اليوبيل الذهبي

الذاكرة الحية لتطوّر حياة المنطقة في 50 عاماً.. الحياة «الاقتصادية» في صفحات مجلة

 

هي خمسون عاماً لعبت “الاقتصاد” فيها ــ ولا تزال، وستظل تلعبُ ــ دور “الإطار المرجعي” للحياة الاقتصادية في المنطقة الشرقية.. إنها “الذاكرة” الحيّة، و”الوثيقة المرجعية” حيث يستطيع أيُّ باحث أو مؤرّخ أو دارس أو قارئ مهتم الرجوع إلى صفحاتها، عبر أعوامها الـ 50، لكي يتعرّفَ على مُجْمَل تاريخ المنطقة الشرقية وكامل يومياتها في 50 عاماً

المنطقة الشرقية، الأرض/ والإنسان، فقد سجّلت كل شيء، يدور في فلك”الاقتصاد”، والاقتصاد “حياة”، خلال أعوامها الخمسين.. ووثّقت كافة تفاصيل حياة المواطن السعودي، صورها، مظاهرها، تعبيراتها، وتجلياتها، فقرها وغناها، بؤسها وثراءها، ورصدت علاقته بالأرض، كما شهدت على علاقته بالبحر، وتابعت فنونه وإبداعاته في إتقان الحِرَف التي برع فيها ليكسبَ رزقَه، والمهن التي عمل فيها لكي يحصل على قوته، من التجارة إلى الزراعة، إلى الحِرَف البيئية والشعبية، مروراً بالصيد من الأسماك بكافة أنواعها، إلى منتجات البحر ثمينة القيمة غالية الثمن، خاصة “اللؤلؤ” الذي اعتبره المؤرِّخون أعلى أصناف اللؤلؤ جودة على المستوى العالمي.. كيف كانت “الاقتصاد” هناك؟ ماذا رصدت؟ ما أهم وأبرز ما نقلته من صور الحياة ــ خصوصاً الحياة “الاقتصادية” ــ في المنطقة الشرقية خلال الـ 50 عاماً الماضية؟ ماذا بقي من تاريخ المنطقة لحاضرها ومستقبلها؟ أهم صفحات “الوثيقة” في السطور التالية..

تعايشت مجلة «الاقتصاد»، على مدى الخمسين عاماً الماضية، مع المشهد الاقتصادي في المنطقة الشرقية بصفة خاصة، والمملكة على وجه العموم، بكل ما له وما عليه، متواكبةً مع متغيرات هذا المشهد ورحلته من «الشدة» إلى «الرخاء»، هذه المتغيرات استحقت «الرصد» و»التوثيق»، فضلاً عن التحليل الفني لهذه التحوُّلات، ونشر الثقافة، وبث الوعي، وتحفيز الهمم.

الأسواق القديمة منافذ أساسية للمنتجات الوطنية

وبقدر الاهتمام الصحافي والإعلامي، الذي أظهرته «المجلة» في رصد أوجه النشاط الاقتصادي للمنطقة الشرقية وسكانها، جيلاً بعد آخر، قبل ظهور النفط، بالقدر نفسه، الذي كان جلياً وواضحاً، عقب ظهور النفط في عام 1937م، وما أحدثه من طفرات اقتصادية وعمرانية وثقافية واجتماعية شاملة، امتدت أثرها كل أوجه الحياة في المملكة العربية السعودية بجمع مناطقها. وطوال العقود الماضية، حرصت المجلة على الميزة النسبية الاقتصادية التاريخية للمنطقة الشرقية، قبل النفط، ومعه، وبعده أيضاً. هي الميزة المستمرة والثابتة حتى كتابة هذه السطور.

وسلّطت المجلة الضوء على النشاط الاقتصادي للمدن الجديدة والحديثة، التي نشأت، عقب ظهور النفط بكميات تجارية، مثل الدمام والظهران والخبر والجبيل الصناعية، ولم تغفل المدن التاريخية الأخرى، مثل الواحات (الأحساء والقطيف) ومدن الموانئ، مثل دارين والجبيل (القديمة) والعقير، التي لعبت دوراً رئيساً في الحركة الاقتصادية طوال تاريخ هذه المنطقة. وتوجد مدن في المنطقة كانت، قبل آلاف السنين، مزدهرة وباذخة الثراء مثل ثاج والجرهاء، التي اندثرت وأصبحت أطلالاً في المشاهد وزينة للتاريخ.

