نافذة

أين نحن من اقتصاديات التمور!!

عثمان الخويطر

آفة المصادر الطبيعية تصدير معظمها كمادة خام. فقد كنا لعشرات السنين ننتج البترول الناضب ونعرضه للبيع في الأسواق الدولية خاماً، ونبيعه بسعر لا يتناسب مع قيمته الاقتصادية وأهميته الاستراتيجية، حتى يسَّر الله واستيقظنا من سباتنا وبدأنا ننشئ مرافق التكرير والمصانع البتروكيماوية لنحصل منها على قيمة مضافة ومردود اقتصادي أفضل.

وها نحن نعيد الكَرَّة مرة أخرى مع التمور، وهو أكبر منتَج اقتصادي لدينا اليوم بعد البترول، نغرس شتلات النخيل ونظل طول حياته نسقيه من صافي مياهنا الجوفية النادرة. وعندما يزدهر ويثمر نجني ثماره الطازجة لنبيعه بالكوم، بقيمة لو توزعت على مراحل نموه ومجهود العناية بالنخلة وما تم تحمله خلال فترة الحمل لما بقي لنا منها شيء ذو قيمة.

التمر ثروة اقتصادية إذا عرفنا كيف نتصرف بها، وكيف نصَنِّعها، وليس فقط عرض التمور للبيع بالطريقة الحالية التقليدية البدائية. فالنخل يستهلك كميات كبيرة من المياه الجوفية التي ليس لها تعويض. وتقوم بخدمته في السنوات الأخيرة عمالة أجنبية تستنزف نسبة كبيرة من دخله. فتكون النتيجة سلبية، رغم أننا ندَّعي لأنفسنا غير ذلك.

نتباهى بمهرجانات التمور الموسمية ونتنافس في الدعاية لها وفي طريقة العرض. ففي منطقة القصيم، على سبيل المثال، وهي من المصادر المهمة للتمور في المملكة، هذا مهرجان بريدة، وذاك مهرجان عنيزة، ومدينة المذنب لها مهرجان السكرية الحمراء، وهكذا. ولكنها لا تعدو عن كونها مهرجانات توزيع، وحراجات عشوائية، تبيع التمر، أو الذهب الأصفر، بأسعار آنية حسب الطلب اليومي، مع جزء يسير منه للتصدير. ولا ندري من الكسبان، هل هو الدلال الذي يقبض في نهاية الحراج أجرة صوته أو الوسيط الأجنبي الذي اشترى ثمر النخيل من الفلاح يريد مكسباً مقابل جني الثمار ونقلها إلى السوق، ولكنه حتماً ليس صاحب الملك الذي يملك الأرض ويغرس النخيل ويقوم على خدمتها من وقت شتلها حتى بلوغها عمر الإثمار، ويوالي سقياها وموالاتها أثناء الحمل، كما توالي الأم الرؤوم أطفالها.

وما يقال عن تمور القصيم، له مثيل في منطقة الأحساء المشهورة بتمورها وعراقة أهلها وارتباطهم المباشر بزراعة النخيل، إلى جانب مناطق أخرى شهيرة في نواحٍ عدة من المملكة، وقصة تصريف التمور التقليدية هي نفسها.

ويتبادر إلى الذهن سؤال المليون، ما هو مردود ثمار النخيل الاقتصادي على البلاد والعباد اليوم؟! استهلاك مسرف في استخدام مصادر المياه الجوفية التي تنضب مع مرور الوقت، ومجهود بشري كبير، ليس له مقابل. لماذا؟ لأننا نبيع هذه الثروة الوطنية المكلفة خاماً، مع أنه بإمكاننا إنشاء صناعة بليونية قابلة للتصدير أساسها التمور.

وما عليكم إلا أن تتخيلوا لو كانت نعمة التمور التي بين أيدينا في بلد مثل إسرائيل أو كوريا الجنوبية أو اليابان، أو حتى باكستان، ماذا هم فاعلون بها؟ لا نشك في أنها سوف تصبح مصدراً لصناعة بليونيرية، ومجالاً للتصدير التجاري الواسع ليعم معظم بلاد العالم.

وعلى الرغم من أن الصناعة المتكاملة للتمور سوف تكون ـ بإذن الله ـ مربحة، إلا أن تشغيل وإشغال أولادنا بما يعود على الجميع بالخير، هو بحد ذاته مكسب لا يقدَّر بثمن. خصوصاً أننا مقبلون على عصر سوف يقل فيه دخل البترول ورؤى تتطلب منا تنويع مصادر الدخل وتوطين الصناعات المحلية، وهو أمر يحتاج إلى تخطيط سليم وبُعْد نظر ومتابعة لجميع برامج التنمية الاقتصادية.

ونحن نهيب برجال الأعمال في بلادنا ونذكرهم بأن استثمارهم في هذا المجال الحيوي وإسهامهم في توطين هذه الصناعة المحلية يُعدُّ خدمة وطنية تستحق منا تقدير جهودهم ووطنيتهم. ولا بأس من الاستعانة في بادئ الأمر بالخبرات الأجنبية، خاصة ما يتعلق منها بطرق التسويق الحديث والترويج الذي يجذب الزبون. وهذا مجال حيوي جاهز للاستثمار، يستغرب المرء عدم الاهتمام به على نطاق واسع حتى الآن ويبقى دور المسؤولين، بارك الله في مجهودهم، من الوزراء والإدارات المحلية أن يكون لهم دور إيجابي من تشجيع وتسهيل الإجراءات الروتينية.