رأي

إشارات الفيدرالي الأمريكي تصنع السوق

سيطرت اجتماعات الفيدرالي الأمريكي وبياناته وخطاباته على أحداث الساحة الاقتصادية خلال العام الماضي، فكانت المحرك الأكبر للأسواق الأمريكية والعالمية على حد سواء.

تساؤلات كثيرة ظهرت مع كل مناسبة للفيدرالي الأمريكي بما يتعلق بالدور الأساسي المتوقع منه والأدوار التي أصبح مؤخرًا يضطلع بها، فعلى سبيل المثال هناك تساؤلات حول ما إذا كانت الأدوار الحالية تعالج هيكلية الاقتصاد الأمريكي أم هي عبارة عن ضمادات وقتية أم ابتعدت هذه الأدوار خارج المهمة المؤسساتية للفيدرالي الأمريكي.

مع كل هذه التأثيرات الفعلية في معنويات السوق وأساسياته، فمن البديهي أن نستخلص أن الفيدرالي الأمريكي أصبح لاعبًا رئيسيًا في السوق.

أرقام الاستهلاك والإنفاق الحكومي وبيئة الاستثمارات والميزان التجاري هي المعايير الأساسية لقياس الناتج المحلي الإجمالي وهي بالتالي المعيار المستخدم لقياس حجم الاقتصاد والنمو الاقتصادي.

هذه المعايير لم تعد متداولة بشكل شامل في بيانات الفيدرالي الأمريكي وانتقل التركيز إلى بيانات الأسواق وأداء الأسواق الأمريكية، وبالتالي تحولت الأدوار الوظيفية للفيدرالي الأمريكي إلى توفير السيولة لأسواق المال.

حتى السيولة التي أصبح يوفرها الفيدرالي الأمريكي أصبحت مقتصرة على الشركات الكبرى المؤثرة في تحرك مؤشرات السوق والشركات عالية التصنيف.

أيضًا نلاحظ أن الفيدرالي الأمريكي يمنح سيولة عالية لأسواق الاستدانة من خلال البنوك التجارية (بما فيها البنوك المتعثرة) وشركات التمويل المالي وشركات التأمين وبعض الأجهزة الحكومية الرئيسية.

كل هذه الأدوار من أجل محاربة التضخم وتحقيق الهبوط الناعم للاقتصاد حتى وإن كان هذا المصطلح غير اقتصادي وغير مُعرّف بأدوات مالية أو سوقية، بل أن الأدوات التي لجأ لها الفيدرالي لم تتعلق بنهوض القدرة التصنيعية أو الخدماتية، بل اقتصرت على مخزونات النقد والاستدانة وتنظيم إنفاق إعادة الشراء من خلال نسب الريبو العكسي، ومسار السيولة وضبطها هو الدور الذي يتقمصه الفيدرالي الأمريكي حاليًا.

البيانات التي يتم تداولها في خطابات الفيدرالي لا تتناول آلية تأثير الفيدرالي في الأسواق وبالتحديد أسواق المشتقات المالية وأسواق الآجل ومواقع التحوط حيث تحتوي هذه الأسواق على قدر عال من السيولة، بل على العكس أصبح الفيدرالي محفز ومحرك رئيسي لممارسات المضاربات المالية والتحوط.

هذا بالتالي يُغير من أهداف تصاريح الفيدرالي فهي من خلال إعلان رفع نسب الفوائد أو التوقف عن رفعها أو حتى خفضها لم تعد تعطي إشارة بتحسن المخرجات التصنيعية والخدماتية والسلع، بل هي إشارة إلى التكتيكات التي يتخذها الفيدرالي لاحتواء تحركات السوق والسيولة المتواجدة في الأسواق مع استمرار الحرب المعلنة ضد التضخم من خلال السوق والسوق فقط.