ورأت «الاقتصاد» العلاقة التي تربط تاريخ الشرقية الاستيطاني بتاريخها الاقتصادي، وأشارت إلى أن «الاستيطان البشري في المنطقة بدأ منذ 500 ألف عام، وطول هذا العمر المديد، لم تتوقف حركة الإنسان في المنطقة سكناً وعبوراً وهجرات وتشييداً للمدن والموانئ. واشتهرت المنطقة بواحاتها خصبة العطاء، وبكونها ممراً لأهم الطرق التجارية عبر جزيرة العرب.

وكانت المنطقة ـ ولا تزال ـ بوابة التجارة مع الشرق الآسيوي، وكانت ـ في وقت ما ـ همزة وصل للتجارة بين الهند ووادي الرافدين وبلاد فارس، وبين الصين وسوريا وشواطئ البحر الأبيض المتوسط،

وخلال ذلك التاريخ، وقبل النهضة السعودية الحديثة، كانت المنطقة تشهد حركة تصدير واستيراد نشطة جداً في السلع التاريخية، إذ كانت تصدر اللؤلؤ والتمور والأسماك المجففة والسلوق، وفي المقابل تستورد الأرز والسكر والقهوة والأخشاب والبهارات وغير ذلك.

حركة تجارية

وقالت المجلة إنه «لا غرابة ـ بناءً على تلك المعطيات ـ أن تشهد المنطقة الشرقية حركة تجارية عبر موانئ العقير ودارين والقطيف والجبيل»، وأضافت أنه من ذلك الحين نشأت أسواق لا تزال تحتل مراتب متقدِّمة على مستوى المملكة والخليج، فلدينا أحد أكبر الأسواق في المنطقة لكل من الأسماك، والتمور، والأغنام والإبل، وتتجسد في المنطقة كافة اقتصاديات البحر والحقل والبر.

واهتمت مجلة «الاقتصاد» برصد الأسواق التي تأسست على الأنشطة الاقتصادية، وذكرت في أحد أعدادها: «تمت تهيئة أسواق المنطقة لتأسيس أنشطة اقتصادية مصاحبة، مثل النقل، الذي كان، في وقت ما قبل الصناعة، بدائياً يعتمد الحمير والإبل براً، والسفن الشراعية بحراً. وبالطبع، باتت في الوقت الحاضر مختلفة جداً، خاصة بعد دخول سكة الحديد التي ربطت المنطقة الشرقية بالرياض، وأخيراً بالحدود شمال المملكة، والسفن المتطوّرة، وأساطيل الطائرات والشاحنات تستمر يومياً في نقل ملايين الأطنان المتنوّعة بين المنطقة ومدن المملكة والعالم».

وكانت الأسواق القديمة ـ بحسب المجلة ـ المنافذ الأساسية للمنتجات الوطنية، سواء كانت الزراعية بمختلف أشكالها، أو الصناعية، كالملابس والمصوغات الذهبية (التي عرفت بها المنطقة الشرقية منذ زمن طويل)، فضلاً عن الأواني المنزلية، وأسواق أخرى كانت تضم ــ إضافة إلى تجارة المواد الغذائية المختلفة ـ خدمات الخياطة والحلاقة والعطارة وبيع أدوات الصيد، فضلاً عن المقاهي الشعبية، ففيها تعقد الصفقات التجارية، إذ كانت ملتقى تجَّار الداخل والخارج.

المقاهي الشعبية كانت ملتقى تُجَّار الداخل والخارج وأفضل المواقع لعقد الصفقات التجارية

وفي هذه الأسواق التي تنشط فيها محلّات بيع المواد المستوردة مثل الأرز والسكر والملح والتوابل والأخشاب، تلتقي القوافل الواردة من جنوب الجزيرة العربية ومن الشام والحجاز والعراق والهند، وكان ميناء العقير بارزاً في هذا الشأن، وليس غريباً أن يشتهر في الأحساء عدد كثير من العائلات، المعروفة حتى وقتنا الحاضر، والمتميّزة في نشاطها التجاري.

القطيف.. والسفن العالمية

وأورد المؤرّخ محمد الشرفاء أن موانئ منطقة القطيف ــ على غرار ميناء العقير بالأحساء ـ كانت تستقبل سفناً بحرية قادمة من الهند وفارس، والصين وشرق إفريقيا، وتفرغ حمولتها من الدقيق والحنطة والشعير والأرز والبن والهيل والتوابل والأقمشة والعطور والأواني المنزلية والأخشاب، وكثير من البضائع التي تباع في أسواق القطيف أو تنقل إلى مناطق عديدة في جزيرة العرب أو الدول الأخرى المجاورة.

