رجل وزمان

سعد المعمّر.. حكاية «عصامي»

هو «عصامي» ــ بكل ما تعنيه الكلمة ــ فقد صنع نجاحَه، بنفسه، بثقة كاملة في قدراته، ومن قبلها إيمان كبير بأن الله مع الذين يسعون إلى حياة كريمة ويعملون من أجل هذه الحياة.. وحياتُه كانت «بسيطة»، شق طريقَه فيها بالصبر والكفاح والتّعب، مؤمناً بأن التوفيق سيكون حليفه. هو ابن «حرمه» من سدير، والذي عرفته المنطقة الشرقية رجلاً من كبار البارزين في مجال «العقارات»، بدأ حياته العملية في «أرامكو»، حيث عمل بالتثقيف «الصحّي»، وتعلّم الإنجليزية في مدارسها، و«اقتحم» عالم العقار بجرأة وشجاعة، تاركاً مرتب الـ 2500 ريال في «أرامكو»، إلى قدره ومصير لا يعرفُه، فحقق الملايين في المساهمات العقارية، وخسر، وكسَّب، وحقق أرباحاً بلغت باستثماراته في العقارات نحو ملياري ريال.. قصة عصامي تُوفّي عن 91 عاماً سجّل في حياته اقتداراً بافتتاح ثانـي صيدليـة أُنشئَت في الدمام، وشجاعة وخبرة كبيرة بالعقار، وهنا أو هناك، هي قصة حية جديرة بأن نتأمّلها، وأن نتعلّمَ منها.

بدأ حياته العمليه في شركة أرامكو بعد أن غادر مسقط رأسه «حرمه» في منطقة سدير بحثاً عن الرزق وتعلَّم اللغة الإنجليزيه في المدارس التابعه لأرامكو في الظهران، ثم سافر سعد بن محمد آل معمر إلى لبنان لمواصلة تعليمه، ودرس التثقيف الصحي في مستشفى مومريل في طرابلس، حتى حصل على شهادة التمريض ليعود إلى الوطن، ويعمل في إدارة التثقيف الصحي في أرامكو، ويسهم في مجاله بالعمل ضمن الشباب السعودي الذي يُعد من جيل الروَّاد في شركة أرامكو، وواصل العمل حتى أكمل ثلاثين عاماً من الخدمة.

الولادة والنشأة

ولد سعد بن محمد العبدالكريم آل معمر أو سعد البرجس، كما يحلو لأبناء بلدته «حرمه» تسميته نسبة لجده في حرمه بسدير عام 1928 وبعد أن أتم التاسعة من عمره، انتقل مع خاله عبدالله إلى الرياض لمدة سنة، ثم عاد إلى «حرمه» وأخذ يتنقل بين مدن المنطقة الشرقية حتى استقر به الحال في مدينة الدمام، ليلتحق بشركة أرامكو التي كانت في بداياتها، وتستقطب أبناء المنطقة الشرقية بشكل خاص وأبناء منطقة نجد وغالبيتهم من معدومي التعليم، وقلة منهم يجيدون القراءة والكتابة، وبعد التحاقه بالشركه كان حريصاً على التعلّم، فدرس اللغة الإنجليزية في مدارس أرامكو بالظهران، ثم سافر إلى لبنان مبتعثاً من أرامكو لدراسة التثقيف الصحي في مستشفى مومريل الكندي في طرابلس وبعد أن حصل على شهادة التمريض، عاد للعمل في الشركة بمركزها الرئيس في إدارة التثقيف الصحي بالشركة، وكان ذلك عام 1945، واستمر بها حتى أكمل ثلاثين عاماً من العمل في أرامكو ليتقاعد عام 1975، وكان آخر راتب يتقاضاه 2500 ريال.

