رجل وزمان

ابن جبير..
أول رئيس لـ “الشورى” في نسخته “الحديثة”!

وصفه الملك سلمان في مجلس العزاء قائلاً: إنه “رجل علم ورجل دولة ورجل أخلاق“

لم يكن يضيقُ بـ “الحوار” بعيد النظر وكان قادراً على امتصاص حماسة أصحاب الأحكام المسبقة

وهبه الله سداد الرأي والصبر على العمل مع العلم بأمور الدين ومقتضيات السياسة ولا يضايقه اختلاف

في اليابان اقترض مبلغا من أحد أعضاء الوفد لمساعدة جمعية خيرية وفي أفريقيا تكفل بمصروفات جمعية قرآنية

تمتّع الشيخ محمد بن جبير بثقافة موسوعية، إضافة إلى تميّزه بثقافة شرعية واسعة وعميقة، ومهارات عدة أهلته لها دراستُه وخبراته المتنوعة، جامعاً بين انفتاح على مختلف الثقافات وإلمام واسع وعميق بمختلف الآراء والأفكار، وبين رؤية محافظة تستند إلى ميزان الدين ومبادئ الشريعة السمحة، روحا وجوهرا وعُمقاً، وإلى ذلك كله تمتّع بروح متصالحة مع النفس ومع الآخرين، يُنصتُ إذا استمع للآخرين، ويكون موضوعياً مُنصفاً إذا ما حكم بين أمرين أو عدة أمور، لا يضيقُ برأي، ولا يغضبُ لخلاف، فلم يكن غريباً أن يتولّى العديد من “الحقائب” والمسؤوليات والمناصب، وأن يكون عضوا بارزا في العديد من “المجالس” الوزارية، وكثير من “اللجان” المسؤولة عن التخطيط في مواقع عدّة مهمة بالمملكة، من القضاء، إلى الإعلام، وأن يصلَ إلى رئاسة مجلس “الشورى” ــ البرلمان ــ في نسخته “الحديثة، إذ تولى رئاسة المجلس في الفترة (من 1414هـ إلى 1422هـ)، في مسيرة تشهد للرجل بتفوقه وإخلاصه “رجل علم ورجل دولة ورجل أخلاق”، كما وصفه خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز في مجلس عزاء.. السطور القادمة تستعرضُ لمحات من حياته، وصفحات من تجربته، وتقص خطوات من مسيرة كفاحه..

من مفاتيح شخصية ابن جبير، أن الوقار ــ كما رآه أكثر المقربين منه ــ عنوان شخصيته، والإصغاء لأي متحدث وإتاحة الفرصة للمداخلات طبيعته، وقد منحه القضاء قوة في التمسك بهذه الصفات الطيبة، وأصبح لديه القدرة في امتصاص المواقف مهما كانت صعوبتها، وهو يثري النقاش من خلال نضج حواره، وحينما أبدى البعض تخوفه من إرثه في القضاء، أجاب قائلا: صدري في مثل اتساع الربع الخالي، وقد برهن على ذلك لدى ترؤسه لمجلس الشورى، فوصفت إدارته للجلسات بالحازمة والمتحضرة في الوقت نفسه.

معالي الشيخ محمد بن إبراهيم بن جبير وزير العدل، وأول رئيس لمجلس الشورى في تكوينه الجديد عام 1414هـ والذي استمر فيه حتى وفاته عام 1422هـ.

 

ولادته ونشأته:

ولد في المجمعة في العشرين من ذي القعدة عام 1348هـ الموافق 18 إبريل 1930م، وعن دراسته ذكر الشيخ محمد في المقابلة التي أجراها معه الدكتور عبدالرحمن الشبيلي توثيقا لمسيرته، في كتاب بعنوان “الشيخ محمد بن جبير: جوانب من سيرة شخصية”، فقال أدخلني والدي، وأنا في الثامنة من عمري المدرسة الإبتدائيه، وأذكر أن بعض الأشخاص وضعوا في السنه الثانيه والثالثه، بينما أنا وضعت في السنة الأولى، فكان في نفسي شيء من هذا ولكن الزمن كان كفيلا بأن أواصل دراستي وأحصل على الشهادة الابتدائيه، قبل أن يحصلوا عليها، فقد ظل في الابتدائية أربع سنوات فقط وكانوا ينتقلون إلى الصف الذي يليه بعد فتح الصف من قبل المعارف وفي العام 1361هـ قام والده مع بعض الأئمة من أهل المجمعه بالمطالبة بفتح فصول عليا، واستجابت مديرية المعارف وكان مديرها آنذاك الأستاذ طاهر الدباغ، وأرسل مديراً وأساتذة وفتح فيها صفا رابعا ثم خامسا وتوقفت عند الخامس.

