رأي

المرآة الأولى!

يعتقد البعض أن رجل الأعمال يُفضّل العميل أو المستهلك الذي لا يبحث عن حقوقه، وهو اعتقاد خاطئ خاصة إذا كنا نتكلم عن رجال أعمال حقيقيين يعملون على المدى الطويل أو أسماء عريقة في عالم الصناعة والتجارة لديها من الخبرة الكافية أن تعرف أهمية “الزبون” الذي يساعدها على البقاء والمنافسة..

إذا نظرت بتمعن وحياد إلى الأسماء التجارية والصناعية التي بقيت لعقود من الزمن محافظة على سمعتها، تجد أنهم يفضلون العميل الواعي والصادق معهم، كان الآباء والأجداد المؤسسون لكثير من الكيانات العملاقة اليوم في أي مجال ينزلون إلى منافذ البيع أن لم يكونوا هم من يبيع بأنفسهم، ويتجولون في خطوط الإنتاج في مصانعهم، وبعضهم ربما يعرف كيف يدير بعض الآلات ويحل المشكلات، وسمعنا وعرفنا عن بعضهم يتواصل مع العميل قبل أن يتواصل العميل معه، يطمئن عليه، وهو في حقيقة الأمر يطمئن على منتجه، ويحقق بشكل عفوي مستوى معين من إدارة الجودة، وربما بعض الحوكمة حتى قبل أن يصبح مصطلح الحوكمة شائعًا وضروريًا ومتطلبًا رسميًا..

ومع التطور الحاصل في التقنية، أصبح في مقدور رجل الأعمال الناجح الناصح أن يُراقب كل شيء من مكتبه، بعضهم يرد على اتصالات الجمهور في مركز خدمة العملاء، أو يختار مكالمات عشوائية للاستماع إليها، والبعض الآخر يراقب ردود الأفعال على وسائل الإعلام التقليدية والاجتماعية، والأجيال الأخيرة منهم تتيح لهم تطبيقاتهم – إن وجدت – معرفة الكثير عما يحدث لأعمالهم..

رجل الأعمال الناجح يعتبر العميل أو المستهلك هو مرآته الأولى لتقييم أعماله، وموظفيه، وتقنيات التصنيع لديه، وخطط التسويق، وكل مراحل الإنتاج أو الاستيراد، والنقل والتوزيع، وهو من يفرح كثيرًا بالعميل الصادق، حتى لو كان شاكيًا أو حتى لو تسبب في خسارة وقتية، فهذا في الحقيقة مكسب على المدى الطويل، وإحدى ركائز الاستمرارية والربح..

لا أنسى أثناء عملي في الصحافة الميدانية في بداياتي المهنية، رجل أعمال شاب هو ابن تاجر عريق كانت تجارتهم الرئيسية الملابس الرجالية وبعض مكونات الزي السعودي، دخلت عليه في مكتبه فوجدت على كراسي طاولة الاجتماعات بعض المنتجات مغسولة ومنشورة على الكراسي، سألته عن ذلك فأجاب إنه كلف عامل النظافة بغسلها ونشرها يوميًا حتى يرى كم تدوم جودتها، وحتى يكون ما يقوله للزبائن من تجار الجملة والتجزئة قريبًا من الواقع..

كم من تاجر ورجل أعمال كانت له جولة ميدانية مفاجِئة على جميع فروعه في المملكة، يدخل ويخاطب العملاء والموظفين، ليس إقلالاً من التقارير التي ترد إليه، لكنها فطرة صاحب العمل الأصيل، وربما تأكيدًا للمثل العربي الشهير “ليس من رأى كمن سمع”..

كم من صاحب مصنع ركب مع شاحنات النقل لإيصال منتجه إلى مدن بعيدة ليعرف على أرض الواقــع وضع منتجه، ويرى وضع المنافسين، ويتحدث مع من يرى من الزبائن ليعرف أين موقعه، ويعيش تجربة حقيقية.

العميل أو الزبون الذي يصمت عن حقه هو غالبًا لا يعود إليك، يكتفي بشطبك من دائرة خياراته، لكن العميل الذي يطالب بحقه إن وجد، ويُسمعك صوته، ويظهر لك مشكلة في منتجك أو موظفيك، هو العميل الذي قد يستمر معك، هو في الحقيقة مرآتك الأولى، فأجعله دومًا محور اهتمامك الأول..

العملاء والزبائن يأتون من بيئات وثقافات مختلفة، ولذا سيكون سلوكهم وتعاطيهم معك مختلفًا تبعًا لذلك، لكنهم بالتأكيد تجمعهم أشياء مشتركة لعل أهمها أنهم يبحثون عمن يثقون فيه، فإذا كنت أنت محل الثقة، ستكون خيارهم الدائم، وربما الوحيد.