نافذة

السعادة المؤسسية .. وجهة نظر مغايِرة!

أفنى الفلاسفة في هذا العالم أعمارهم يبحثون عن أسرار السعادة، من أرسطو إلى غاندي، ووصلوا إلى جملة من أسبابها، لكن لا أحد منهم ادعى بأن بمقدوره زرع السعادة في قلب إنسان. جُل ما قاموا به كان توصيف شكل الحياة والعلاقات والحالة النفسية والروحية التي قد تؤدي إلى تحقيق نوع من الرضا والسلام الداخلي الذي يقود إلى ما يمكن تسميته بالسعادة.

هذه المقدمة البسيطة أساسية للدخول إلى فكرة السعادة المؤسسية Corporate Happiness التي أضحت مؤخراً «موضةً» يتباهى بها عدد كبير من المنظمات، يُعيَّن لها مديرون ويُخصص لها إدارات وموظفون. والأسوأ أنها ـ باسمها العصري الجذاب ـ أصبحت وسيلة تسويق ودعاية مبتذلة لمنظمات تبحث عن الأضواء بأية طريقة. وببحث بسيط في محرك البحث سنجد عشرات الأبحاث والمقالات التي تدعم وتروج للسعادة المؤسسية، بل إن هناك نوع جديد من الشركات الاستشارية نشأ ليقتات على هذه الفكرة.

والسؤال المُلح الذي يطرح نفسه: هل يمكن تحقيق السعادة المؤسسية؟

يمكن القول بتحفظ: نعم، يمكن للمنظمة عمل أو خلق عدة عوامل تساعد في مجموعها على خلق موظفين سعداء، ومن ثم بيئة عمل أكثر إبداعاً وإنتاجاً. لكن ما يثير الضيق حول فكرة السعادة المؤسسية هو استغلالها كمسحوق مكياج، من أجل تجميل واجهات بعض المنظمات التي تفتقد للألق والحيوية ولاهتمام الجمهور، فتم تحوير الفكرة لتتمحور حول أمور مادية بالعمل، كالأثاث والديكور والمرافق والفعاليات، مع أن صلب الفكرة يدور حول رفع مستوى حياة الموظف من أجل رفع إبداعه وإنتاجيته وتقديره لذاته. لأنه ثبت علمياً أن الموظف السعيد ينتج أكثر، وبمراحل شاسعة، من الموظف التعيس. وهذا قد يبدو منطقياً، حتى ولو لم تدعمه الأبحاث والدراسات.

إن سعادة الموظف في الحقيقة ليست عبارة عن مكتب وثير أو صالة رياضية مدمجة في بيئة العمل أو مقهى يقدم المشروبات مجاناً في بهو المنظمة، لكنها في الحقيقة مجموعة عوامل تتصل بتطوره الشخصي والمهني، وبرفاهية أفراد عائلته، وبإشراكه في القرار، وقبول إبداعه، ودعمه في إثراء اهتماماته الشخصية، وبتقبل مستوى معقول من جنونه أحياناً، وإعطائه جواً من المرونة في العمل، ورفع مستوى الانفتاح والتواصل والشفافية بينه وبين مرؤوسيه، إضافةً إلى مساعدته على التخطيط لتحقيق أمور جوهرية في حياته، مثل الادخار والسكن والتعليم والصحة.

كما أن المنظمات السعيدة ذات رسالة اجتماعية عميقة، فهي تتفاعل بشكل دائم مع هموم مجتمعها الكبير، ولها برامج مستمرة لتطوير حياة الناس من حولها. ولا تكتفي بذلك فحسب، بل وتُشرِك موظفيها في هذه البرامج، ليعطوا ويعملوا في حقول الخدمة الاجتماعية، حتى يحسوا بعطائهم ويرفعوا منسوب تقديرهم لوجودهم وبقيمتهم بين الناس.

هذه الأمور بمجملها تسهم بشكل جيد في تحقق سعادة الموظف، وتسهم أيضاً في خلق منظمة إنسانية سعيدة تحفل بالسعداء وترى أن الإنسان هو أهم الأصول وأثمنها.