رأي

ساحة الحرب!

يُشبَّه اليابانيون بورصات التداول بساحة الحرب التي تتطلب الإعداد والتجهيز المتقن لها قبل خوض غمارها، وهم بالتالي يؤمنون بأن هذه الساحة لا تحتمل إلا أحد أمرين: إما الانتصار أو الخسارة فيها كناية عن ربح المال أو خسارته في البورصة!.

تميِّز التجار اليابانيون في منتصف القرن السابع عشر وبداية القرن الثامن عشر ميلادي باهتمامهم بدراسة ظروف السوق التجارية والمؤثرات المحيطة بها كحالة الطقس، وطرق الإمداد والمواصلات، وحجم العرض والطلب، والمخزون ووضع المناطق من حيث الاستقرار من عدمه، حينها كانت السلعة الرئيسية هناك هي: الأرز الذي يمثل وسيط التداول مقابل السلع الأخرى لعدم وجود عملة متفق عليها، وبالتالي طوروا من أساليبهم في عمليات التصنيف والتوزيع وتحليل الأسعار التاريخية وإنشاء سجلات خاصة بها (بمثابة مسك الدفاتر)..

ومن ثمار تلك الجهود تم إنشاء أول بورصة في العالم لتداول الأرز ((Dojima Rice Exchange في منطقة أوساكا اليابانية أعقبها إنشاء بورصات محلية أُخرى، ومنها انبثق أول تنظيم لتداول العقود الآجلة في التاريخ وشكلت تداولات البورصة النواة الحقيقية لبداية ظهور التحليل التقني (الفني) الياباني للأسواق الماليــــة، والذي تطور لاحقًا ليصبح ما يعرف حاليًا بالتحليل الفني باستخدام الرسوم البيانية المصوغة بالشموع اليابانية، ومنه استنبط رواد التحليل الفني الغربي في القرن الماضي معظم نماذج التحليل الفني التقليدية..

بقياس اليوم فإن تداولات التجار المهرة في اليابان في بورصات الأرز وقتها لم تكن عشوائية، بل استندت على التحليل السياسي والاقتصادي وبشقه الجزئي المسمى التحليل الأساسي، فضلاً عن التحليل الفني لاحقًا وهي جميعها كعتاد ورؤية من المستلزمات الواجب تدبرها قبل خوض المعركة في ساحة القتال (البورصة)..

ما ينطبق على بورصة دوجيما للأرز منذ القرن الثامن عشر ميلادي ينطبق على كافـــة بورصـــات التـــداول الماليـــــة حاليًــــــا من حيث الأدوات التي يستوجب على المتــداول التمرس بها قـبـل التعامل مع تلك الأسواق المالية..

فأسواق رأس المال بمختلف أنواعها (سلع – سندات – أسهم – عملات – مشتقات) ليست بالمؤسسة الخيرية أوالتكافلية إنما هي أشبه بساحة الحرب ذات المعارك المستدامة والمقننة مسبقًا، والتي تدور رحاها بين أطراف مالية متعددة (ليس بالضرورة أن تراهم، بل عليك تلمس خطواتهم وفهم سلوكهم)، قد أعدت عدتها ووضعت خططها المسبقة للظفر بها. ومن دلف لمضمارها دون استعداد ودراية وتحوط فستصبح أمواله من غنائم الأمس!.

 

وقفات:

  • الكفاءة باستخدام التحليل الفني والفهم الجيد للتحليل الأساسي والإلمام الكاف بالمؤثرات الاقتصادية والسياسية، فضلاً عن المتابعة الحثيثة للسوق هي من مميزات متداول أسواق المال الناجح..
  • تبدو أسواق الأسهم محصورة الفهم بالنسبة للكثيرين باعتبارها ليست سوى أسواق العرض والطلب، ومنها يمكن تحقيق الأرباح من خلال الفارق بين سعر الشراء والبيع، أو من خلال الأرباح الموزعة، إلا أن هذه النظرة تبقى ظاهريــــة وقاصرة في فهم الدور الاقتصادي المؤثر لتلك الأسواق وعلاقتها بالسياسة النقدية من خلال تأثير حجم الكتلة النقدية الداخلة إليها والخارجة منها بمعدل التضخم!