استثمار

أرض الأحلام في عيون المبدعين، السعودية.. «حُلم» المستثمر «الأجنبي»

ليس أصدق تعبيراً عن الواقع من «لغة الأرقام»، فهي الأكثر قدرة على التحدث بلسان «الحاضر»، والأقوى كشفاً لاتجاهات المستقبل.. السعودية لا تزال البلد «الحُلمَ» لكثيرين في العالم، شرقاً وغرباً، ينظرون إليها سوقاً للربح، وموطناً للحياة أمناً وسلاماً، وتتحدث الأرقام.

لقد أسهمت ترقية السوق السعودية لمؤشر الأسواق الناشئة في زيادة الاستثمارات الأجنبية، لتصل لأكثر من 100 مليار ريال (5%) من قيمة السوق، وهي الأعلى على الإطلاق منذ السماح للأجانب بالاستثمار المباشر في سوق الأسهم، ما يؤكد تصاعد «مؤشّر» الثقة الأجنبية عامة في المناخ الاستثماري بالمملكة، وتزايد ثقة المستثمرين خاصة.. الأمر لا يقتصر على المستمثرين الباحثين عن الربح في عالم المال والأعمال، لكنه يمتد أيضاً إلى المُبدعين والمُبتكرين الذين أغرتهم البيئة السعودية، بما تنطوي عليه من حوافز وإغراءات.. كيف؟ هذا موضوع السطور التالية.. «الاقتصاد» ترصد كيف أصبحت المملكة أرضاً لتحقيق طموحات المستثمرين والمبدعين، وأحلامهم..

400 ألف وظيفة يوفِّرها الاقتصاد السعودي سنوياً نصيب العمالة السعودية منها 42%

والأرقام – هنا – تتعلق بموقع المملكة كوجهة عالمية لجذب المستثمرين ومركز لاستقطاب المواهب وأفضل العقول في العالم، وتوفير كل الإمكانات أمامها لتبدع وتبتكر، بما يسهم في دفع عجلة التنمية وجذب مزيد من الاستثمارات.

الأرقام وحدها تقدِّم الإجابة الدقيقة عن السؤال الذي شغل كثيرين من حولنا: كيف تغلب الاقتصاد السعودي على الاضطرابات التي عانى منها الاقتصاد العالمي في الأعوام الماضية، وأصبح واحداً من أكثر اقتصاديات العالم قدرة على النمو، والحيوية، واستقطاب الاستثمارات الأجنبية وتأهيل الكفاءات الوطنية؟ وكيف يعمل الجميع بروح الفريق، في هدوء وتناغم فريد، لتحقيق أهداف برنامج التحول الوطني ورؤية المملكة 2030 الرامية لتنويع موارد اقتصاد أكبر دولة مصدرة للنفط في العالم.

توفير بيئة جذابة للمستثمرين والكفاءات من كافة أنحاء العالم للمساهمة مع نظرائهم السعوديين من أجل رفع معدل النمو الاقتصادي بوتيرة أسرع، كان ولا يزال في طليعة أهداف رؤية 2030 التي نصت أيضاً على ضرورة إتاحة فرص أكثر لغير السعوديين لتملك العقارات في مناطق معينة ورفع درجة جودة الحياة، والسماح بافتتاح مزيد من المدارس الأجنبية، واعتماد نظام فعال وميسر لإصدار التأشيرات ورخص الإقامة بما يسهم في تحقيق التنمية المستدامة وجذب الاستثمارات.

طاقات شبابية

أنس دهلوي

تكشف لغة الأرقام عن حجم الازدياد الملحوظ للاستثمارات الأجنبية في الاقتصاد السعودي، خلال العام الماضي 2018، إذ بلغت نحو 13 مليار ريال، ما يعادل 3.5 مليار دولار بارتفاع وصل إلى 110% على أساس سنوي. ولعل أبرز ما يميز بيئة العمل في المملكة ــ وكونها واحدة ضمن أفضل البيئات الاستثمارية الواعدة في العالم ــ هو تميزها بوفرة الطاقات الشبابية، وتوفر خدمات الإنترنت، ومراكز الأبحاث، وشبكة الطرق والنقل البري والجوي والبحري في أي وقت، وهو ما يتيح لروَّاد الأعمال بدء مشاريعهم والوصول بمنتجاتهم إلى كافة أنحاء السوق المحلية، وسهولة التصدير للأسواق الإقليمية والعالمية. كما تكشف لغة الأرقام أن نسبة الأجانب في سوق العمل السعودي تقدَّر حالياً بنحو 58% وأن قيمة تحويلات الأجانب في الفترة الممتدة بين عامي 2008 إلى 2018 بلغت 1.24 تريليون ريال، منها 115.52 مليار ريال عن الأشهر العشرة الأولى من 2018، وأن السعودية تشغل المركز الثاني عالمياً بعد الولايات المتحدة الأمريكية بخصوص حجم تحويلات الأجانب، وذلك وفق أرقام أخيرة صادرة عن مؤسسة النقد العربي السعودي (ساما)، وهو ما يؤكد أن الرسوم الشهرية التي سبق وفرضت على مرافقي العمال والموظفين الأجانب، في إطار سياسة لتشجيع توظيف المواطنين بدلاً من الأجانب، لم تؤثر على مكانة السعودية كدولة جاذبة للعمالة والكفاءات الأجنبية، حيث يوفر الاقتصاد السعودي سنوياً ما بين 300 إلى400 ألف وظيفة، يبلغ نصيب العمالة السعودية منها 42% فقط.