النشاط التجاري

مارس سعد العبدالكريم الأعمال التجارية وهو على رأس العمل في أرامكو، وكان أول نشاط تجاري له قريباً من تخصصه، إذ افتتح صيدلية خاصة، كانت ثاني صيدلية يتم إنشاؤها في الدمام، وكانت سبباً في قربه من الناس ومساعدتهم في ذلك المجال، حيث دخل في أوساط المجتمع وعلم أحوالهم مما دعاه إلى التفكير في أحوالهم والسعي إلى مساعدتهم.

منزل الجلوية الذي باعه واشترى بقيمته أسهم بـ 40 ألف ريال باعها بأكثر من 3 ملايين ريال

أرض شارع الخزان التي تحوَّلت حصّتُه فيها من 45 ألف ريال إلى 993 ألف ريال!

أما النشاط التجاري الآخر، والذي بدأ ممارسته وهو على رأس العمل بأرامكو، بالإضافة إلى الصيدلية، فهو تجارة العقار، وإن كان بشكل محدود، حيث أتاح له تقاعده الوقت الكافي ليمارس نشاطه في تجارة العقارات، على نحو كبير، وبشكل أوسع، وبقدر كبير من الاحترافية.

عالم العقار

دخل سعد العبدالكريم عالم العقار بشكل كبير واستطاع أن ينجز عدداً من الصفقات العقارية، كان من أبرزها مساهمة الجلويه الشهيره بالدمام، حيث كانت تلك الصفقات والمساهمات بداية عمله الحقيقي في المجال التجاري وتوالت الصفقات التجارية في مجال العقار، خصوصاً أنه كانت لديه نظرة تتمحور حول أهمية المساهمات العقارية وما تنطوي عليه من الخير الكثير، لذلك نصح عديداً من أبناء عمه وأصدقائه بالدخول في المساهمات العقارية، وقد استفادوا منها بشكل كبير، وتضاعفت أموالهم، ومنها انطلق سعد المعمر في مجال العقار ومن ثم دخل عالم الأسهم ولا تخلو مغامراته من الربح والخسارة، شأن التجارة وأي عمل إنساني.

من راتب الـ 2500 ريال إلى ملايين المساهمات العقارية!

موقف إنساني

من المواقف التي مر بها سعد المعمر أن أحد أصدقائه أعطاه عشرة آلاف ريال لكي يستثمرها في إحدى المساهمات، إلا أنه كان في كل شهر يطلب جزءاً من المبلغ لحاجته الماسه له، حتى لم يتبق منه إلا أربعة آلاف ريال، ولكنه حفظ له مبلغ العشرة آلاف كاملاً في المساهمة، وبعد تصفية الأرباح حصل على مبلغ 480 ألف ريال.

صفقات عقارية

وفي مساهمة الجلوية المعروفة حالياً بحي الجلوية بالدمام اضطر لبيع منزل كان يؤجره واشترى بقيمته عدداً من الأسهم بمبلغ أربعين ألف ريال للسهم الواحد، وبعد تصفية المساهمه باع الأسهم بمبلغ تجاوز الثلاثة ملايين ريال، وفي بداية دخوله عالم العقار اشترى قطعة أرض على شارع 18 بالدمام والمعروف بشارع الخزان مع بعض الشركاء وكانت حصته فيها بقيمة 45 ألف ريال، وبعد فترة قصيرة قام ببيع حصته إلى أحد رجال الأعمال بالمنطقة الشرقية بمبلغ 993 ألف ريال.

«التمرة» التي قسمتها جدّتُه إلى نصفين، نصفها له والنصف الآخر لابن خاله والقهوة التي شربَتْها بالسكّر «الأحمر»!

وفي مساهمة المجيدية بالقطيف اشترى ثلاثة آلاف سهم وباع السهم في الحراج بقيمة 218 ألف ريال إلى جانب كثير من المساهمات العقاريه مثل مساهمة الحزام الذهبي بالخبر وغيرها من المساهمات العقارية التي تشكل صفقات في عالم العقار.

