروع ويقلل من حدة الصراعات والنزاعات والمشكلات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية إذا نجح في تحقيق أهدافه. الأمر الذي يتطلب من كافة الدول المعنية تضافر الجهود والتعاون من أجل إنجاح المشروع.

متطلبات النجاح

لا شك أن الاقتصاد العالمي، يحتاج إلى العديد من المبادرات والمشروعات، مثل مشروع “الممرات الخضراء”، خاصةً أن تدشين المشروع بممراته المحورية سيكون بمثابة شرايين جديدة للاقتصاد الدولي، بما يساعد على تنشيط التعاملات الاقتصادية الدولية وتنشيط حركة التجارة العالمية وتعزيز العلاقات الثنائية بين دول المشروع، كما أن المشروع يعول عليه داعموه إلى تحقيق التنمية المستدامة وتطوير البنية التحتية وضخ الاستثمارات في الاقتصاد بقطاعاته المختلفة، فضلاً عن دوره في تنفيذ الابتكارات في تكنولوجيا الطاقة النظيفة المتقدمة، وإنعاش التجارة والتصنيع، وتعزيز الأمن الغذائي وسلاسل التوريد.

ويتطلب نجاح هذا المشروع، تحقيق العديد من الخطوات والارتكاز إلى عدد من الدعائم والعوامل، ومنها: وجود دعم قوي من الحكومات والدول المشتركة في المشروع، وقيامها بضخ الاستثمارات في البنى التحتية للنقل والخدمات اللوجستية، وبمعنى أكثر تفصيلاً، فإن هذا المشروع يتطلب مليارات الدولارات لتفعيله على أرض الواقع، كذلك، فإن نجاح هذا المشروع يتطلب وجود الرغبة والإرادة بين الدول المشاركة في توطيد العلاقـــات الاقتصاديــة والتجاريــــة بينها، وفي زيادة التبادل التجاري على المستوى العالمي.