 

تلقى الشيخ تعليمه على يد عدد من المشايخ مثل الشيخ عبدالله العنقري والشيخ محمد الخيال والشيخ عبدالعزيز بن صالح والشيخ عبدالله بن حميد والشيخ سعود ابن رشود ثم انتقل محمد بن جبير إلى مكة المكرمة، والتحق بالمدرسة العزيزيه الواقعة في حي الشامية، وبعدما تخرج منها التحق بتحضير البعثات، وكان والده آنذاك في حقل التابعة لمنطقة تبوك، فكتب إليه أن يراجع مدير المعارف الأستاذ طاهر الدباغ الذي تربطه علاقة صداقة بوالده، وقد استقبله، رغم صغر سنه، بمنتهى الذوق واللطف.

دار التوحيد:

الدراسة في دار التوحيد هي بمثابة دراسة المتوسطة والثانوية، وبقي فيها الشيخ محمد أربع سنوات مع أن الدراسة فيها خمس سنوات، إلا أنهم طووا سنه لتكون مدة الدراسة أربع سنوات، وهي مرحلة الدراسة الإعدادية والثانوية حتى تحولت إلى معهد ثانوي، كأي مدرسة ثانوية في سلك التعليم وقد كان الشيخ محمد ضمن الدفعة الأولى من خريجي دار التوحيد، عندما أرسل الملك عبدالعزيز اثنين من المشايخ أحدهم محمد ابن راشد وأرسله إلى المجمعة وشقرا، والآخر عبدالله بن عامر وأرسله إلى بريدة وعنيزة، لحث الطلبة وتسجيلهم ونقلهم من القرى إلى الطائف.

 

من كلية الشريعة للحياة العملية:

في العام 1369هـ، افتتحت كلية الشريعة بجامعة أم القرى ودخلها الشيخ محمد، وتخرج فيها عام 1372هـ ضمن الدفعة الأولى.

 

وبعد أن تخرج الشيخ محمد، عمل في سلك القضاء لمدة سنتين حيث عمل ملازماً قضائياً في محكمة مكة المكرمة، ثم قاضيا في المحكمة المستعجلة، ثم انتقل في العام 1374هـ إلى ديوان المظالم وعمل محققاً شرعياً في مقره بجدة، ثم نقل الديوان إلى الرياض وبقي فرع للديوان في جدة، وكان رئيسه سمو الأمير مساعد بن عبدالرحمن، وكان الشيخ محمد على صلة بالملك سعود الذي كان يعمد الأمير مساعد بالتحقيق في قضايا، وكل ما يرفع إليه من شكاوى وقضايا، وكان الملك سعود يكلف الشيخ محمد كغيره من المحققين بالقضاء، لكن الأمر كان يقتضي أحيانا أن يتصل بالملك سعود مباشرة، ويعرض عليه بعض الأشياء أو يأخذ توجيهاته في أمر من الأمور المهمة.

ترأس مجلس الإعلام وكُلِّفَ بمراقبة المسلسلات وقال إن “الجذور” وصمة عار للحضارة الغربية

انتقد بعضُهم عملَ سلفه فقال لهم: نلتمس العذر لمن سبقنا عسى أن يأتي بعدنا من يلتمس العذر لنا

تمتّع بثقافة شرعية واسعة تجمع بين المحافظة والانفتاح وخبرة في صياغة القوانين وكان صديقا للإعلام ومنتسبيه

حرص على تنوع مهارات موظفي المجلس وأنشأ لجنة للتوظيف معيارها الكفاءة وتجنّبَ “المحاصصة”

ابن جبير والإعلام:

بدأت علاقة الشيخ محمد بن جبير بالإعلام، عندما كلف كعضو بلجنة التخطيط الإعلامي، في عام 1387هـ وكان وزير الإعلام حينها الشيخ جميل الحجيلان ومعه في عضوية اللجنه الشيخ سعيد الجندول والشيخ عبدالعزيز المسند ثم تغير اسم اللجنة ليصبح مجلس الإعلام، وكانوا يجتمعون مع الوزير وعبدالوهاب عبدالواسع وكيل وزارة المعارف وعبدالرحمن المنصوري وكيل وزارة الخارجية والشيخ علي النفيسي من الديوان الملكي وكان الاجتماع يتم في وزارة الإعلام في جدة.