وكانت القطيف ــ حينها ــ تصدر اللؤلؤ والتمور والسلوق (الرطب المغلي بالماء)، والدبس (عسل التمر)، والفواكه والخضراوات، وسعف وجريد النخيل، والصناعات الأولية المعتمدة على عناصر النخلة من قبيل الحصر والمراوح اليدوية، والغرابيل والسلال، فضلاً عن الأسلحة (السيوف والرماح الخطية) التي اشتهرت القطيف بصناعتها.

وتحدّث المؤرّخ عبدالرحمن العبيد عن الجبيل، وقال إنها، «منذ زمن قديم، أحد الموانئ التجارية الرئيسة في المنطقة الشرقية، ولعبت أدواراً بارزة عبر التاريخ. وفي العصر الحديث، وأثناء الحرب العالمية الثانية، وحينما اجتاحت المجاعة معظم بلاد العالم، كانت ترد إلى ميناء الجبيل أنواع عديدة من البضائع التموينية التي تنقل إلى مناطق المملكة». هذه بعض معالم قصة التجارة في المنطقة الشرقية في فترات ما قبل النفط.

navigate_before
navigate_next

التعدين.. صناعة وتجارة

رصدت مجلة «الاقتصاد» جوانب عديدة في نشاط التعدين في المنطقة الشرقية، هذا القطاع الذي بات استراتيجياً في الوقت الحاضر. وكان اللؤلؤ الطبيعي أثمن المعادن في تلك الأزمنة وأغلاها، ويشهد تجارة مهمة وبارزة، وكان مصدر رزق للعشرات من العائلات في المنطقة الشرقية (استخراجاً وتجارة وتصديراً)، وكان يُقوّم بالروبية الهندية، إذ كانت الهند هي الوجهة الأهم لتجار اللؤلؤ في المنطقة. وشهدت المنطقة تبادلاً تجارياً نشطاً، لمعادن أخرى مثل «ملح الطعام» الذي كان يستخرج من البحر بوسائل تقليدية بحتة، ويستهلك أغلبه محلياً، ويصدر جزء منه إلى الخارج.

ومن المعادن أيضاً، نوع من الطين، تعارف عليه أهالي المنطقة الشرقية باسم «الطين الخويلدي»، الذي استخدم كمنظف ومنعّم للشعر (على غرار الشامبو في الوقت الحاضر)، فكانت هذه المادة نشاطاً اقتصادياً ذا ربحية عالية، وله أناس متخصّصون في استخراجه والاتجار به.

وقالت المجلة: «استخرج أهالي المنطقة الشرقية ــ في سنوات ما قبل النفط ـ بعض الأحجار والرمال البحرية، وتعالج بالحرق، فتستخدم كمواد للبناء (مثل الإسمنت في العصور الحالية). وقد اتسمت المباني الطينية المحلية بكونها عازلة للحرارة، ومقاومة لتقلبات الطقس، ومديدة العمر.

وتضاف إلى حركة التعدين استيراد معادن ثمينة، مثل الذهب والفضة، ومهر صاغة متميزون في المنطقة على مستوى الخليج العربي. ونشطت أيضاً صناعة الأواني المنزلية التي تعتمد على التعدين، وبرزت عائلات معروفة بهذه الأنشطة، أيضاً».

الزراعة.. نشاط لا يتوقف

لم تتوقف مجلة «الاقتصاد» طوال تاريخها المديد، عن نشر القصص والتقارير والتحقيقات عن القطاع الزراعي في المملكة، وفي المنطقة الشرقية بوجه الخصوص. وخلال أحاديثها عن الزراعة في فترات ما قبل النفط، رصدت المجلة في مناسبات عديدة قضايا النخيل ومناسباته، بحكم أن الإنسان السعودي، على علاقة وثيقة مع النخلة، وساكن المنطقة الشرقية، يرى أن النخلة بمثابة «عمته»، فقد لعبت هذه الشجرة دوراً مهماً ومؤثراً في حركة الاقتصاد في الأزمنة السابقة (ولا يزال دورها نشطاً في الوقت الحاضر).

