تحليل

كيف تستفيد فيتنام وسنغافورة من توترات الصين؟

سنغافورة مع ناتج محلي قريب من 350 مليار دولار تحرص كثيرا على التوازن في علاقاتها مع الولايات المتحدة والصين منذ تصاعد الحرب التجارية بين البلدين. فمن جهة هناك التعاون العسكري الدائم مع أمريكا منذ فترة طويلة، ومن جهة أخرى النمو الاقتصادي يعتمد بشكل كبير على الصين خصوصا أن %75 من السكان قدموا من الصين قديما، وبالتالي يظل الارتباط العاطفي قويا. الصينيون ما يزالون يضخون الأموال في العقارات بقوة هناك، وذلك رغم التدقيق الصارم والقيود التي وضعتها الحكومة لمنع تدفق الأموال للخارج، وهناك الكثير من الشقق التي تفوق أسعارها الـ 7 ملايين دولار، حصل عليها مشتريات هذه السنة أكثر من أية سنة منذ عام 2008، رغم الرسوم التي أدرجتها الدولة للحد من ارتفاع أسعار العقار من الطلب الأجنبي، ولتظل أيضا في متناول السكان وضمن قدراتهم الشرائية، فمثلا تبلغ نسبة تملك السكن في سنغافورة %91، أما في هونغ كونغ فهي أكثر بقليل من النصف وهي عند %49.

وتواجه الصين منذ سنوات، مع كل تراجع لليوان هروب قسم من الاستثمارات الأجنبية، وتدفقات لرأس المال إلى الخارج، وتحاول تشديد القواعد أمام البنوك، خصوصا أن الشركات العاملة هناك تعد أيضا من أبرز الجهات التي تتطلع إلى إيجاد عوائد مهمة في الخارج تستطيع أن تعوض به كل هبوط في عملة البلاد. وتعمل الصين على تدويل عملتها ولكن بهدوء، مع الحرص على السيطرة على تحركاتها، وتدافع في كل مرة عن تلك الاستراتيجية باللجوء إلى احتياطياتها النقدية الضخمة التي تتجاوز أكثر من 3 تريليونات دولار، وكانت تستخدم منها أحيانا أكثر من 50 مليار دولار في الشهر عبر تدخلاتها.

أنتقل الآن إلى فيتنام التي هي حاليا تحت الأضواء، خصوصا أنه يشار إليها حاليا بأنها من أكثر الدول التي استفادت من الحرب التجارية، مع انتقال الكثير من المصانع إليها، هربا من الارتفاع في التكلفة الذي شهدته الصين في السنوات الأخيرة، وخصوصا من ناحية المصانع، فوجدت بعض الشركات الأجنبية في فيتنام أرضا جديدة لها، وأبرزها كانت شركة سامسونج، عندما أعلنت مؤخرا بأنها أقفلت مصانعها للهواتف الذكية تدريجيا في الصين، وتوجهت إلى فيتنام، حيث شعرت الشركة بأن بداياتها في الصين تستعيدها الآن مع فيتنام، إن كان بالنسبة للعمالة الرخيصة أو الإعفاءات الضريبية، وأصبح لها وجود وحضور كبير في هذا البلد، وشيدت مصانع ضخمة بالمليارات، وأصبح البلد ينتج %60 من هواتف سامسونج.

طبعا مقارنة فيتنام مع الصين حاليا مستبعدة، فهناك فارق كبير في حجم الاقتصاد وعدد السكان، ومازالت فيتنام في بداياتها، وليس واضحا أنها ستستمر في نفس القوة إذا حصلت أية هزة للاقتصاد العالمي. أما الصين فحتى عند اندلاع الأزمة العالمية، كانت هي التي لعبت دورا بارزا في المحافظة على الطلب العالمي، واستمرت بتسجيل معدلات نمو عالية جدا في وقت كانت الاقتصاديات الأخرى منهمكة ببرامج الإنقاذ وحماية شركاتها وتحفيز اقتصادياتها، لذلك كان نمو الصين وقتها ضروريا لإخراج الاقتصاد العالمي من أزمته.

أعود إلى فيتنام التي تقترب من 100 مليون نسمة بالنسبة لعدد السكان، وهذا عامل مهم بالنسبة لدولة تصعد صعودا كبيرا، وتتألق اقتصاديا مقارنة بجيرانها، طبعا عدد السكان لا يقارن بالصين التي تتفوق عليها 15 مرة بالعدد. أما عن حجم اقتصادها وناتجها المحلي الإجمالي فهو عند حوالي ربع تريليون دولار، وأيضا مع جلب أرقام الصين التي حجم اقتصادها عند حوالي 14 تريليون دولار، تصبح الأرقام بعيدة جدا، ولكن لا يمنع كل ذلك من الإشادة بالتجربة الفيتنامية المتصاعدة، والتي لا تنفك الصحف المالية عن الاشادة بأدائها الاقتصادي الرائع وتسجيل معدلات نمو فوق %6.5 والتي هي حاليا تتعادل تقريبا مع معدلات نمو الصين.

المزيد من المصانع تأتي إلى فيتنام، وبدرجة أقل إلى جارتها كمبوديا، ولكن الأهمية هي عند افتتاح شركة كبيرة مصنعا لها في إحدى مدن فيتنام، يكون بذلك بمثابة دعاية كبيرة للبلد، فتجلب معها شركات أخرى متعددة الجنسيات وشركات أخرى كانت مترددة بالقدوم، ولكن عندما تشاهد حجم الاستثمارات في المصانع، فربما تأخذ المبادرة وتأتي، حتى ولو على مستوى عادي في البداية.

ما أود قوله هو إن كان بالنسبة لفيتنام أو أي بلد آخر، فإن الاستثمارات الأجنبية والشركات العالمية تلعب دورا كبيرا في إحداث صدمة إيجابية في اقتصاد البلد، عندما تقرر القدوم إليه، لذلك فإن إيجاد بيئة مناسبة مع قوانين لحماية الاستثمارات، يعطي إشارات ترحيب لهذه الشركات، فتتلقاها بإيجابية، لأنها هذه الشركات دائما تبحث عن فرص، أو تواجد جديد لها، لترفع من إنتاجياتها أو لتزيد من هامش الربحية لديها، فترصد أسواقا جديدة، ولكن هناك في المقابل التعامل مع المخاطر، خصوصا عند الانتقال إلى مناطق جديدة شهدت تحولات سياسية واجتماعية واقتصادية جديدة، فتتعامل الشركات مع هذه المخاطر بحذر شديد في البدايات لاسيما أن المرحلة الأولى من الاستثمار، ستكون القدوم وضخ الأموال، وبالتالي فإن الشركات بحاجة إلى الحماية قبل كل شيء.