ومن الأشياء التي طرحت للنقاش أمام اللجنة أن الشيخ محمد قدم مشروعا لإذاعة المملكة، أهدافها وتوجهاتها، وكان يشاركه حمزة بوقري وعبدالرحمن الشيباني، ثم جمد المشروع، حتى توفي الملك فيصل، وفي عهد الملك خالد أعيد تشكيل اللجنة، وكان وزير الإعلام حينها الدكتور محمد عبده يماني، وكان الشيخ محمد قد عين رئيسا لديوان المظالم ثم وزيرا للدولة، وكان في غياب وزير الإعلام يترأس مجلس الإعلام، حتى أعيد تشكيله من جديد برئاسة الأمير نايف بن عبدالعزيز.

 

وبعد إنشاء التليفزيون السعودي كلف الشيخ محمد، سواء لوحده أو مع آخرين، بمراقبة عدد من المسلسلات وكان من أبرز المسلسلات التي كلف بمراقبتها: مسلسل رجال القضاء الذي أنتجه رشيد علامة، ولم تبد عليه ملاحظات جذرية بل كانت شكلية، كما ذكر الشيخ في لقائه، وكذلك فيلم عرس في السماء، أما مسلسل الجذور الأمريكي الشهير، فقد راقبه الشيخ محمد وعرض منه خمس حلقات، ثم أوقف لأسباب لم تكن كافية لإيقافه، وقال الشيخ محمد عن مسلسل الجذور أنه يعد وصمة عار في وجه الحضارة الغربية، فكيف كانت الحضارة الغربية الأوروبية والأمريكية تعامل الناس؟ لقد كانوا مسلمين إلى درجة أن العنابر في السفن كان يرفع فيها الآذان وتسمع الله أكبر، وكانوا يؤخذون من جزيرة قوري بالسنغال إلى أمريكا ودول أوروبا.

 

ابن جبير ومجلس الشورى:

الشيخ محمد بن جبير أول رئيس لمجلس الشورى في تكوينه الحديث الذي بدأ عام 1414هـ، وقد جمع بين الحقيبة الوزارية وعضوية هيئة كبار العلماء وله تاريخ حافل في سلك القضاء، سواء في المحاكم أو ديوان المظالم ومجلس القضاء الأعلى والعديد من المجالس العليا أهمها عضوية اللجنة التي درست أنظمة الحكم ومجلس الشورى والمناطق التي أصدرها الملك فهد عام 1412هـ، ثم نظام مجلس الوزراء الصادر في 1414هـ، وكان اختياره رئيسا لمجلس الشورى خطوة موفقة، إذ تمتّع بثقافة شرعية واسعة وعميقة، كما تمتع بخبرة في صياغة القوانين، وثقافة تجمع بين صفتي التحفظ والانفتاح فقد درس في نجد والحجاز وزار بلداناً كثيرة وكان صديقاً للإعلام ومنتسبيه.

 

كان الشيخ محمد بن جبير حريصا على تنوع مهارات موظفي المجلس، بحيث لاتغيب منطقة من مناطق المملكة عنه شريطة أن يكون التوظيف للمؤهل، وألف لجنة للتوظيف ضمت أعضاء من عدة أجهزة حكومية لتحري الموضوعية، وأحال إليها طلبات الشفاعة التي ترد إليه للتوظيف، لذلك خلا المجلس من أقاربه ومن الفئوية التي لم يكن يميل إليها معيارا للاختيار، ومقابل ذلك لم يكن ميالًا للمحاصصة في عضوية الشورى، وأن العضوية ينالها الكفء الأمين من الرجال لأنها ولاية عامة، وكان من رأيه التأني لإنضاج تجربة الشورى والابتعاد عن افتعال الخلافات مع المؤسسات والأجهزة الحكومية، والتعاطي الحذر مع الإعلام حتى لايأخذ المجلس حجما شعبيا أكبر من حقيقته، ثم يصاب الناس بخيبة أمل لتوقعاتهم وأحلامهم، ومما حظي به المجلس إبان ترؤسه له، حصر نشاط الأعضاء في الجلسات وعضوية لجان الشورى فقط، ومنح عشر دقائق لأية مداخلة، والتأكد من العدالة في المشاركات الخارجية الودية. ومما يذكر للشيخ محمد حصوله على موافقة الملك فهد لمنح جميع الأعضاء بدل سكن، واستحداث ستين وظيفة لستين مساعدا إداريا عملوا في المجلس خلال سنواته الأربع.