تأسيس شركة عقارية

بعد أن حقق نجاحات كبيرة في سوق العقار ونتيجة للتطور الكبير الذي تشهده المملكة بشكل عام والمنطقة الشرقية على وجه الخصوص، قرَّر سعد المعمر أن يؤسس شركة عقارية، شجعه في ذلك نمو الحركة الاستثمارية وتوفر كافة المقومات لنمو تلك الحركة والزيادة المطردة في السكان وانتشار عمل الشركة في مدن الرياض ومكة المكرمة والدمام والخبر والخفجي حتى فاق حجم قيمة استثماراته العقارية ملياري ريال.

سوق الأسهم

دخل سعد المعمر سوق الأسهم مع بداياته وكان يقول لا بد أن يعرف الشخص ماذا يشتري ولماذا وكان يملك محفظتين واحدة للاستثمار طويل المدى والأخرى للمضاربة في الأسهم التي تحقق الأرباح ولو لم تكن كبيرة، وكان ينصح بالأسهم المحلية وينصح كذلك بالبُعد عن الأسهم الدوليه بعد خسارته في الدوليه بما قيمته 12 مليون ريال. وكان يقول إن سوق الأسهم يفتقر للمحللين المختصين والاستشاريين الواعين الملمين بجميع جوانب سوق الأسهم.

الشركات العائلية

كان سعد المعمر يرى أن تحويل الشركات العائلية إلى شركات مساهمه أمر جيد شريطة أن يكون نصيب العائلة نصف أسهم الشركة، حيث إنهم هم الأكثر معرفة ودراية بإدارة الشركه وخفاياها وهم الذين أسسوها، وبالتالي يعرفون كل صغيرة وكبيرة فيها.

مواقف لا تنسى

يذكر سعد المعمر هذا الموقف في لقاء سابق له والذي يقول فيه:

هناك كثير من المواقف التي مرت في حياتي ولا تُنسى، وأثناء مرحلة الطفولة في «حرمه» حيث كان الفقر في أشده.. يقول: أذكر أن جدتي لأمي – رحمها الله – كانت تحب القهوه وكان هناك بعض التمر فقسم بين الحضور من الكبار في السن، وكان حصة جدتي تمرة واحدة، فقسمت التمرة إلى نصفين أعطتني نصفاً، والنصف الآخر لابن خالي محمد العبدالله العبدالكريم (أبو فهد) – رحمه الله – وهو من أعز أصدقائي ولم يتبق معها إلا النواة ووضعتها في فمها، ثم قامت إحدى القريبات بإعطاء جدتي السكر الأحمر، وكان يسمى ذلك الوقت «الشكر» لكي تشرب به القهوة، وذكر أنه كلما تذكر ذلك الموقف وهو ينظر إلى ما لذ وطاب من أنواع التمور على المائدة تتملكه العبرات وقال ياليت هذا الجيل يعتبر من الماضي.

قصة الـ 10 آلاف ريال التي استثمرَها لصديقه وأعادها إليه 480 ألف ريال!

ومن مواقف الحزن التي لها جزء من حياته قال سعد المعمر: لعل من المواقف المحزنه التي لاتنسى وفاة جدته الجوهرة الدريس ومن ثم والدته منيرة وبعد ذلك وفاة أعز أصدقائه ابن خاله محمد بن عبدالله العبدالكريم (أبو فهد) الذي يصفه بأنه صاحب عطاء وسليم قلب، ثم فقد رفيقة دربه التي عاش معها أكثر من خمسين سنه زوجته أم عادل التي كانت طيلة الأيام التي عاشها معها مليئة بالعطف والمثابرة وسهر الليالي على تربية أبنائه وقد توفيت وهو راضٍ عنها، وقال إن وفاتها من أشد المواقف المحزنة في حياته رحمهما الله جميعاً وجمعهما في مستقر رحمته.