ورصدت «الاقتصاد» علاقة الإنسان بالنخلة التي هي من أعلى الأشجار طولاً، وأكثرها ظلالاً، وأصبرها على العطش، وأيسرها للزرع، إذ كانت قبل استخراج النفط، تقدِّم الغذاء الأهم (للإنسان والحيوان على حد سواء)، طوال شهور السنة. وأسهمت النخلة أيضاً في التجارة، إذ كانت القوافل التي تحمل التمور تغادر يومياً موانئ المنطقة ومدنها إلى مناطق عديدة، بل إن «السلوق»، وهو من تمر الخنيزي، يُجنى قبل أن يتحوّل إلى رطب ويطبخ ويجفف ويكبس ومن ثم يصدر إلى الخارج خصوصاً إلى الهند.

ويلحظ أيضاً أن بعض من منتجات النخلة ـ بحسب موضوعات تم نشرها في «الاقتصاد»ــ تستخدم كأدوات للبناء، فسقوف المنازل من الجذوع، ويجري أيضاً صناعة الأسرّة والأقفاص والسلال ونسيج مصائد الأسماك («الحظور» بالتوصيف المحلي)، والأثاث المنزلي القديم (الحصر والمديد، والكراسي) من النخيل أيضاً.

ويستخدم خوص النخيل للوقود، وسعفها في نسج السلال (الزبلان) والمكانس وسياجات البساتين والأكواخ وظروف التمر وسفر الموائد وبعض ألعاب الأطفال كالدواخل وغيرها، ومن ليف النخيل تصنع الحبال.

وتتحدث المجلة بشكل أكثر توسعاً عن فوائد النخلة، وتقول: «تعيش النخلة مع الإنسان من المهد إلى اللحد، فالمرأة الحامل يوصف لها التمر والدبس، وبعد الولادة تغذى بوجبات تعتمد على التمر، والطفل يرقد في مهد مصنوع من جريد النخل، وتسقف المنازل من الجذوع، وتستمر الحياة والغذاء اليومي، وتغطى القبور بالجذوع والحصر المنتجة من النخل أيضاً».

ووثقت «الاقتصاد» الحياة الزراعية في المملكة عامة، والمنطقة الشرقية على وجه الخصوص، قائلة: «لم يتوقف الإنتاج الزراعي في المنطقة الشرقية على النخيل وحسب، بل تنتج المنطقة أغلب أنواع الخضر والبقوليات والفواكه، ويبرز أيضاً الأرز الأحسائي الشهير، فضلاً عن الأشجار التي خلقها الله زينة للأرض. وكل هذه المحاصيل لا تزال تنافس في الوقت الحاضر المنتجات المستوردة».

وتضيف: «الزراعة لا تزال مصدر دخل لعديد من ممتهنيها، منهم الفلّاح المالك، والفلاح العامل، والناقل، والتاجر، والمصنّع لتلك المنتجات، فضلاً عن أن عدداً من الأنشطة الاقتصادية الأخرى مثل صناعة الخبز والحلويات تعتمد على منتجات النخيل ومخلّفاتها»، مضيفاً أن «وفرة المياه في المنطقة، وتعدّد الينابيع والعيون (خصوصاً في واحتي الأحساء والقطيف)، أسهمت في زيادة الرقعة الزراعية، وتعدّد المنتجات، وتوسّع الأسواق، وزيادة عدد العاملين في هذا القطاع إنتاجاً ونقلاً وتجارة».

ورصد خالد المغلوث في مقالة موسّعة في «الاقتصاد» أبرز معالم واحة الأحساء، التي عدّها من أوسع وأخصب واحات المملكة وأكثرها عطاءً، إذ يضم ثراها حوالي مليوني ونصف المليون نخلة، وكانت 55 عين ماء نابعة تسقى المزارع من ينابيعها».

