نافذة

“ناشِطِيِّة الماركات” Brand Activism:
انتهاء عصر الماركات الصامتة

انتشرت أخيراً مفردة “ناشِط Activist” في لغة الأخبار، فأصبحت كلمات مثل: ناشط سياسي، وناشط حقوقي، وناشط بيئي، تتردد على مسامعنا على الدوام. فما هي الناشطية، وما وظيفة الناشط بالضبط؟

لا يوجد حتى الآن تعريف واضح ومحدد لمفردة “ناشط” بحكم حداثة الكلمة، لكن يمكن وصف الناشط بأنه “شخص مستقل من خارج النظام، يعمل بشكل فردي أو جماعي، لديه شغف بقضية لم تأخذ حقها من الاهتمام، تدفعه لمخاطبة الجماهير وتحفيزهم وتوجيههم، وذلك باستغلال الحملات ووسائل الإعلام غير الرسمية، محاولاً التأثير على النظام عبر وسائل ضغط مباشرة كالحملات والمسيرات وغيرها، بهدف خلق وعي شعبي حول قضيته، يدفع لإصلاح ما يراه هو خللاً قائماً”.

لقد انتشرت الناشطية في أمور مفصلية في الحياة، مثل الناشطية السياسية ـ مقاومة الصراعات والحروب ـ أو الناشطية الاقتصادية ـ مقاومة استغلال الشركات ـ أو الناشطية الاجتماعية ـ مقاومة التمييز بمختلف أشكاله.

غير أن الشركات وجدت في فكرة الناشطية مدخلاً يمكن أن يعزز وجودها وأثرها في مجتمعها، ومن ثم يعزز من أرباحها، فتولدت من هنا فكرة الشركة أو الماركة صاحبة المبادئ والرسالة والقيم. هذه الفكرة تُعدُّ تسويقياً تطوراً طبيعياً في سياقات تحديد الموقع الذهني التنافسي للشركات Brand Positioning، أي أن تقوم الماركة على أسس قيمية، بدلاً من أسس وظيفية أو أسس عاطفية، مثل تركيز ماركة كاميرات على الخصائص التقنية “وظيفياً”، أو تركيزها على اقتناص أجمل الذكريات “عاطفياً”. كما تحل فكرة ناشطية الماركة أو الشركة محل المفاهيم التقليدية للمسؤولية المجتمعية للشركات CSR. ومن هنا، ومن خلال ولادة فكرة ناشطية الماركات أو ناشطية الشركات Brand Activism، أصبح الشأن المجتمعي جزءاً من التركيب الجيني للشركة، وليس مجرد دور “مسؤولية اجتماعية” مساند لدور الشركة الأساسي. أي أن الشأن المجتمعي أصبح جزءاً من رسالة الشركة وأهدافها في الحياة. وهذا تغيّر كبير في الفكر التسويقي.

ناشطية الماركات Brand Activism مصطلح يعبر عن الأنشطة الاستراتيجية التسويقية الموجهة للتأثير في حياة الناس من خلال مناصرة القضايا البيئية أو الاجتماعية أو السياسية أو الاقتصادية لتحقيق تغيير إيجابي، بشكل يتناغم مع رسالة الماركة وقيمها الأصلية، بأن تكون الماركة نصيراً لقضيةٍ ما في الحياة، فتتحول من مجرد منتَجٍ مادي عادي، إلى رمز يحمل معاني عميقة في قلوب مستهلكيها. وأن تتحول الماركة إلى متحدِّث يُعبِّر عن أرائه حول قضايا الحياة، بكل صراحة ووضوح.

فكرة “ناشطية الماركات” تحمل في رحمها فكرة التغيير الإيجابي. وهنا تكمن قوتها وجاذبيتها، فمَن مِن بني البشر لا يتمنى التغيير نحو الأفضل!.

الأجيال الجديدة، وبحكم ثورة الاتصال والمعلومات والترابط العالي من خلال شبكات التواصل الاجتماعي، أصبحت أكثر وعياً بعديد المشكلات التي تعصف بعالمنا، الفقر، المجاعة، الهجرة، التصحر، فرص العمل والحياة الكريمة، ارتفاع الجرائم، انقراض الكائنات، التلوث، الفساد، العنصرية، انتقاص الحقوق، وغيرها الكثير.

هذه الأجيال لم تعد ترغب بشراء منتجات تشبع حاجياتها الأساسية فحسب، بل أصبحت تتطلع إلى ماركات تناصر قضاياها وتلامس همومها، وتحقق تغييراً حقيقياً يسهم في تحسين حياتها. أجيال الألفية الثالثة يتطلعون إلى ماركات تشترك معهم في القيم والتوجهات والأحلام، ويتطلعون أيضاً إلى الاعتماد على ماركات فاعلة وإيجابية اجتماعياً واقتصادياً وحقوقياً وبيئياً.

الناس بشكل عام لا يميلون إلى الجبناء الذين يؤثرون الصمت حين يجب عليهم أن يتحدثوا، لذا فهم يعجبون بهؤلاء الذين يضحون لنصرة قضايا بعينها. هذا المنطق كما ينطبق على الناس، فإنه ينطبق أيضاً على الشركات.

كانت متاجر “ذي بودي شوب” من أوائل الماركات التي دمجت الناشطية في صميم عملها. بدأت هذه الماركة رحلتها المثيرة مع مكافحة التجارب على الحيوانات وحماية البيئة والاعتماد على المكونات الطبيعة، لا الكيميائية الضارة بالإنسان والبيئة. ثم تطورت وأصبحت تطرح قضايا مجتمعية أكثر حساسية مثل حقوق الإنسان، والعنف المنزلي، وتهريب الأطفال لأجل استغلالهم جنسياً. والآن في طريقها إلى تبني الناشطية بشكل أكبر، عبر استراتيجية تركز على تشجيع الحوار في الشبكات الاجتماعية حول القضايا التي تنشط الشركة في الدفاع عنها، وإلى تطوير تصميم متاجرها ـ الواقعية والافتراضية ـ ليناسب الناشطين ويسمح لهم بالتعبير عن أفكارهم.

إنني كمستهلِك عندما أشتري حذاء “نايكي”، فأنا لا أشتري بالضرورة حذاءً رياضياً مريحاً، بل إنني أتبنى حينها فكرة المساواة والكفاح والتضحية من أجل الأشياء التي أؤمن بها وتلهمني وتجعل لحياتي معنى. هذا ما يفرّق الآن بين نايكي وبين مثيلاتها في القطاع السوقي ذاته. وهذا ما سيفعله الآخرون لاحقاً. فلن يكون في المستقبل ماركات صامتة أو صماء.