هواياته

تأتي الثقافة وقراءة الكتب وخاصة الشعر في مقدمة هوايات أبو عادل، فكان محباً لقراءة الشعر العربي والشعر النبطي ولديه مكتبة تحوي كثيراً من الكتب والقصص، فكان يقرأ القصص التي تصدرها دار الهلال، ومن الشعر كان يقرأ ديوان الشافعي، ومن الشعر النبطي القديم يقرأ لابن لعبون وحميدان الشويعر وابن ربيعه وراكان بن حثلين، وهو متذوق للشعر ولكنه لايقوله، ومن هواياته المحببه السفر وخاصة للدول العربيه وكذلك للمصايف السعودية في أبها والطائف بصحبة الأبناء والأحفاد، ومن هواياته المحببه الزراعه وخاصة زراعة النخيل التي لها مكانة كبيرة في نفسه وبينهما ود وعلاقة لاتنقطع.

هؤلاء يدين لهم بالفضل

عندما سُئِلَ سعد المعمر عمَّن يدين بالفضل في وصوله لهذه النجاحات قال إن الفضل بعد توفيق الله وحفظه لدعاء جدتي الجوهرة الدريس ووالدتي منيرة العبدالكريم فلم ينسَ دعاؤهما له ومن ثم لجده واجتهاده ومثابرته، حيث كان يعمل في النهار ويدرس إلى منتصف الليل واستمر على ذلك لسنوات حتى وصل إلى هذه النجاحات وحقق كل هذه الإنجازات.

عائلته

سعد المعمر متزوج من عائلته «العبدالكريم المعمر»، وأنجب عشرة أبناء خمسة أولاد وخمس بنات، هم: عادل، عصام، محمد، عبدالكريم، وعبدالعزيز، والبنات: منيرة، الجوهرة، حصة، شيخة، ومنى، تربطه بهم علاقة مودة واحترام ويتبادلون الرأي والمشوره على المستوى الشخصي والعملي.

وفاته

بعد حياة حافلة بالكفاح والجهد والعصامية، انتقل سعد المعمر إلى جوار ربه في السادس من رجب 1440 الموافق 13 مارس 2019 بعد 91 عاماً قضاها في بناء نفسه وأعماله الخاصة، رحمه الله رحمة واسعه وأسكنه جنته.

اقرأ أيضا

العريفي.. الطريق من حائل إلى الدّمّام يَمُرُّ ببغداد والشّام... عندما نقول «العصامي» فكأننا نقصد ــ مباشرة ــ رجل الأعمال السعودي الراحل محمد العريفي.. هذه قصة حياة يتيم، تُوفّيَ عنه أبوه في الثانية من عمره، وكفله جده لأبيه، وفي حائل تعلم معه التجارة منذ العاشرة، ...
عبدالمحسن بن جلوي.. أمير «الإمارات الثلاث»!... كأنه عاش للإمارة والحكم وتولّي أمور الناس.. عبدالمحسن بن عبدالله ابن جلوي آل سعود.. فقد تولاها في التاسعة، بأمر من الملك المؤسّس عبدالعزيز آل سعود الذي سأل عنه، في إحدى زياراته للظهران، فلما رآه، وتكل...
العبدالواحد.. من «الأرزاق» إلى «الصناعة» الوطنية!... ارتبط اسم «العبدالواحد» بتأسيس صناعة «وطنية» للأثاث والمفروشات ومصنع في الخالدية بالدمامكيف استثمر موهبته في «الحسابات» التجارية في «التحوُّل» من العمل للغير إلى بناء نشاطه الخاص؟بدأ حياته الع...
المعلمي .. «الفريق» الأديب! هو ابن تهامة عسير، الذي أثبت تفوقاً في طفولته شهد به الجميع، وهو التفوق الذي أثار إعجابَ زملاء الطفولة، كما استفزّ حسدَ مبغضيه. أحبَّ النظام والانضباط وخدمة الناس فأحب «العسكرية»، واستحوذت الخطابة على...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Comment moderation is enabled. Your comment may take some time to appear.