مهنة الآباء والأجداد

ولم تغفل المجلة، الحديث عن مهن قديمة، كانت منتشرة في مراحل مضت، بحكم التميّز الذي تتصف به المنطقة الشرقية بوقوعها على شواطئ الخليج، فقد كانت حِرفة الآباء والأجداد (الصيد البحري) حاضرة في صفحاتها، فعشرات من العائلات في المنطقة تخصّصت في الصيد البحري، وبعضها يضيف التجارة أيضاً. وتخصّصت عائلات أخرى في صناعة أدوات الصيد القديمة وبيعها، مثل القرقور وخيوط الصيد وشباكها. ولا بد أن تكون مهنة الصيد البحري مميّزة، إذ يوجد في مياه الخليج حوالي 200 نوع من الأسماك، اعتاد صيادو المنطقة على صيد 56 نوعاً منها. لهذا يتناول سكان المنطقة الأسماك طازجة طوال العام، وتجفف أنواع من الأسماك (ويسمي «الحلى»)، وتصدر إلى مناطق أخرى ومدن خليجية. وكان الأهالي يتموّنون بالأسماك المجفّفة في أسفارهم البريّة، وتزود بها حملات الحج، وترسل كميات من الأسماك المجفّفة كهدايا من الأهالي لأقاربهم وأصدقائهم في البلاد المجاورة، مثل العراق والشام ودول الخليج الأخرى. وتجفف أسماك «العوم»، لتكون علفاً للحيوانات، خصوصاً الأبقار، اعتقاداً أنها تسهم في إدرار الحليب.

وتبعاً لذلك، بحسب المجلة ـ تعدّدت وسائل الصيد، وكلها تتم بصناعة يدوية محلية، من قبيل الأقفاص والحضور (وتصنع من جريد النخل)، وتوفّر للعائلات غذاءها اليومي، وتتيح المجال للعاملين في النقل والبيع والشراء، وحتى دخول البحر، يتم بسفن شراعية، تتم صناعتها محلياً في الأزمنة الماضية.

مهن البحر

وخصّصت مجلة «الاقتصاد» صفحات عدة للحديث عن مهن البحر على وجه الخصوص، وقالت: «من الأنشطة الاقتصادية ذات العلاقة بالبحر، والتي عرف بها أهالي المنطقة الشرقية (تحديداً بمحافظة القطيف) في تلك الأزمنة، هي نشاط صيد اللؤلؤ فهو النشاط الأبرز (بعد التجارة والزراعة)، حيث تنطلق من القطيف في موسم الصيد 160 سفينة، يعمل بها حينذاك أكثر من 2000 رجل بمعدل 10 ــ 40 رجلاً في كل سفينة باستثناء سفن قليلة يصل عدد العاملين بها إلى 100 رجل، يقصدون مصائد اللؤلؤ (المغاصات)، وقد قدّر عائد كل موسم صيد لؤلؤ القطيف بحوالي 4 ملايين روبية هندية، وفي هذا المجال أيضاً نجد أن الجبيل (وهي أحد الأضلاع الثلاثة للمنطقة الشرقية) قد اشتهرت عبر التاريخ ـ قبل النهضة الصناعية الحديثة ـ بالأنشطة البحرية، وهي استخراج اللؤلؤ والصيد البحري. فقد وصلت منتجات الجبيل من اللؤلؤ إلى الهند وبلدان شرق آسيا، في حين أن الصيد البحري كان مهنة أساسية لدى معظم ساكني الجبيل القديمة، التي اعتبرها المؤرّخون من أقدم مناطق الاستيطان البشري». وقد تحدث المؤرخ عبدالرحمن العبيد عن هذا الجانب في الجبيل ووصفها بأنها «دانة الغوّاص»، أي أنها المقصد لعديد من صائدي اللؤلؤ، إذ قال إن «تجّار اللؤلؤ قاطني الجبيل يقصدون الهند وبلاد شرق آسيا لعرض بضائعهم هناك، كما أن العشرات من تجّار تلك البلدان يفدون إلى الجبيل ـ في عصر ما قبل النفط ـ لشراء اللؤلؤ الطبيعي المستخرج من مغاصات الجبيل».

