شرفة

يا شركة المياه .. صديقي يخرخر كالبزبوز!

لو سُئلت عن أحد أبرز الابتكارات البشرية، التي يسرت الحياة وجعلتها أجدى وأسهل، لكنت سأختار البزبوز واحداً من هذه الإنجازات الخالدة، والبزبوز أو الصنبور، تسمية شائعة عندنا، أما في مصر فيسمى الحنفية، ويقال إن سبب تسميته بالحنفية هو أن السقايين الذين يحملون قرب الماء على ظهورهم في مصر قد غضبوا من هذا الاختراع الذي يلغي الحاجة لهم ويقطع رزقهم، وأنهم لذلك ذهبوا للمفتي يشكون حالهم، فتم إصدار فتوى تحرم استخدام البزبوز تضامناً معهم، إلا أن أتباع المذهب الحنفي لم يقبلوا هذه الفتوى ورحبوا بهذه الآلة الجديدة التي نسبت لاحقاً لهم.

والصنبور أو الحنفية هو النهاية الطبيعية لعالم معقد من التمديدات والأنابيب التي تمرر الماء في دورة منتظمة، من أسفل مكان تحت الأرض، ليتم تخزينه في أعلى صندوق في المنزل، ثم يتم استدعاء الماء عند فتح مغاليق البزبوز فيتدفق تباعاً في دورات وأوردة المنزل أو المنشأة ليغمر حياتنا بالارتواء والنظافة والانتعاش.

وكان الناس قبل دورة السباكة الحديثة، في كد وجلد، يغرفون من براميل متراصة، جُلب ماؤها على ظهور الدواب أو محمولاً على ظهور السقايين. وكنت ومازلت أشعر بنعمة البزبوز وقيمته، إذا انقطع الماء عندما اضطر للعودة إلى المرحلة البراميلية.

والبشر في كل ذلك مدينون لمخترع البزبوز، وهو الإنجليزي توماس كامبيل. وتعظم قيمة هذا الاختراع أكثر، عندما يكون الماء شحيحاً في بلاد ليست نهرية ولا ينابيع فيها، كما هو حال بلادنا التي حظيت إلى جانب نعمة السباكة الحديثة، بنعمة تحلية المياه المالحة، حتى صرنا نشرب البحر ونحن راضون.

اللافت للنظر هو أن الصنبور في تضاد عكسي مع الفم واللسان، فكلما تم إغلاق الفم عن سقط الكلام، كان ذلك أسلم وأكثر أمناً، وعلى العكس منه، فكلما توقف البزبوز أو جف، فذلك يعني العطش والاتساخ، وإذا انفتح جاد بالحياة.

على أن بعض البشر يتمتعون بأفواه مثل الحنفية الصدئة، لا تتوقف عن التنقيط والخرخرة، فترى هذا  “الآدمي” مهذار مكلام مكثار بنميم، لا يكاد يبلع ريقه فيما لسانه يبطش ويلطش ويهمز ويلمز، ولتجدنه أشد الناس حاجة لسباك يكرب حنكه، ويضبط جلبة لسانه، كما هي الحاجة الماسة مثلاً في أن تقوم وزارة الشئون الإسلامية بالفحص الدوري على حمامات المساجد، التي يهدر فيها الماء بلا حساب، فليت  الوزارة وهي تستقدم حراس المساجد، أن تجعلهم من السباكين أو من ذوي الخبرة في صيانة دورات المياه.

ولسان الإنسان كما هو معلوم على حالين، فقد يصبح مناطاً للحكمة وحسن الكلام، أو قد يجر صاحبه إلى الهلاك، وهنا مكمن المهارة الفردية في السيطرة على الخارج من هذه البوابة، والتحكم في الكلام الذي يتسرب منها، متى يقوله؟ وأين يقوله؟ وما لا يجب أصلاً أن يقوله؟.

كانت والدتي ـ يحفظها الله ـ تغضب منا نحن أولادها يوم أن كنا صغاراً نتحدث بما لا يعجبها، فكانت تستخدم مثلاً شعبياً للتعبير عن عدم رضاها، ولم أكن وأنا صغير أفهم معنى المثل، إلا في كونه ردعا وتأنيبا ونهيا. كان مثلها الذي توالى تكراره علينا “يا ليت حلقي حلق نعامة”، وقد أدركت لما كبرت خاصية حلق النعامة الطويل، والذي يفلتر الكلمة، وينظفها قبل أن تصل إلى اللسان وتنطلق.

اللهم اجعل كلامنا فيما يرضي الله، ورسوله، ولا تجعل أفواهنا كالبزبوز الخرار، ووفق اللهم مستهلكي المياه في بلادنا لترشيد الإسراف في أحواض غسيل المطابخ، وكثرة الهدر في الاستحمام، وغسل الأحواش، وري الحدائق، ثم ألهم المسئولين للاعتناء بحمامات المدارس والمساجد، لعلنا نرعى متكاتفين هذه الثروة الشحيحة الناضبة.