الاقتصاد السعودي يستقطب استثمارات من 50 دولة في طليعتها الولايات المتحدة وفرنسا والإمارات

ثقة كبيرة

أسهمت ترقية السوق السعودية لمؤشر الأسواق الناشئة في ارتفاع قيمة الاستثمارات الأجنبية في السوق، خلال الأسابيع الماضية بشكل لافت، لتصل لأكثر من 100 مليار ريال تعادل نسبة 5% من قيمة السوق، وتعد هي الأعلى على الإطلاق منذ السماح للأجانب بالاستثمار المباشر في سوق الأسهم، وتعكس تلك الأرقام حجم الثقة المتزايدة من قبل المستثمرين الأجانب في آلية عمل السوق وحجم الإصلاحات الاقتصادية التي تقوم بها المملكة، في إطار برنامج تحقيق التوازن المالي وصولاً إلى مستهدفاته العام 2023. كما أنه في الوقت نفسه يعكس حجم الارتياح التام تجاه النتائج المالية الإيجابية التي حققتها الشركات السعودية على مدار 2018، وحرص المستثمر الأجنبي على اقتناص الفرص الاستثمارية في السوق الأكبر بين بقية أسواق الأسهم في منطقة الشرق الأوسط بقيمة سوقية تصل لنحو 530 مليار دولار. وكالات التصنيف الائتماني هي الأخرى قدَّمت إجابة واضحة على قوة الاقتصاد السعودي وجاذبيته للاستثمارات الأجنبية، حيث صنفته وكالة موديز عند A1، مع نظرة مستقبلية مستقرة. كذلك صنفته وكالة فيتش عند +A مع نظرة مستقبلية مستقرة، كما صنف من قبل وكالة ستاندر آند بورز عند A-A-2 مع نظرة مستقبلية مستقرة.

تدفقات الاستثمار الأجنبي تعكس الثقة المتزايدة في الإصلاحات الاقتصادية وبرنامج التوازن المالي

تصنيف عالمي

مهند الحاج

عكست عدة تصنيفات نالتها المملكة خلال الفترة الأخيرة المكانة الكبيرة التي يتمتع بها الاقتصاد السعودي عند المؤسسات الدولية، حيث تقدَّمت المملكة في مؤشرات سهولة ممارسة أنشطة الأعمال الدولية لعام 2018، وجاءت في المرتبة الرابعة على مستوى مجموعة العشرين في إصلاحات بيئة الأعمال وفق تقرير البنك الدولي 2019، كما جاءت في المركز الأول خليجياً، والسابع عالمياً في مؤشر حماية أقلية المساهمين، وهو ما يعكس أهمية الإصلاحات الاقتصادية التي نفذتها الحكومة السعودية وفقاً لرؤية القيادة الرشيدة، حيث أسهم تأسيس الهيئة العامة للاستثمار بدور كبير في توفير بيئة عمل مناسبة ومشجعة أمام المستثمر الأجنبي فهي الجهة المسؤولة عن إعطاء تراخيص الاستثمار للمستثمرين الأجانب والتنسيق مع الجهات الحكومية الأخرى ذات العلاقة، مع إتاحة إمكانية ملكية الشركات والأراضي بنسبة 100% للمستثمرين الأجانب.

 

كما يحسب للهيئة كم الإجراءات التي اتخذتها مؤخراً لتشجيع أصحاب الابتكارات من كافة أنحاء العالم، وتمكينهم من الاستفادة من حاضنات الأعمال في توفير التمويل واكتساب الخبرات المناسبة، بما يتوافق ورؤية 2030 وفي طليعتها زيادة مدة الترخيص للاستثمار الأجنبي لخمس سنوات قابلة للتجديد، وتقليص مدة استخراج التراخيص لأقل من 3 ساعات، وإتاحة العمل بالتراخيص الرقمية، وكذلك إتاحة الفرصة أمام روَّاد الأعمال الراغبين في تأسيس مشاريع ريادية في المملكة للحصول على ترخيص من خلال خطوتين، الأولى توفير عقد تأسيس الشركة، والثانية توفير ما يفيد القبول أو الاعتماد من الجامعات أو حاضنات الأعمال في المملكة. وهي إصلاحات جادة تضاف لبقية الإصلاحات التي شهدتها بيئة العمل في المملكة والتي شملت أيضاً سن أنظمة تشريعية جديدة، وتعديل أخرى، لتوفير بيئة استثمارية وتجارية جاذبة وعادلة، وتوعية وحماية المستهلك والتاجر، وتطوير الخدمات الإلكترونية.