 

ابن جبير والملوك:

عمل الشيخ محمد بن جبير مع عدة ملوك، وقد قال عنهم كلمات مختصرة ذات دلالة، وكلهم يأخذون بالشورى، فقال إن الملك عبدالعزيز يحرص على لقاء العلماء والوجهاء، أما الملك سعود فلا يتردد في قبول مقترحات المختصين، وكان الملك فيصل قليل الكلام سريع الاستيعاب، والملك خالد يحمي أخلاق البلد ويحافظ على قيمه، ولايعرف الملك فهد الانتقام ولايرغب به ويسعى لاحتواء الناس واستصلاحهم ويتصرف بمايليق بحاكم مثله، ولدى الملك عبدالله رغبة في القضاء على أية مخالفة للنظام مع غيرة عربية ظاهرة، وقد وصف الملك سلمان الشيخ محمد في مجلس العزاء بأنه رجل علم ورجل دولة ورجل أخلاق.

مزايا ومواقف إنسانية:

كثيرة هي خصال الشيخ محمد بن جبير فقد وهبه الله التواضع ولين الجانب، فهو يألف ويؤلف بعيدا عن التعقيدات والحواجز، ولايتوانى عن تهنئة أو تعزية أو الترحيب بالجميع صغاراً وكباراً. ويقول حتى المراسل يؤخذ رأيه فربما لديه نظر أو فكرة، ولايبخس من قبله بالعمل فيعترف بالفضل لأول وزير عدل، ولما ولي أحد المناصب أتى إليه بعض كبار الموظفين ينتقدون عمل سلفه، فقال لهم: لعلنا نلتمس العذر لمن سبقنا عسى أن يأتي بعدنا من يلتمس العذر لنا. ومن مآثره تقديم حسن الظن بالآخرين، والتروي في اقوال المخالفين قبل الموافقين. وسيذكر له التاريخ إصداره حكما بالبراءة على أصحاب رأي وإرشاده لأحدهم بتصحيح طريقة إجابته كي تنفعه ولا تضره، وإصراره على ترك مساءلة الكتاب الذين انتقدوا أداء المجلس.

 

وقد حرص على الإنفاق على المشروعات الخيرية، من ماله الخاص، خصوصاً في سفراته الكثيرة، ففي زيارته لليابان اقترض مبلغا من احد أعضاء الوفد لمساعدة جمعية خيرية هناك، وفي دولة إفريقية تكفل بمصاريف جمعية قرآنية فيها، وخلال زيارته للسنغال أصر على زيارة جزيرة قوري التي خطف الأمريكان عددا كبيرا من أبنائها ليصبحوا عبيدا، وفي زيارته للصين فرح المسلمون هناك به وأطلعوه على أكبر نسخة من المصحف في العالم يحتفظون بها.

 

قالوا عنه:

الكثيرون تحدثوا عن مناقب الشيخ ابن جبير ولعلنا نورد مقتطفات منها ما نقله الدكتور فهد العرابي الحارثي في كتابه “هؤلاء وأنا” عن البروفيسور سليم جاهل أستاذ القانون في جامعة باريس، قوله بعد أن التقى بالشيخ لأول مرة في منزل الدكتور فهد: بهرني هذا الشيخ يافهد وأريد تكرار اللقاء معه. ويصف عضو الشورى السابق رئيسه قائلا بأنه قادر على امتصاص حماسة الأطراف التي لديها أحكام مسبقة، وتعلمنا منه قبول الحوار مع أننا كنا نعتقد أنه قادم من مدرسة الاتجاه الواحد، فإذا بنا نحن من يغتال الحوار، مع أننا درسنا في جامعات غربية منفتحة، وقال عنه سفير المملكة السابق في اليونسكو د. زياد ابن عبدالله الدريس في كتابه “حكايات رجال” إن الشيخ محمد يجمع بين حديث النص وحديث التجربة في قالب واقعي متجانس، كما يرى الأستاذ حمد بن عبدالله القاضي عضو مجلس الشورى السابق في كتابه الرثائي “غاب تحت الثرى أحباء قلبي” أن الله وهب الشيخ محمد سداد الرأي والجلد على العمل وبعد النظر، مع العلم بأمور الدين ومجريات السياسة ولا يضيق بحوار ولايتضايق من اختلاف.

وفاته: بعد رحلة حافلة بالعطاء في مختلف الميادين الشرعية والقيادية انتقل إلى جوار ربه محمد بن إبراهيم بن جبير في الرياض يوم 10 من ذي القعدة 1422 الموافق 24 يناير 2002 لتبقى سمعته وسيرته الحسنة في رحلة حياته التي استمرت زهاء الـ 74 عاما قضى معظمها في خدمة وطنه رحمه الله وأسكنه فسيح جناته.