نافذة

التجارة العالمية والتحديات

برز الاهتمام بالتجارة العالمية في العقود الثلاثة الأخيرة، بعدما أصبحت شركات الدول الصناعية غير قادرة على النمو داخل حدودها القومية، ما جعلها تلعب دوراً أساسياً في اتفاقيات منظمة التجارة العالمية من خلال دولها بصفتها شركات غير حكومية “NGO”، وكان للفريق الأمريكي الدور الكبير في صياغة اتفاقيات المنظمة، بما يخدم المصالح القومية للولايات المتحدة في العديد من المجالات الاقتصادية، كما أن الولايات المتحدة الأمريكية فاقمت الخلافات الاقتصادية بينها وبين ثاني أكبر الاقتصادات في العالم وهي الصين، بما أبرزته من تهديدات صريحة للاتفاقيات المبرمة.

ويجب هنا الإشادة بدور المنظمة في التنمية الاقتصادية للدول الأعضاء، وكذلك تنمية التكتلات الاقتصادية الإقليمية، حيث ساهمت المنظمة في حل الكثير من النزاعات بين الدول الأعضاء، من خلال مركز حل النزاعات التابع لها في جنيف، ومهدت المنظمة الطريق أمام التجارة العالمية في مجال الاستثمارات العابرة للقارات، وللعلم فإن ذلك لم يكن طريقاً سهلاً لأنه محفوف بالعديد من التحديات، وعلى وجه الخصوص سبع تحديات أساسية.

التحدي الأول، يكمن في الحروب التجارية بين أكبر اقتصادين في العالم، وهما الاقتصاد الأمريكي ومنافسه الصيني الشرس، حيث برزت في الآونة الأخيرة، مناورات تجارية بين البلدين ما يهدد الاقتصاد العالمي بتوسع انتشار الفيروس بين بقية الدول، ويمكن القول أن هذا التحدي القطبي قد يخلق معضلات كثيرة أمام نمو الاقتصاد العالمي، بل ويهدد روح اتفاقيات المنظمة، وآمل ألا تتحول هذه الخلافات إلى صراعات وحصارات تجارية، والخوف أن تمتد هذه الصراعات إلى استخدام الإنترنت في منع تدفق الأموال الناتجة من التجارة بين الدول الأعضاء.

التحدي الثاني، يكمن في محاولة الهيمنة الجغرافية السياسية للاعب الأقوى في الاقتصاد العالمي مثل الولايات المتحدة في قارة أمريكا الشمالية، أو الصين في قارة آسيا، ما يجعل بقية أعضاء المنظمة يتأثرون سلباً من هيمنة الجغرافيا السياسية المنحصرة في أمريكا الشمالية أو آسيا أو أوروبا. إضافة إلى ما تقدم فإن الهيمنة المعلوماتية لدول على حساب دول أخرى سيشكل صعوبة معقدة في معلوماتية التعاملات التجارية بين الدول الأعضاء.

التحدي الثالث والأخطر، هو أن الولايات المتحدة الأمريكية كانت الاقتصاد الأقوى في الربع الأخير من القرن العشرين، لكنها بدأت تشعر بتراجعها أمام الاقتصاد الصيني الذي ينمو ويتوسع بشكل غير مسبوق يهدد القطب الأوحد.

التحدي الرابع، صاحب العولمة والقرية العالمية الصغيرة، التي لا تزال مستمرة في نهجها المتسق بما نادت به الولايات المتحدة الأمريكية بخصوص النظام العالمي الجديد، وذلك بعد سقوط جدار برلين بين الألمانيتين، ونتج عن هذا التحدي ضعف في قيادة العالم، بل أدى إلى عودة الاستعمار القديم بثوب جديد، ليتماشى مع أهداف هذا النظام الذي بدأ في التلاشي، وذلك بسبب بروز لاعبين جدد مثل الصين. المعطيات الحالية تشير إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية لم تعد اللاعب الأوحد في الاقتصاد العالمي ما يضعفها في قيادة العالم. وهنا ينكشف ضعف واضح في قيادة العالم بما يوفر البيئة المناسبة للتجارة العالمية العادلة بين جميع الدول الأعضاء في المنظمة.

التحدي الخامس، يشير إلى عدم تكافؤ القوة بين الدول الأعضاء، ومحاولة بعضها السيطرة على صناعة القرار في اتفاقيات المنظمة، حيث لاحظنا هذا في إطالة مدى الجولات كما حدث في جولة الأرجواي التي امتدت من 1986م وانتهت في منتصف ليل 31 ديسمبر 1994م، أما جولة الدوحة فلا تزال مفتوحة، لم تحل النزاعات التجارية المعلقة فيها، ما يعني أنها ستكون جولة طويلة كثرت فيها النزاعات بين الولايات المتحدة وأغلب الدول الصناعية المتقدمة حول مسائل الإغراق.

التحدي السادس، ينحصر في أن بعض الاقتصادات الضعيفة تتحالف مع اقتصادات أقوى منها لتشكيل تكتلات اقتصادية قد لا تتفق مع التكتلات التي تشجع المنظمة على قيامها، فالمساحة لا تزال واسعة ومفتوحة للاقتصادات الضعيفة للعب دور أكثر فاعلية، لكن بعض الدول القوية عسكرياً تحاول استغلال تلك الاقتصادات الضعيفة، لتحقيق مصالحها كما هو الحال في استغلال روسيا لسوريا، أما الاقتصادات القوية الأخرى في التكتلات الاقتصادية والتجارية مثل ألمانيا في الاتحاد الأوروبي التي تحاول السيطرة على القرارات التي تصب في مصلحتها، وقد يكون هذا أحد الأسباب التي دفعت بريطانيا إلى طلب الخروج من الاتحاد الأوروبي، بل إنها لم تدخل في سياسة وحدة العملة اليورو.

التحدي السابع والأخير، هو ندرة الموارد الطبيعية التي قد تتعرض لها مصادر الطاقة في العالم جراء الإرهاب الذي تنظمه دول امتهنته منذ أكثر من أربعين عام، التنافس على الموارد الطبيعية والمخاطر الإرهابية يشكل تهديداً حقيقياً للتجارة العالمية، إذا لم تتمكن الدول الأعضاء من الخروج باتفاقيات لحماية الموارد الطبيعية ومنها النفط والمياه.