وقد أثمرت كل تلك الإجراءات والجهود في استقطاب الاقتصاد السعودي خلال السنوات الخمس الماضية لاستثمارات بقيمة 45 مليار دولار عبر 409 شركات من 50 دولة استثمرت في 550 مشروعاً بمختلف القطاعات، أبرزها البتروكيماويات والعقارات، والفنادق والسياحة والسيارات والاتصالات. وتصدرت قائمة تلك الدول كل من الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا والمملكة المتحدة، وسنغافورة والإمارات العربية المتحدة والكويت وماليزيا.

ترقية السوق السعودية لمؤشر الأسواق الناشئة تسهم في زيادة الاستثمارات الأجنبية خلال الأسابيع الماضية

روَّاد أعمال أجانب

تذخر أرض المملكة بعشرات القصص والتجارب الناجحة لروَّاد أعمال أجانب احتضنتهم المملكة ودعمتهم وساندتهم عبر مؤسساتها المختلفة إلى أن تمكنوا من تحويل أفكارهم إلى مشروعات وعلامات تجارية رائدة تضم القائمة عشرات الأسماء، منهم على سبيل المثال، لا الحصر:

نيل سميث، عالم أنثروبولوجيا أمريكي حضر إلى جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية في عام 2013 لإجراء أبحاث في مجال الحوسبة المرئية بالجامعة. وساعده مناخ الاستثمار وتشجيع روَّاد الأعمال في المملكة على التعاون مع أصدقائه لوكا باسون مهندس برمجيات إيطالي، وأنس دهلوي، ومحمد شلبي، في تأسيس الشركة الناشئة (FalconViz) عام 2015، وتختص بإجراء المسح ثلاثي الأبعاد ورسم الخرائط من قبل أنظمة الطيران بدون طيار تأسست، وتلقت الشركة في بداياتها تمويلاً من صندوق دعم الابتكار التابع لجامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية، ومن برنامج واعد التابع لشركة أرامكو.

بيتر راوتك، عالم أبحاث نمساوي في جامعة (الملك عبدالله للعلوم والتقنية)، شارك عام 2014 مع كل من عبدالواحد ومحمد الزايدي في تأسيس شركة (Visual Experience) وتختص بتقديم الواقع الافتراضي وإنتاج الأفلام ثلاثية الأبعاد وحصلت الشركة على تمويل بـ 250 ألف دولار من صندوق دعم الابتكار التابع لجامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية.

عبدالواحد ومحمد الزايدي وبيتر راوتك

أن. روكوسو، رائد أعمال فلندي جاء إلى المملكة في 2008 للعمل في إحدى الشركات، وفي 2010 نجح في جمع تمويل بقيمة مليون دولار من بعض أصدقائه، وقام بتأسيس شركة (Abi Sayara) في الرياض

وهي منصة إلكترونية لبيع السيارات الجديدة والمستعملة عبر شبكة الإنترنت.

مهند الحاج، رائد أعمال أردني الجنسية حاصل على درجة البكالوريوس في علوم الحاسوب مِن جامعة (عمان الأهلية) ساعده مناخ الاستثمار الجيد في المملكة على تأسيس شركة (SAFE ROAD) عام 2009، وتهدف إلى التقليل مِن معدلات حوادث السيارات بواسطة تتبع حركة المركبات عبر نِظام تحديد المواقع. وحصل الحاج على تمويل بقيمة 1.5مليون دولار من مركز أرامكو السعودية لريادة الأعمال.

جورج اتيلهوبر، رائد أعمال أسترالي الجنسية حضر في عام 2009 للعمل في جامعة (الملك عبدالله للعلوم والتقنية) بعد حصوله على درجة الماجستير في الطاقة المتجددة. وفي أثناء وجوده فكر في تصنيع روبوتات منخفضة التكلفة لإزالة الغبار مِن على الألواح الشمسية التي تتعرض لرمال الصحراء، وتلقى دعماً من الجامعة، ما ساعده في تأسيس شركة (NOMADD) في عام 2012م، وتختص بتوفير نظم التنظيف الآلي للألواح الشمسية.