اللؤلؤ أهم تجارة ومصدر رزق لعشرات العائلات ويقوّم بالروبية،

وتضيف المجلة: «كان نشاط صيد اللؤلؤ خلال الربع الأول من القرن العشرين وما قبله يدر على المواطنين والوطن دخلاً وافراً، سواء لمن يتعاطى الغوص واستخراجه من البحر أو لمن يتاجرون به، وقد شهدت المنطقة الشرقية حينذاك وجود أسطول كبير من السفن متخصّص لهذا الغرض بين الموانئ والمغاصات وبلدان التسويق، وكان دخل البلاد منه كبيراً نسبياً، وكانت الأسر الثرية هي التي تتعاطى الاتجار به وتصديره إلى الخارج خصوصاً إلى الهند في خريف كل عام». وكان في المنطقة الشرقية عدد من مغاصات اللؤلؤ، (ويطلق عليها محلياً الهيرات)، ومنها في الجبيل والقطيف والأحساء، وبعض هذه المواقع مشتركة بين الغواصين الخليجيين، وكان بعض تجّار اللؤلؤ المحليين يقصدون الهند وبلدان جنوب شرق آسيا يعرضون عليهم منتجهم الفاخر الطبيعي، ويحدث أن تجاراً من تلك الدول تفد إلى المنطقة (القطيف والأحساء والجبيل) من شراء ما يتيسر لهم من الإنتاج المحلي من هذا المنتج الذي يتصف بصفات تجعله من أفضل أصناف اللؤلؤ عالمياً في ذاك الزمن. فكان قطاعاً اقتصادياً مهماً، سجل بصمة على تاريخ التجارة في المنطقة الشرقية.

وشدّدت المجلة على أن «هذا النشاط بقي جزءاً من تاريخ المنطقة الشرقية، يتغنَّى به النهامون (المطربون الذي يطلقون أناشيدهم خلال رحلات الغوص)، ويردّد أحداثه الأجيال المتعاقبة، وصدر حوله عديد من الدراسات». وكانت «الاقتصاد» من الإصدارات التي رصدت ذلك الحدث بكل تفاصيله في أكثر من عدد، سواء باللقاءات أو المقالات المتخصصة من قبل بعض الكتَّاب ومؤرخي الشأن الاقتصادي.

خلاصة الأمر، أن البحر كان ملجأ المواطنين، ومصدر عيشهم، وكان عدد من المواطنين، يقضون أوقات راحتهم على شواطئه، وكانت مجلة «الاقتصاد» ـ خلال الخمسين عاماً ـ ترصد تلك الحقائق، وتحللها، بهدف زيادة وتيرة الحالة الإنتاجية الوطنية، وترسيخ مبدأ «الإنسان السعودي المنتج الأول»، فقد كان منتجاً قبل النفط، ومنتجاً بعد النفط، وسوف يبقى كذلك.

مهن متوارثة

وحظيت حرَف المنطقة الشرقية دون سواها، بنصيب الأسد من اهتمام مجلة «الاقتصاد» التي تحدثت عن هذه المهن باعتبار بعضها موروثاً ثقافياً للمنطقة. وقالت المجلة: «تميّزت الشرقية (الأحساء والقطيف والجبيل) بتعدّد الصناعات والحِرَف التقليدية، وأبرزها المنسوجات والملابس المخاطة والمحاكة كالعبي، والبشوت، وصناعة الحلي والأواني النحاسية والفخارية وكثير من الصناعات الخشبية كالسلال والصناديق والأبواب والنوافذ».

واتسمت هذه الصناعات بكونها يدوية تعتمد على العنصر البشري، لكنها في الغالب من البيئة المحلية، منها الصناعات التي تعتمد على مخلفات أو منتجات النخيل، مثل صناعة الخواصة التي تعتمد على سعف النخيل، ويصنع منها الأسمطة، والحصر، والمرواح، والمناسف (الغرابيل)، والقفف.. ومن الصناعات أيضاً ما يعتمد على جريد وعصي النخيل مثل أسرّة النوم، وأقفاص الرطب والفواكه، وأقفاص الدجاج، والكراسي والمكانس اليدوية وغير ذلك».

ومن المهن التي اشتهرت بها المنطقة الشرقية، صناعة الأواني الفخارية ومنها الكؤوس والأباريق والشربات والسحلان والمساخن والجرار والأكواب .. الخ.

وكانت من ضمن الصناعات التي تعتمد على الحديد، ويقوم بها الحدّادون ومنها صناعة السيوف والرماح والمناجل والسكاكين والخناجر والمحارث والساطور وغير ذلك.

ومن المهن المعروفة، البناء والندافة والخياطة وغير ذلك .

***

تلك هي الصورة التي رصدتها مجلة «الاقتصاد» عن تميّز المنطقة الشرقية قبل ظهور النفط، وأما بعد ظهور النفط، فإن القصة تختلف، غير أن الصورة هي نفسها في (الأحساء والقطيف والجبيل) ما زالت مناطق متميّزة على الخارطة الاقتصادية، أضيفت لها شقيقات أخرى، هي الدمام والخبر والظهران والخفجي وحفر الباطن ورأس تنورة ورأس الخير.. والمسيرة متواصلة.